الأقدام القوية المختلطة بدماء نارية هو الوصف الذي يعطي فكرة عن الكتيبة الكرواتية. والعقلية الثائرة على ماضيها والطامحة لمستقبلها هي التي تميّز التشكيلة الإنكليزية.

منتخبان تفوّقا على نفسيهما في المونديال الروسي، وخالفا التوقعات التي قالت أنهما سيلعبان دوراً ثانوياً. هي صفة التصقت بهما منذ زمنٍ طويل، وتحديداً المنتخب الكرواتي الذي كان مفاجأة لم تتكرر في مونديال فرنسا عام 1998. وهي صفة أيضاً أصابت إنكلترا منذ فشلها المتكرر في أعقاب بلوغها نصف نهائي مونديال 1990 في إيطاليا، فغابت بعدها ثم انكفأت أمام كبار العالم.

جيل انكليزي جديد هدفه محو الفشل المتواصل والتتويج بالكأس للمرة الاولى منذ عام 1966

«عقدة 1998» لا شك في أنها طاردت جيل لوكا مودريتش وايفان راكيتيتش في كل مرة دار فيها حديث عن تاريخ الكرة الكرواتية فوصف جيل دافور شوكر وزفونيمير بوبان بالذهبي دونه رجال المنتخب الحالي. هم الليلة على أبواب كسر الكلام التقليدي. ومثلهم الإنكليز الذين بات المنتخب لدى نجومهم السابقين همّاً كبيراً، فتمثيله غير مجدٍ لأن الفشل دائماً كان بالانتظار. القاعدة قد تتغيّر بشكلٍ كبير، فالإيمان وصل إلى حدودٍ غير مسبوقة بهاري كاين وزملائه الذين لم يصلوا إلى النجومية القصوى في بلادهم بعد بحُكم صغر سنهم، لكن المجد المطلق بانتظارهم بلا شك.

معركة أنيقة
كرواتيا ومنذ بداية المونديال برهنت عن نفسها، أقله عندما سحقت الأرجنتين في دور المجموعات، ثم تخطيها اختبارين صعبين بركلات الترجيح أحدهما أمام المنتخب المضيف. اختباران بمجرد النجاح فيهما يمكن إدراك مدى برودة أعصاب الكروات الذين لا يهابون أي شيء، ليرتفع «الأدرينالين» في أجسادهم إلى أعلى مستوياته كون الطريق إلى نهائي موسكو بات أقصر ومعالمها أوضح.
ومما لا شك فيه أن الطريق الصعب الذي عرفه الكروات حتى وصولهم إلى دور الأربعة مفيد كثيراً بالنسبة إليهم، فهم خبروا مسألة التحدي الصعب واستعدوا ذهنياً لأي ظرفٍ، وذلك بعيداً من مسألة الحديث عن إمكان شعورهم بالتعب البدني جراء خوضهم أربعة أشواط إضافية في مباراتين متتاليتين. مسألة لا يجب الحديث فيها، إذ يضع الكروات اليوم دماءهم في الملعب بغية تحقيق حلمٍ لم يكن منتظراً يوماً بالنسبة إلى بلادٍ يصل عدد سكانها إلى 4 ملايين نسمة فقط. لكن على رغم ذلك هي أنجبت جيلاً من لاعبي الوسط الأنيقين، الذين شكلوا الخط الأفضل في المونديال على هذا الصعيد.
تفوّق المنتخبان على نفسيهما في المونديال الروسي، وخالفا التوقعات التي قالت أنهما سيلعبان دوراً ثانوياً


المعادلة بسيطة: سلّموا الكرة إلى مودريتش أو راكيتيتش والهدف سيأتي عاجلاً أم آجلاً.
وهذه المعادلة نفسها تحضر بشكلٍ أو بآخر في الملعب الإنكليزي، إذ لا ستيفن جيرارد ولا قبله بول غاسكوين ولا معه بول سكولز وبعده فرانك لامبارد، قدروا على تمتين خط الوسط الإنكليزي بالشكل الذي يفعله اليوم جوردان هندرسون وديلي آلي وجيسي لينغارد ورفاقهم. الوسط الإنكليزي يجمع الآن بين الصلابة الدفاعية، والفعالية في المساندة الهجومية، والفكر الخلاّق.

الضغط ثم الضغط
وهذه المعركة الأنيقة تبرز فيها نقاط مختلفة في أسلوب الفريقين وأخرى متشابهة. كرواتيا وعلى رغم امتلاكها لأكثر اللاعبين موهبة في الوسط مقارنة بكل المنتخبات التي حضرت في المونديال، لديها مشكلة على هذا الصعيد، وهي عدم احتفاظها بالكرة لوقت طويل، إذ يعتمد أسلوبها على إيصالها سريعاً إلى المهاجمين، لذا فان نسبة تمريراتها عند استحواذها لا تتخطى الثلاث تمريرات ما يضعها في المركز الـ16 بين المنتخبات المونديالية الـ32، مقابل وقوف إنكلترا في المركز السادس، وهي تستخدم استعادتها للكرة واستحواذها عليها لإعادة الانتشار وتنظيم صفوفها.
لكن التشابه بينهما هو لناحية التصرف عندما لا تكون الكرة بحوزتهما، حيث يحضر الضغط القاسي على حامل الكرة، وذلك وسط نقطة مهمة لدى الإنكليز وهي تتمحور حول كيفية توزيع وتوفير مجهودهم لكي لا تتأثر نسبة مخزونهم البدني، إذ يتركون الخصم يتصرف بالكرة في ملعبه لكن من دون السماح له بالتقدّم أكثر، فغالبية المساحات التي استعادوا فيها الكرة خلال مبارياتهم السابقة كانت في منتصف الملعب أو على مسافة 10 أمتار في عمق ملعب الخصم.


وإذا كانت إنكلترا تسمح لخصومها بتبادل الكرة لكي تقرأ اللعبة، فإن هذا الأمر سيخلق مشكلة لها مع اللعب المباشر والسريع لكرواتيا عند استحواذها، وهي القوية في عملية استعادة الكرة بفعل القوة البدنية الموجودة لدى رجالها الأشبه بالمصارعين، والذين يبدأون بإزعاج الخصم منذ اللحظة الأولى لانطلاق الكرة من منطقته، تماماً على غرار ما يفعل العملاقان ماريو ماندزوكيتش وأنتي ريبيتش.
وبالتأكيد ستحاول إنكلترا الاعتماد في شكلٍ كبير على فعاليتها في الكرات الثابتة، التي تبدو مدروسة منذ وصول المدرب غاريث ساوثغايت إلى المنتخب. لكن مع كرواتيا قد لا يكون هذا الحلّ نافعاً، إذ إن روسيا كانت الوحيدة التي تمكنت من هزّ شباك الكروات من كرة ثابتة، على رغم أن 22 تسديدة أخذت مساراً باتجاه المرمى الكرواتي من خلال هذه الكرات، وهو ما يجعله في خطر إذا تخلى عنه الحظ في المواجهة مع الإنكليز.
كرواتيا على ابواب كسر الكلام التقليدي عن جيلٍ ذهبي لم يعرفه المنتخب إلا مع شوكر وبوبان

مباراة سيغلب عليها طابع التوتر، إذ لم يسبق لأي لاعبٍ من المنتخبين الوقوف على الساحة الدولية في هذه المرحلة المتقدّمة، لكن الأفضلية على هذا الصعيد ستكون كرواتية من دون شك، كون غالبية لاعبي المنتخب الأحمر والأبيض عرفوا سابقاً معنى المباريات المصيرية مع أنديتهم وتحديداً في البطولة الأهم أي دوري أبطال أوروبا.


هاري كاين: موعد مع التاريخ


يعتبر هاري كاين من أفضل اللاعبين الإنكليز في كأس العالم الحالية، وأفضلهم برأي الكثيرين. يتصدّر «الملك هاري» ترتيب هدّافي البطولة بستة أهداف، وهو يتميّز بحسّه التهديفي العالي، إذ على رغم تسجيله ثلاث ركلات جزاء، إلاّ أنه يبقى صاحب معدّل تهديفي عال جداً، فمن أصل 10 تسديدات له على المرمى، سجّل 6 أهداف حتّى الآن في المونديال. وسيكون قائد المنتخب الإنكليزي على موعد مع التاريخ في هذه النسخة، إذ يقف أمام تحدٍّ جديد، وهو كسر رقم «الظاهرة» البرازيلي رونالدو الذي سجّل 8 أهداف في بطولة واحدة لكأس العالم في 2002 ليكسر سلسلة من 6 مونديالات لم يسجل فيها هداف البطولة أكثر من 6 أهداف. ومن جهة أخرى، ففي حال سجّل كاين هدفاً واحداً سيكسر رقم أبرز هدّاف إنكليزي في تاريخ كأس العالم والذي يعود إلى المهاجم غاري لينيكر في مونديال 1986 في المكسيك، وهو بغض النظر عن نتيجة مباراة الليلة سيكون لديه 180 دقيقة للوصول إلى مبتغاه.

لوكا مودريتش: حلم الكرة الذهبية


تعني مباراة الليلة الكثير للوكا مودريتش ولكرواتيا، كيف لا وهي المباراة التي عادل بها هذا الجيل ما فعله منذ 20 سنة الجيل الكرواتي الذهبي بقيادة هدّاف كأس العالم 1998 دافيد شوكر. مودريتش خرج حاملاً جائزة أفضل لاعب في المباراة ثلاث مرات، وهو أكثر لاعب حصل على هذه الجائزة في المونديال الروسي حتى الآن. شارك نجم ريال مدريد في خمس مناسبات في هذه النسخة المونديالية، مسجّلاً هدفين إضافة إلى صناعته لهدفٍ وحيد. أرقام قد لا يراها البعض خارقة، لكن من يتابع القائد الكرواتي بدقّة يعرف قيمة تأثيره في أداء ونتائج منتخبه. أضاع مودريتش ركلة جزاء حاسمة في مباراة دور الـ16 أمام الدنمارك في الدقائق الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني، إلاّ أنه استعاد قوّته وسجّل ركلة ترجيحية بكل ثقة. والأكيد أنه في حال فوز المنتخب الكرواتي بكأس العالم، ولو أن الكلام مبكر عن هذا الأمر، سيدخل شبيه يوهان كرويف بقوة على خط جائزة أفضل لاعب في العالم، إذ من دونه لما فاز الريال بدوري أبطال أوروبا، ومن دونه لما وصلت كرواتيا إلى هذا الدور المتقدّم في المونديال.