عند كل فترة لتوقف الدوريات المحلية أو ما يُعرف بفترة التوقف الدولي، يكثر الحديث عن إصابات اللاعبين التي تؤثّر سلباً على الأندية. لا تتوقف الأمور عند هذا الحد، فهذه الفترة التي تُلعب خلالها التصفيات المؤهّلة إلى البطولات القارية، وبطولة كأس العالم، تعتبر من أبرز الفترات التي تتم خلالها إقالة المدربين من المنتخبات بسبب سوء النتائج، وربما يكون مدرب منتخب البرازيل أدينور ليوناردو باتشي والمعروف بـ«تيتي» هو الأقرب للإقالة.

منذ أن تسلم «تيتي» زمام الأمور في منتخب الـ«سيليساو»، وهو يتفوّق على جميع من سبقه من مدربين، على الأقل خلال السنوات العشر الماضية. الصحف البرازيلية تغنّت بمدرب المنتخب الوطني، وكأنه ساحر قد جاء لانتشال كرة القدم البرازيلية من الواقع الصعب الذي عاشته مؤخراً، لإعادتها إلى الواجهة من جديد. خلال التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2018 الأخير، تصدّر المنتخب البرازيلي المشهد عن جدارة، حتى أنه كان متفوقاً على المنتخبات اللاتينية الأخرى التي تتنافس ضمن التصفيات. البرازيل تغيّرت مع «تيتي»، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، فهو من أعاد الهيبة التي انكسرت بوضوح منذ مونديال أراضي «السامبا» عام 2014، وتحديداً منذ الخسارة الكبيرة والتاريخية أمام المنتخب الألماني بسبعة أهداف مقابل هدف واحد في نصف النهائي. «تيتي»، وقبل خوضه المونديال الروسي، عرف الأسس الصحيحة التي سيبني عليها تشكيلة المنتخب، فهو وضع الأسماء المناسبة في الأماكن المناسبة. إضافة إلى استدعائه لأهم وأبرز اللاعبين البرازيليين في أوروبا، وهذا ما كان ينقص منتخب البرازيل في السنوات الماضية. وضع تشكيلته التي يراها من زاويته على أنها الأفضل، وذهب إلى روسيا واضعاً نصب عينه هدفاً واحداً فقط، رسم النجمة السادسة على القميص الأصفر التاريخي.
التوقعات قبيل بداية المونديال كانت تصب في مصلحة «تيتي» ومنتخب البرازيل، إضافة إلى منتخب «الديوك» الفرنسية. هذا الأمر كان واضحاً للجميع، نظراً إلى الزاد البشري الكبير الذي يملكه كلٌّ من المنتخبَين الفرنسي والبرازيلي. أسماء برازيلية مميزة كنيمار، فيليبي كوتينيو، كاسيميرو، روبيرتو فيرمينو، غابرييل جيسوس، وعلى الجانب الفرنسي هناك كيليان مبابي، بول بوغبا، نغولو كانتي، أنطوان غريزمان وغيرهم من الأسماء التي باستطاعتها صنع الفارق في أي مباراة. مسار المنتخبين في البطولة كان متواضعاً، إلّا أن خروج المنتخب البرازيلي من الدور ربع النهائي كان صادماً للكثيرين، ومن بينهم المدرب تيتي نفسه. (2-1)، هي نتيجة ربع النهائي أمام «الشياطين الحمر» بلجيكا، المنتخب الذي تمكّن مدربه الإسباني روبيرتو مارتينيز من التفوق وبسهولة على «تيتي». أغلق ابن إسبانيا النوافذ على مدرب البرازيل، ولعب بطريقة دفاعية يصعب اختراقها، ما أدّى إلى خسارة منتخب الـ«سامبا» بعد أن فشل في التعامل مع المرتدّات البلجيكية التي كانت «حاسمة» خلال اللقاء.

لا يمنح المدرب فرصاً لعدد كبير من اللاعبين خلال المباريات الودية


بعد الخروج غير المتوقّع من المونديال وتحديداً من ربع النهائي، انهالت الانتقادات على المدرب البرازيلي. حمّل «تيتي» المسؤولية كونه لم يشرك نجم ليفربول روبيرتو فيرمينو سوى في دقائق قليلة، وذلك لحساب النجم الشاب غابرييل خيسوس الذي لم يقدّم الكثير مع «السيتيزنس» خلال الموسم الذي سبق المونديال. إضافة إلى إشراكه فيليبي كوتينيو في مركز الجناح، وهو المكان غير المحبّب من قِبل «كوتي»، الذي يفضّل تسلم الكرة في وسط الملعب كصانع ألعاب للمنتخب وللفريق الذي يشارك معه. انتقادات فنيّة قاسية تعرّض لها تيتي، وذلك بسبب منسوب التوقعات الذي كان مرتفعاً جداً قبيل بداية «العرس الكروي الروسي». لكن، وبعد كلّ «الأخذ والرد»، جدّد الاتحاد البرازيلي الثقة بمدربه، وأعلن أنه سيبقى مع المنتخب حتى المونديال المقبل في قطر 2022. خبر لم يعجب الكثيرين، إلّا أن تيتي وبدلاً من وضع خطة مُحكمة وتصحيح الأخطاء، أصرّ على تصرفاته وقراراته غير المنطقية.
خلال فترة التوقّف الدولي، خاض المنتخب البرازيلي العديد من المباريات الودّية. تشكيلة المنتخب ثابتة، لا تغييرات فيها، سوى في بعض المراكز والأسماء، إلّا أن اللاعبين الأساسيين هم نفسهم، والحديث هنا عن كل من نيمار، كوتينيو، خيسوس، داني ألفيس، كاسيميرو وغيرهم. لماذا؟ تيتي لا يعرف كيف يدير المباريات الودية، أو بمعنى أدق، لا يعرف كم هذه المباريات مهمّة له كمدرب للمنتخب. يستطيع تيتي أن يستفيد من هذه المباريات في تجربة لاعبين لم تسنح لهم الفرصة للمشاركة في المباريات الرسمية. أسماء كثيرة كديفيد نيريس لاعب أياكس أمستردام الهولندي، فيليبي أندرسون لاعب ويست هام، دوغلاس كوستا لاعب يوفنتوس، إيفرتون سواريس لاعب غريميو وأحد نجوم بطولة «كوبا أميركا» الأخيرة. إضافة إلى كلّ من فابينيو لاعب «الريدز» ليفربول، آلان لاعب نابولي. بالنسبة إلى الشق الدفاعي، يوجد إيدر ميليتاو لاعب ريال مدريد وبورتو البرتغالي السابق. لا يوجد أي مبرّر للمدرب في عدم إقحامه للاعبين الأساسيين في المباريات الودية. الجمهور يعلم من هو نيمار، ويتابعون كل أسبوع كوتينيو مع البايرن، لكن، من يستحق الفرصة هم اللاعبون الذين يقبعون في الظلال، وفي دوريات أو أندية لا يمكن من خلالها أن يبرز اللاعب المحترف. لا بد من التجربة، وإلّا لماذا يمكن تصنيف مدرب أفضل من الآخر؟ هذا سؤال يطرحه عدد كبير من عشاق المنتخب البرازيلي حول العالم.
نقطة أخرى يجب التطرّق لها، وهي اقتراب موعد «كوبا أميركا» 2020، البطولة التي تعتبر من بين البطولات المهمة في عالم كرة القدم، فما سبب الدخول بالتشكيلة الأساسية في مباريات ودّية لن تقدّم ولن تؤخّر؟ خلال المباراة الأخيرة أمام نيجيريا، أصيب نجم الـ«بي أس جي» ونجم المنتخب البرازيلي نيمار عند بداية اللقاء، وقدّرت مدّة غيابه بحوالى الـ4 أسابيع. هذا ما جناه «تيتي» على نفسه، لكن لحسن حظّه أن إصابة نيمار ليست خطيرة، لكن يبقى السؤال، ماذا لو أصيب لاعبون آخرون، بسبب عدم المداورة وتجربة اللاعبين الذين يستحقون فرصاً هم أيضاً لتمثيل منتخب وطنهم؟ وربما، هذا ما يدفع الكثير من البرازيليين لتمثيل منتخبات أخرى بسبب عدم وجود فرص لهم للمشاركة مع «السيليساو» كجورجينيو لاعب تشيلسي والذي اختار إيطاليا، دييغو كوستا الإسباني لاعب أتلتيكو مدريد، ولاعب خط الوسط آلان لاعب نابولي الذي يحمل الجنسية الإيطالية لكنه لم يمثّل المنتخب حتى الآن، منتظراً فرصته في البرازيل مع المدرب تيتي. الوقت يضيق، وكرسي المدرب بات مهدداً.