حين شنت «عاصفة الحزم» في 26 آذار الماضي أولى عملياتها على اليمن، لم تعلّق فروع تنظيم «القاعدة» على هذا الحدث، ولم يصدر أيُّ بيانٍ رسمي عنه أو عن تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، يعبر عن موقفهما من العدوان السعودي. أما بعد إعلان انتهاء «العاصفة» والانتقال إلى حملة «إعادة الأمل»، فأصبحت تغريدات المقربين أو المنضوين تحت راية أحد التنظيمين، على موقع «تويتر»، تعكس نظرتهم لما جرى طوال الشهر الماضي وللمرحلة المقبلة كذلك.

مع بداية العملية العسكرية السعودية، ربط «القاعدة» نجاح الحملة بتدمير الطائرات وصواريخ «سكود» التابعة للجيش اليمني، وإضعاف الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وهذه النظرة عبر عنها عبد الله بن محمد، أحد المنظرين الأساسيين في التنظيم.

غير أن مسار الأحداث خالف توقع المنظر القاعدي، ليقرّ بعد نهاية «العاصفة» بأن «الإرادة الدولية أوقفت العملية»، مدعماً وجهة نظره بتسريب مساعد وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، خبر إيقاف الحملة. بن محمد أضاف أيضاً، أن «إيقاف عاصفة الحزم واستمرار حظر التسليح يجعل الصراع في اليمن شبيهاً بالصراع السوري عقدياً وسياسياً وعسكرياً مع تبادل المقاعد بين السعودية وإيران».
ويبدو أن صاحب «المذكرة الاستراتيجية» القائمة على «استراتيجية التحرك في نظرية الذراعين، في أرض الشام واليمن لاحتواء أرض الحرمين»، أعاد قراءة الأحداث من جديد، رابطاً بين الجبهتين، السورية واليمنية. ووفقاً لرؤية بن محمد، إن «تهديد المندوب السعودي لمندوب النظام السوري في مجلس الأمن»، في إشارة إلى كلام السفير، عبدالله المعلمي، حول احتمال انتقال «عاصفة حزم» إلى سوريا، هو «مناشدة إمام الحرم المكي العاهل السعودي لنصرة الشام».

انتصارات مجاهدي الشام تشدّ من عزم مجاهدي اليمن فهما معركتان في حرب واحدة
كذلك، يشير المنظّر إلى أن «تأكيد (رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد) الحريري بعد لقاء (وزير الخارجية الاميركي جون) كيري لضرورة إنهاء نظام (الرئيس السوري بشار)، الأسد يوحي بتصعيد قادم في سوريا». تفسيرات بن محمد تأتي في وقتٍ تبدو فيه ملامح خطة التدخل العسكري المباشر في الأراضي السورية قد بدأت بالظهور، تحديداً بعد العمليات العسكرية وتوحّد «الفصائل الإسلامية» تحت مسمى «جيش الفتح» في إدلب وريفها.
منظّر «القاعدة» عاد ونشر ورقةً بعنوان «دردشة حول ما بعد عاصفة الحزم»، أكد فيها «انتصار إيران أمام السعودية»، محمّلاً واشنطن مسؤوليّة «عدم الاستقرار في المنطقة». فهي مع دعمها للحرب، لا ترغب في «عاصفة حزم» مفتوحة في اليمن. وبحسب بن محمد، إن السفارة الأميركية في صنعاء «أشرفت على مسارٍ سياسي أوصل اليمن إلى حالة من الفوضى الخلاقة، وعاصفة الحزم شكّلت خطراً على جهدها فجرى الالتفاف عليها وإيقافها». وبمتابعته يرى بن محمد أن السعودية تسعى إلى فرض إرادتها في اليمن، مشيراً إلى ضغوطٍ مورست على السعودية لخفض سقف «عاصفة الحزم»، وأنها لا تزال متواصلة لخفض سقف «إعادة الأمل».
كذلك، يشبّه بن محمد الحوار اليمني بالحوار اللبناني. إذ يرى أن «حوار الحوثي مع مكوّنات هي حلفاؤه أساساً لا قيمة له، وهدف هذا الحوار هو أن يجعل من الحوثيين كحزب الله في لبنان الذي هو الأسوأ لنا». كذلك، يشير بن محمد إلى انتصار مقبلٍ لإيران أمام السعودية، «فالصراع الطويل بين الطرفين، سينتهي بتفوق إيران لقدرتها على ذلك». وواصل بن محمد ربط الجبهة السورية بتلك اليمنية، ولكن من خلال إدخال حلفاء سوريا على خط تحليله. يقول بن محمد إن «خطابات نصر الله للحوثي تشدّ من عزمه، كذلك انتصارات مجاهدي الشام تشدّ من عزم مجاهدي اليمن فهما معركتان في حرب واحدة»، ليؤكد أن «القاعدة» تخوض حرباً واحدة مع إيران وحلفائها، ولكن على أكثر من جبهة، داعياً إلى «إطلاق حملات التبرع للجهاد الشامي واليمني». وأضاف أن «شعوب الخليج تشعر بالخطر الإيراني وليس الخطر الداخلي»، في نقضٍ صريح لكلام الرئيس الأميركي باراك أوباما عن أن الخطر الداخلي هو أكثر ما يهدد دول الخليج.
كان واضحاً عند أنصار التنظيمين، أن السعودية وحلفاءها فشلوا في تحقيق أهدافهم، معبّرين عن ذلك بأسلوبهم الخاص. الدكتور السعودي عبد الله المحيسني، أحد قادة تنظيم «جبهة النصرة»، الذي أصيب يوم الخميس الماضي خلال اشتباكات مع الجيش السوري في جسر الشغور في محافظة إدلب، رأى أن «عاصفة الحزم لم تنهِ الحوثيين»، موجّهاً رسالة «إلى الشعوب المسلمة»، بالقول إن «حصنهم (هو) المجاهدون الذين مرّغوا أنوف الروس والصليبيين».
إذاً، يجتمع «إخوة الجهاد» على فشل آل سعود في تحقيق أهدافهم، في وقتٍ يتقاتلون فيه على أرض الشام. أحد الموالين لـ«داعش»، ويدعى الشيخ أبو الفضل، غرّد قائلاً إن «عاصفة الحزم حزمت حقائبها ورجعت خائبة تجرّ ذيل الخيبة»، داعياً إلى نصر «المجاهدين الصادقين». أما عبد الله الرشيدي، فقد عرّف «الانتصار» بالقضاء التام على العدو، وشلّ قدرته على خوض حرب أخرى، متعجباً كيف أن «الحوثي لا يزال في أرض المعركة !». وكان للمؤسسات الإعلامية القريبة من «داعش»، نظرتها الخاصة إلى الحرب، مرتكزةً على نظرية «الاستهداف الدئم لأهل السنّة». على سبيل المثال، نشرت «الجبهة الإعلامية لنصرة الدولة الإسلامية»، مقالاً لأبي الخطّاب اليماني بعنوان «عاصفة الوهم». اليماني توقّع أن «العاصفة» لن تلغي تمدد الحوثيين، «فهم في تمدد يومي»، مؤكداً أن هدفها هو منع «أهل السنة» من الالتفاف حول «الدولة الإسلامية» وتدمير الترسانة الصاروخية لليمن، «كي لا تقع في أيدي المجاهدين».
وحدهم أنصار زهران علّوش، قائد تنظيم «جيش الإسلام»، و«رجل السعودية» بين المجموعات المسلحة، كما تسميه أوساط الخارجية السعودية، فرحوا لما سمّوه «انتصار المملكة». أحد الناشطين الموالين لعلوش ويطلق على نفسه لقب «مجتهد الشام»، رأى في «العاصفة» باباً للهجوم على تنظيمي «القاعدة في بلاد الشام ـ جبهة النصرة» و«داعش»، طالباً من «القيادة السعودية» إعدام كل شخص يؤيدهما. «مجتهد» المتابع لحسابات «الحركات الجهادية»، استنكر «الشماتة بالسعودية» من «الروافض والقاعدة وداعش»، لأن المملكة «انتصرت»، على حدِّ تعبيره.
اقتنع قادة الحركات الدائرة في فلك تنظيم «القاعدة» وأشباهه، بفشل آل سعود في تحقيق هدف عمليتهم العسكرية في اليمن. أقرت الجماعات القاعدية بتقدّم الحوثي ومن خلفه إيران وبعجز قيادة «الحزم». التمدد الحوثي وفشل المعارضة في إسقاط النظام السوري يحتمان الآن، برأي القاعديين، الاصطفاف خلف «المجاهدين» و«اتحادهم» على غرار «جيش الفتح». فلسان حال أنصار «القاعدة» اليوم: يا آل سعود، الأمر لنا.