منذ ظهور المؤشرات على حصول توافق إيراني ـ أميركي ـ أوروبي حول الملف النووي، قرر آل سعود شنّ عدوانهم المجرم على اليمن. سلسلة من الاهداف، بينها، وليس أهمها، البعث برسالة احتجاج قوية الى الولايات المتحدة. واشنطن لم تكن لتقدر على منع العدوان، وهي أصلاً صاحبة مصلحة فيه، لكن ربما كانت تفضله بتوقيت آخر وبآليات مختلفة وبأهداف أخرى أيضاً.

خلال الايام التي فصلت عن إعلان التفاهم الاولي بين طهران والغرب، حاول الجانبان الاميركي والايراني عدم الانصات الى الاصوات الآتية من شمال وجنوب الجزيرة العربية. لكل أسبابه. أميركا لا تريد وضعه بنداً يستغله المتشددون لإفشال المفاوضات الرئيسية، وإيران لا تريد الدخول في بحث أي عنوان قبل التفاهم النووي.

كان الجميع في الغرب يعتقد أنه بهذه السياسة إنما يمنح النظام السعودي الوقت لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية. لكن سرعان ما ظهرت الامور على عكس ذلك. ولم تمض على عودة الوفد الايراني الى طهران أيام قليلة، حتى تصدت طهران لمواجهة العدوان ولمواجهة احتمالاته كافة. وارتفع الصوت على المنابر، وحشدت الاساطيل في البحر، فكان أول اختراق أميركي ـ إيراني دبلوماسي تمثل في ساعات الاتصالات الطويلة بين وزيري الخارجية الاميركي جون كيري والايراني محمد جواد ظريف، والتي انتهت الى إعلان الرياض وقف «عاصفة الحزم».

يعتقد آل سعود أن ما
يقومون به براً وبحراً وجواً يمكن أن يشكل حصاراً مطلقاً وتاماً

لكن، لا الولايات المتحدة ولا إيران كانتا في وارد التصديق أن العدوان توقف. وعلى الارض، واصل «أنصار الله» ومن معهم في الجيش والقوى الشعبية استراتيجية السيطرة على الارض، وتحمل الضربات دون رد مباشر على المعتدي. وهو ما سمح بتحقيق نتائج كبيرة أفشلت خطة آل سعود لاحتلال جزء من أراضي اليمن، ودفعتهم الى مزيد من الجنون، قبل أن تصل الامور الى مرحلة جديدة، عندما قرر آل سعود الانتقال مباشرة الى الضرب المباشر للمدنيين وارتكاب المجازر بطريقة أكثر وحشية من فعل الصهاينة.
في هذا الوقت، قرر «أنصار الله» اعتماد استراتيجية جديدة. استكملوا مع الجيش السيطرة على عدن ومحاصرة مأرب والاحتفاظ بالممرات الآمنة الى الجنوب في تعز، وبدأوا في المقابل الإعداد لعمليات عبر الحدود تحت عنوان «غضب القبائل».
وهذه السياسة لها طريقتها، ولها آليات العمل الخاصة بها، ولها أهدافها، وكان الاساس إعطاء الاشارة الى آل سعود أنفسهم، والى الغرب من خلفهم، بأن سياسة الصبر ليست مفتوحة. ثم كانوا يعمدون الى تنفيس غضب قواعدهم المطالبة بردود قاسية، من خلال ضربات موجعة لكل جنود آل سعود المنتشرين على طول الحدود، وتوجيه رسائل صاروخية الى المناطق المأهولة بالسكان وبالمنشآت الحيوية.
وفي الوقت الذي ردّ آل سعود بمزيد من الجرائم، كان على الغرب التحرك أكثر. هذه المرة، لجأ الاميركيون الى الضغط المباشر من خلال عنوان «الآثار الانسانية» الكبيرة، التي لم يعد بإمكان العالم الصمت عليها. وكان من نتائجها تعزيز موقف الجيش الباكستاني الرافض للدخول في الحرب، وكانت هناك خطوة أخرى ظلت بعيدة عن التداول، وتتمثل في قرار ماليزي مبدئي بالمشاركة في القوات البرية، لكنه موقف عاد الى مربع التمهل والنقاش، في ضوء ما يحصل على الارض، سواء لجهة خسائر الجيش السعودي في الميدان، أو لناحية الجرائم الكبيرة التي ترتكب ضد المدنيين، إضافة الى تحذير استخباري غربي من أن الذي يريد التحرك على الارض في اليمن عليه «التعاون مع القاعدة».

سلاح كاسر للتوازن

يعتقد آل سعود أن ما يقومون به براً وبحراً وجواً، يمكن أن يشكل حصاراً مطلقاً وتاماً على «أنصار الله» وعلى الجيش اليمني. هم يرفضون الأخذ بتجارب الآخرين، ولذلك، لم يكن بمقدورهم توقع أن يصل الى يد أنصار الله السلاح الكاسر للتوازن، والمتمثل في أمرين:
الاول، سلاح يهدد طائرات آل سعود وحلفائهم، وكانت الباكورة في إسقاط الطائرة المغربية.
الثاني، صواريخ أرض ـ أرض من مديات مختلفة قادرة على تحقيق إصابات مدمرة في البنى التحتية العسكرية والمدنية والنفطية لآل سعود.
وأيضاً هناك دعم سياسي مفتوح، من خلال رفض ممارسة أي نوع من الضغوط عليه، جراء الاتصالات التي يقوم به وسطاء كثر.
وفي هذا السياق، علم أن كيري لم يتوقف عن التواصل مع نظيره الايراني، حتى خلال الايام التي سبقت وتلت زيارته للرياض. وكان الهم الاميركي الحصول على دعم إيراني لمشروع الهدنة الانسانية المقترح، وهو ما حصل عليه الجميع بإعلان «أنصار الله»، ومن ثم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ترحيبهما بالهدنة، مع العلم بأنه تم إيجاد آلية تعفي الجميع من الإحراج، من خلال تكليف منظمات إنسانية محلية ودولية مهمة الاشراف على تسلم المساعدات وتوزيعها في اليمن. وهو في حد ذاته لا يمثل حرجاً لأنصار الله، بينما مثل خيبة لآل سعود الذين اعتقدوا أنه بمقدورهم إدخال أنصارهم الى اليمن برفقة المساعدات.

لا مبادرات والتصعيد أخطر

لكنّ الهدنة الانسانية ليست مضمونة الاستمرار حتى لخمسة أيام، وإن كان الجميع يرحب بها. لكن مشكلة آل سعود هي في أن الولايات المتحدة ودولاً غربية ترغب في جعلها هدنة مفتوحة لوقت طويل، على أمل إنتاج مبادرة سياسية تتيح إطلاق الحوار اليمني ـ اليمني قريباً، بما يقود الى وقف العدوان وإيجاد حل لا تكون السعودية فيه الطرف الخاسر. لكن الازمة تكمن في أنه لا وجود لمبادرة مقبولة من الجميع. وما بين يدي المبعوث الدولي الجديد الذي بدأ أمس اتصالاته في صنعاء، لا يعدو كونه نسخة عن الاوراق التي تركها له المبعوث السابق، وهو ما ترفضه السعودية. وبحسب المعطيات، فإن الولايات المتحدة التي ترغب في التوصل الى حل، لا تمسك بأي ورقة يمكن أن تبيعها لإيران أو لـ»أنصار الله». في المقابل، لا يجد «أنصار الله»، ولا إيران، ما يوجب إعطاء آل سعود بالسياسة ما فشلوا في أخذه بالحرب. وهذا وحده يشكل السبب الكافي لعدم توقّع حلول سريعة. بل على العكس، فإن الخشية عند جميع الاطراف، وخصوصاً عند الاميركيين، من أن يعمد آل سعود الى تفجير الوضع، بحجة أو من دونها، ويكفي لهم رفض إقامة «أنصار الله» لحاجز في عدن أو أن يطلق مقاتل يمني النار على دجاجة على الحدود، حتى يطلقوا العنان من جديد لطائراتهم.
لكن، في حال قرر آل سعود العودة بالأوضاع الى ما كانت عليه قبل سريان الهدنة، فهذا لا يعني أن الطرف الآخر سوف يعود أيضاً الى ما كانت عليه الاوضاع. وسياسية «غضب القبائل» لها أشكالها التي تجعلها تتدحرج صوب عملية ثأر كبيرة سوف تدفع آل سعود الى الجنون، لكنها عملية تقول إن ما مرّ قد مرّ، وإن ما هو قادم له اسم جديد...
هل تقدر أميركا على لجم آل سعود، أم سوف تكبر كرة النار؟