مع اقتراب الموعد المفترض لتقدّم المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، بإطار عمل لمفاوضات السلام في النصف الأول من شهر حزيران/ يونيو المقبل، يشتدّ الضغط الميداني على الجيش اليمني واللجان الشعبية على جبهة الساحل الغربي، بهدف انتزاع مكاسب «استراتيجية» يمكن الفريقَ الموالي للرياض وأبو ظبي المفاوضةُ بها مستقبلاً. يأتي ذلك في وقت يتجدّد مسلسل الاغتيالات في ما تُسمّى «المحافظات المحرّرة» الخاضعة لسيطرة «التحالف»، باعِثاً السجال حول تعدّد التشكيلات الأمنية في تلك المحافظات، وعجزها عن ضبط الأوضاع حتّى في المدينة التي اتخذتها حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، «عاصمة موقتة» لها.

واغتال مسلّح، ليل الثلاثاء - الأربعاء، عميدة كلية العلوم الصحية في جامعة عدن، نجاة علي مقبل، واثنين من أفراد أسرتها في حيّ إنماء بمدينة عدن. وأفادت مصادر محلية بأن المسلّح، الذي ألقي القبض عليه لاحقاً، اقتحم شقة مقبل في الحيّ المذكور، وأطلق النار عليها وعلى نجلها وحفيدتها ما أدى إلى مصرعهم على الفور. واقعة رأى فيها رئيس حكومة الإنقاذ، عبد العزيز بن حبتور، «نتاجاً للانفلات الأمني والاحتلال الأعرابي الذي يسيطر على مدينة عدن، وتحويله لها إلى مدينة غير آمنة تعيث فيها العصابات التابعة له فساداً وقتلاً وخراباً»، لافتاً إلى أن «المواطن في عدن في حالة من الضياع والقتل والعنف المتواصل نتيجة ترحيب البعض بالمحتلين».
موقف بن حبتور وازته مواقف صادرة عن شخصيات موالية لـ«الشرعية» أو محسوبة عليها، انتقدت «تعدد الأجهزة الأمنية في عدن وتضارب مهامها»، مطالِبةً بإنهاء هذه الحالة. ودعا وزير الشباب والرياضة في حكومة هادي، نايف البكري، إلى «البدء باتخاذ إجراءات» لتوحيد تلك الأجهزة، محذراً من أن «الحاصل اليوم ينبئ بفترة دموية أشد مما نعيشه»، مشيراً إلى أن «جرائم القتل في عدن جنت أرواح 8 ضحايا خلال أقلّ من شهر». وشدد محافظ عدن السابق، عبد العزيز المفلحي، من جهته، على ضرورة «نزع السلاح من أيدي الجميع وحصره في أجهزة الدولة»، معتبراً أن «مقتل الأكاديمية نجاة مقبل يمثل فاجعة بكل المقاييس»، مضيفاً أن «عدن لم تكن هكذا».
وتأتي ردود الفعل هذه في وقت يتواصل السجال داخل صفوف «الشرعية» في شأن أزمة سقطرى، التي آلت إلى انسحاب القوات الإماراتية من مطار الجزيرة ومينائها، مقابل مغادرة حكومة أحمد عبيد بن دغر الأرخبيل. واعتبرت الناشطة «الإخوانية»، توكل كرمان، أن هذا الحلّ «السعودي» لم يأتِ دفاعاً عن «الشرعية»، بل لـ«ضمان نصيب الرياض من الكعكة»، مُتهِمةً بن دغر بأنه بخروجه من سقطرى إنما «يشرعن الاحتلال الإماراتي - السعودي للجزيرة». وكان بن دغر أعلن، الاثنين، أن «أحداً لم ينتصر أو ينهزم في هذه المواجهة الأخوية، بل انتصرنا جميعاً».
على خط موازٍ، وبعد وصولها إلى مديرية التحيتا الواقعة جنوب محافظة الحديدة، تواصل القوات الموالية لـ«التحالف» محاولاتها التقدم إلى أبعد من منطقة الحيمة التي بلغتها الأحد الماضي، وإسقاط منطقة الفازة التي تُعدّ خطّ دفاع رئيساً للجيش واللجان الشعبية في المديرية المشار إليها. ووفقاً لما تداولته وسائل الإعلام التابعة لـ«التحالف»، أمس، فقد تمكنت «ألوية العمالقة» مسنودةً بـ«المقاومة التهامية» ومقاتلي طارق صالح، ليل الثلاثاء - الأربعاء، من دخول منطقة البقعة التابعة للتحيتا، لكن مصادر من «أنصار الله» نفت حدوث تقدم من هذا النوع، قائلةً إن الأوضاع على جبهة الساحل لا تزال على حالها الذي استقرّت عليه قبل أيام. ويأتي إطلاق «التحالف» ما سماها عملية «الرعد الأحمر» لـ«تحرير الحديدة» قبيل فترة وجيزة من الموعد المقرر لتقدم المبعوث الأممي بإطاره التفاوضي إلى مجلس الأمن، قبيل الـ15 من الشهر المقبل، بحسب ما أعلن غريفيث أول من أمس في بيان صادر عنه. وقال غريفيث إنه «يحرز تقدماً جيداً»، معرباً عن تطلعه إلى «إعادة إطلاق مفاوضات السلام في شكل رسمي» عقب تقدمه بالإطار المذكور، الذي كان وعد به الشهر الماضي. وإذ حضّ جميع الأطراف على «اتخاذ تدابير طارئة للحدّ من التصعيد»، أعرب عن امتنانه للتجاوب «الذي ما برح يحظى به من قبل جميع الأطراف».
تجاوبٌ جدّده، أمس، رئيس المجلس السياسي الأعلى، مهدي المشاط، الذي أكد «(أننا) سنستمرّ في مدّ اليد للسلام العادل والمشرف»، مذكّراً بـ«(أننا) قدمنا التنازلات تلو الأخرى في سبيل تحقيق ذلك لولا تعنّت العدو وتصعيده في كل الميادين بدعم أميركي واضح»، جازماً في الوقت نفسه «(أننا) سنستمرّ في رفض خيارات الاستسلام والخنوع والذل مهما طالت المعركة». وفي كلمته بمناسبة حلول شهر رمضان، تعهّد بـ«ببذل كل الجهود للتخفيف من معاناة اليمنيين، وتوفير الحد اللائق من الخدمات والمرتبات»، مشدداً على «التحرك العملي في مسار مواجهة الفساد، وتفعيل المؤسسات القضائية والأجهزة الرقابية».