خلال أيام قليلة، يُفترض أن تصبح الكتائب السلفية الموالية لأبو ظبي خارج مدينة تعز، بعدما أعلنت السبت الماضي انسحابها منها، وطالبت بترتيب «خروج آمن» لمقاتليها من المدينة. الخطوة التي تأتي بعد تعرّض السلفيين لنكسة عسكرية هناك، يبدو أنها أُخرجت بإيعاز من قِبَل الإمارات، التي ترى اللحظة مناسبة لإعادة ترتيب الأوراق في مواجهة ما تعتقد أنه مخطط تركي ــ قطري، مدعوم عمانياً، لتبديل المشهد التعزي.

ليس خروج «كتائب أبو العباس» السلفية المدعومة إماراتياً من مدينة تعز حدثاً عابراً. هذه الميليشيات التي تأسّست ابتداءً تحت اسم «حماة العقيدة»، لتشكّل لاحقاً الذراع الضاربة لأبو ظبي في المدينة الواقعة غربيّ اليمن، تغادر اليوم معقلها الرئيس، مُثيرةً الكثير من التكهنات والتحليلات بشأن خلفيات الانسحاب وتداعياته. صحيح أن هذه الخطوة جاءت بعد معارك ضارية مع التشكيلات المحسوبة على «حزب التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون)، تمكّن خلالها الأخير من توجيه ضربات قاسية للسلفيين، إلا أن قرار القيادي السلفي، عادل عبده فارع، المعروف بـ«أبو العباس»، مغادرة تعز (المدينة) من دون استماتة في القتال وفق ما يرى البعض، إنما يؤشر إلى أن ثمة أهدافاً بعيدة المدى كامنةً خلف هذا التكتيك.
برز اسم «أبو العباس»، الشاب الثلاثيني المتخرّج في «دار الحديث» السلفي في قرية دماج بمحافظة صعدة، في أواخر عام 2015، عندما أسّس في مدينة تعز التي ينحدّر منها مجموعة مقاتلة باسم «حماة العقيدة»، لتشارك في ما سُمّي «معركة تحرير تعز». سرعان ما أوكلت إلى عادل عبده فارع، لاعب كرة القدم السابق والمُلقّب بـ«الدبابة الألمانية»، مهمّة قيادة الجبهة الشرقية في المدينة، قبل أن تُفتح له أبواب الدعم الإماراتي السخيّ مادياً وتسليحياً، ضمن استراتيجية أبو ظبي القائمة على تقوية الأجنحة السلفية المحسوبة عليها في قبالة السلفية «المحايدة» و«الإخوان» (هاني بن بريك في عدن وأبو العباس في تعز). استراتيجية لم يَطُل الوقت حتى ظهرت نتائجها، ونتائج الحشد السعودي للمرتزقة كيفما اتفق (من دون جامع من عقيدة أو قضية)، على شكل صراع نفوذ بين تلك الميليشيات، لم يكن يخبو حيناً إلا ليتجدّد أحياناً أخرى.

تراهن الإمارات على تحميل «الإصلاح» مسؤولية الفشل الأمني في تعز


مع بداية عام 2018، ازدادت حدّة التوتر بين السلفيين و«الإصلاحيين»، والذي اتخذ في مرات كثيرة صورة مواجهات مسلّحة شكّلت الأحياء الواقعة تحت سيطرة كلا الطرفين مسرحاً لها. وفي شهر آب/ أغسطس الحالي، بلغ الأمر ذروته بفعل اندلاع اشتباكات ضارية لم تنتهِ إلا بعدما كانت قوات «اللواء 22 ميكا» وقوات «محور تعز» المحسوبة على «الإصلاح» قد استولت على مساحات واسعة من رقعة نفوذ «أبو العباس». استمرّ، إثر ذلك، الأخذ والردّ، من دون أن تفلح جهود الوساطة في إيقاف المواجهات التي استمرّت لأكثر من أسبوع، إلى أن أُعلن أخيراً الاتفاق على تسليم «المرتفعات الاستراتيجية» لـ«اللواء الخامس ــ حرس رئاسي»، ومن ثم للجهات الأمنية، في ظل تجاوب أبدته الكتائب السلفية لتنفيذ ما تم التوصل إليه. اتفاق أعقبه، مساء أول من أمس، إعلان «كتائب أبو العباس»، في تعميم أصدره قائدها عادل فارع، انسحاب أفرادها وأسرهم من مدينة تعز «بشكل نهائي»، ومطالبتها السلطة المحلية و«الحكومة الشرعية» بتأمين خروج هؤلاء من المدينة خلال أسبوع، وتوفير وسائل النقل اللازمة لهم.
تعميم تفاوتت الروايات بشأن حيثياته، إلا أن التدقيق فيها يثبت أنها تصبّ في اتجاه واحد: الإمارات، وبعد الضربة التي تلقّتها ذراعها السلفية في تعز، تُؤثِر الانسحاب من المشهد مؤقتاً، إلى حين إعادة ترتيب الأوراق، والإعداد لمواجهة ما ترى أنه «مخطط تركي ــ قطري» مدعوم عُمانياً لترتيب انقلاب في تعز. هذا «المخطّط» المفترض كانت أبو ظبي لمست مؤشرات إليه في عدة معطيات، من بينها ما تحدث عنه نائب قائد ميليشيات «أبو العباس» نفسه، عادل العزي، من «وجود تواصل وتنسيق بين الإصلاح والحوثي»، وكذلك الحفاوة العُمانية الملحوظة بجرحى «المقاومة الشعبية» التي يقودها القيادي «الإخواني» المحسوب على الجناح القطري ــ التركي، حمود المخلافي (ظهر المخلافي أخيراً في السلطنة مُستقبِلاً أولئك الجرحى تمهيداً لنقلهم إلى الهند للعلاج). تعزّز تلك المعطيات معلومات توافرت لـ«الأخبار» عن أن تركيا تسعى جادّة إلى تعزيز حضورها على الساحة اليمنية في مواجهة الإماراتيين. من هنا، تراهن أبو ظبي على أن «خروج أبو العباس من وسط المدينة لا يعني خروجه من المشهد التعزي، بل سيكون له دور أكثر فاعلية»، على حدّ تعبير مصدر عسكري مقرّب من قيادة «التحالف» في عدن.
يفسّر ذلك الرهان حديث مصادر مطلعة من داخل تعز عن أن الإيعاز الإماراتي لميليشيات «أبو العباس» بالانسحاب من المدينة إنما هو جزء من «خطة مدروسة» لتطويق «الإصلاحيين» قبل الانقضاض عليهم. توضح المصادر، في حديث إلى «الأخبار»، أن مقاتلي عادل فارع سيتوجّهون إلى ريف تعز، وتحديداً إلى جبهة الكدحة، حيث تأمل الإمارات أن يَخلُوَ لها الجو من أجل تنفيذ مشروعها في تشكيل «حزام أمني تعزي»، بعدما فشلت في ذلك داخل المدينة. تضيف المصادر نفسها أن أبو ظبي تراهن، أيضاً، على أن «الإصلاح» سيغدو منذ الآن في واجهة المشهد الأمني في تعز، وبالتالي سيتم تحميله المسؤولية عن الانفلات والفوضى المتفشّيَين في المحافظة، واللذين قد يتخذان مساراً تصاعدياً في مقبل الأيام. حينذاك، يتم تقديم الكتائب السلفية، بعد أن تتشكّل في صورة «حزام أمني»، كـ«مُخلّص» من الفوضى، و«مُحرّر» من «الميليشيات»، وفق ما تقول المصادر.
الأهم اعتقاد الإماراتيين أن «الإصلاح سيكون أمام تحدي المواجهة مع الحوثي: فإما أن يخوض المعركة بجدّ، وإما أن يصبح محطّ غضب الحاضنة الشعبية». لكن ما لا تتنبّه إليه الدولة الثانية في «التحالف»، على ما يبدو، أن «الإخوان» الذين يجدون أنفسهم اليوم هدفاً لما يشبه «حرب تطهير» ضدهم، قد لا يمانعون وضع أيديهم بأيدي خصومهم (أنصار الله). وهو سيناريو تكاثرت إرهاصاته عقب الأزمة الخليجية، عندما بادر «الإصلاحيون» إلى إبرام اتفاقات موضعية على غير جبهة مع «أنصار الله»، من دون العودة إلى قيادة «التحالف». اتفاقات يظهر أن أكثر من طرف داخلي وخارجي باتت مصلحتهم مجتمعةً على اتساع رقعتها، وتطورها إلى ما هو أبعد من الهدن العسكرية.