على رغم ما حمله اليوم الأول من مشاورات السويد من علامات سلبية بالنسبة إلى «أنصار الله»، إلا أن الحركة لا تزال متفائلة، وإن كان تفاؤلها مشوباً بالحذر لعدة أسباب، على رأسها «ضياع» السعودية ووفد الحكومة الموالية لها. الخطوة الأولى على طريق «بناء الثقة»، والمتمثلة في تبادل الأسرى، سيبدأ تنفيذها خلال أيام، على أن يكون الأسبوع المقبل حاسماً في ما ستؤول إليه الأمور: إما «إنجاز» أولي يوطّئ لانطلاق المفاوضات بداية العام المقبل، وإما فشل متجدّد يمدّد عمر الحرب.

للمرة الأولى منذ عامين، انطلقت، أمس، في السويد، الجولة الخامسة من المفاوضات اليمنية، بعد جولتين شهدتهما مدينتا جنيف وبيل السويسريتان عام 2015، وثالثة في الكويت عام 2016، ورابعة فشلت قبل انعقادها في جنيف أيضاً عام 2018. الانطلاقة أرادها المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، مُحمّلة بإشارات إيجابية، فكان الإعلان الرسمي عن اتفاق تبادل الأسرى، والذي أفيد عن التوقيع النهائي عليه من قِبَل الأطراف جميعهم يوم الثلاثاء الماضي. على أن هذه الإيجابية في الشكل ظلّلتها تصريحات تصعيدية أعادت تذكية المخاوف من أن تؤول الجولة الجديدة إلى ما آلت إليه سابقاتها، في ظلّ تقليل دولي من أهمية ما يمكن أن تسفر عنه، على رغم الإجماع على ضرورة أن تضع حداً للأزمة الإنسانية المتفاقمة في هذا البلد، والتي قد يصل عدد ضحاياها إلى 20 مليون إنسان، وفقاً لآخر التقديرات الأممية.
وانعقدت، صباح الخميس، في مركز المؤتمرات في قصر يوهانسبرغ على بعد 60 كيلومتراً من استوكهولم، الجلسة الافتتاحية للمشاورات، بحضور غريفيث ووزيرة الخارجية السويدية، مارغوت فالستروم. وأكد غريفيث، في كلمته الافتتاحية، توصل الطرفين إلى اتفاق على تبادل الأسرى والمعتقلين، لافتاً إلى أن هذا الاتفاق «سيسمح بلمّ شمل آلاف الأسر». ووفقاً لمصادر من «أنصار الله»، فإن صفقة التبادل، التي ستلعب فيها «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» «دورها كوسيط محايد، وتقدّم الدعم الفني» مثلما أعلنت أمس، باتت محسومة، ولم يتبقّ أمام جانبَيها سوى التنفيذ، الذي سيتمّ على أربع مراحل، أولاها تبادل الكشوفات خلال الأيام المقبلة، بحسب المصادر نفسها. وحرص غريفيث على نزع الطابع التفاوضي عن محادثات السويد، قائلاً إن هذه المحادثات هي بمثابة «مشاورات. نحن لم نبدأ بعد عملية التفاوض». وهو ما تؤكده أيضاً مصادر وفد صنعاء، كاشفة في حديث إلى «الأخبار» أنه في حال نجاح المشاورات الحالية، التي تتركز على إجراءات بناء الثقة، فسيتمّ الانتقال مع بداية العام المقبل إلى مرحلة المفاوضات. ومن أجل التمهيد لذلك، سيحاول المبعوث الأممي وضع إطار سياسي، يستند ـــ بحسب ما قال ـــ إلى «المبادرة الخليجية، ومؤتمر الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن 2216»، في استعادة للازمة «المرجعيات الثلاث» التي تتمسّك بها الحكومة الموالية للرياض. استعادة أثارت استياء وفد «أنصار الله»، الذي لم يَرُقه أيضاً توجيه غريفيث الشكر إلى دول «التحالف».

«أنصار الله»: بريطانيا والأمم المتحدة تريدان حلاً وأميركا والإمارات ترفضان


على مقلب الوفد القادم من الرياض، بدا التخبّط سيد المشهد. أمضى ممثلو الحكومة الموالية للرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، قرابة ساعتين وهم يحتجون على كون الوفد القادم من صنعاء يفوقهم عدداً. تجلّى ذلك في تصريحات لعدد من مندوبي تلك الحكومة، اعتبروا فيها الزيادة «خطأ فادحاً يظهر انحيازاً واضحاً للانقلابيين، ويتعارض مع مرجعيات الحل السياسي للأزمة اليمنية، ويخلّ بالجهود الرامية لإنجاح المشاورات»». ولم يجد وفد «أنصار الله» في تحجّج ممثلي «الشرعية» بفارق العدد إلا «حركات صبيانية» تستهدف «التغطية على انتظارهم التعليمات من السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، الذي تأخر في الحضور، قبل أن يبدأ محادثات معهم لدى وصوله»، وفقاً لمصادر ممثلي حكومة الإنقاذ. وتحيل شكوى حكومة هادي هذه إلى مشكلة أخرى متمثلة في عدم اشتمال وفدها عناصر تمثل ثقلاً حقيقياً على الأرض، بما يشكل عنصراً مساعداً لإنجاح المشاورات. في هذا الإطار، تقول المصادر لـ«الأخبار» إن حزب «التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون)، والحراك الجنوبي بجميع فصائله وتشكيلاته، غائبان كلياً عن المشهد، وهو ما لا يُعدّ ـــ خلافاً لبعض التقديرات ـــ ملائماً لـ«أنصار الله»؛ إذ «(إننا) لو خُيّرنا بين الحوار مع هادي ومرتزقته، وبين بعض الشخصيات الجنوبية والحزبية الوازنة» لاخترنا الثاني، على حد تعبير رئيس «اللجنة الثورية العليا» التابعة للحركة محمد علي الحوثي.
وبمعزل عن جوانب التحفّظ تلك، فإن التفاؤل لا يزال حاضراً لدى سلطات صنعاء، لكنه تفاؤل مشوب بالحذر لعدة اعتبارات. أولاها أن ثمة انقساماً في المواقف الإقليمية والدولية إزاء المشاورات، التي يحضرها سفراء جميع «الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن» (19 سفيراً بمن فيهم سفراء الدول الخليجية الست). انقسام تبيّن معالمه مصادر وفد «أنصار الله» بالقول إن «بريطانيا والأمم المتحدة تريدان حلاً، لكن الإمارات وأميركا لا تزالان تتمنّعان، أما السعودية فهي ضائعة بين الجانبين». ولعلّ ذلك هو ما دفع المبعوث الأممي إلى الحذر في الحديث عما يمكن أن تؤول إليه المحادثات، التي اعتبر مجرد انعقادها «إنجازاً»، على رغم أنه أشار إلى أن «المجتمع الدولي موحّد في دعمه إيجاد تسوية للصراع». لكن هذا المجتمع الدولي نفسه، هو من نقلت «فرانس برس» عن مصادر ديبلوماسية في مجلس الأمن الذي يمثله قولها إن «ثمة آمالاً ضئيلة جداً في أن تفضي المشاورات إلى تقدم ملموس»، ما يؤكد الانطباع بأن الأطراف الأكثر تأثيراً في مسار الحرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لمّا تدخل طور التهيئة الجدية لإنهاء النزاع.
يُضاف إلى ما تقدم أن انطلاق محادثات يوهانسبرغ لم يرافقه تراجع في وتيرة العمليات العسكرية، بل إن القوات الموالية لـ«التحالف» أقدمت، أمس، على تصعيد هجماتها على غير جبهة، وهو ما من شأنه ـــ في حال استمراره ـــ أن «يهدد مسار المحادثات برمّته»، طبقاً لما تنبّه إليه مصادر «أنصار الله». وأعلن الناطق باسم الجيش اليمني واللجان الشعبية، يحيى سريع، أن «طيران العدوان شنّ اليوم (أمس) 28 غارة استهدفت الأحياء السكنية والممتلكات العامة والخاصة»، متحدثاً عن محاولات تقدم على جبهات نهم ودمت ونجران. وترافق التصعيد الميداني مع تصعيد كلامي على لسان وزير الخارجية في حكومة هادي، خالد اليماني، الذي جدّد المطالبة بـ«خروج الميليشيات الانقلابية من الساحل الغربي بالكامل، وتسليم المنطقة للحكومة الشرعية» في إشارة إلى مدينة الحديدة ومينائها، علماً أن المبعوث الأممي كان أكد في مؤتمره الصحافي أنه يريد إخراج ميناء الحديدة من نطاق الحرب، في وقت وصفت مصادر الأمم المتحدة «مسألة الحديدة» بـ«المعقدة جداً». وفي مقابل موقف اليماني، لوّحت «أنصار الله»، على لسان رئيس «اللجنة الثورية العليا»، بإغلاق مطار صنعاء أمام الرحلات الأممية، في حال عدم الاتفاق على فتحه أمام جميع الرحلات.