تآكل، مع مرور الوقت، الدور الوظيفي لما يُسمّى «الشرعية» اليمنية، مُمثلةً في الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، إلى الحدّ الأدنى، حتى باتت هذه «الشرعية» المزعومة تفتقد كل مقومات الدولة ومؤسساتها وهيبتها، فضلاً عن الوظيفة الأساسية المنوطة بها، وهي الحفاظ على السيادة. أما على مستوى الإدارة المدنية للدولة، فتتحكّم فيها المنظومة السابقة، القائمة على العقلية النفعية، والتي تعاني من الترهّل والفساد على نطاق واسع.

قيّض «التحالف» لـ«الشرعية» وظيفتين أساسيتين: الأولى هي التمثيل الخارجي، على اعتبار أن «الشرعية» هيكل رسمي مُعترَف به دولياً، وتمثل اليمن في الهيئات والمؤسسات الدولية وفي عواصم دول العالم، كما يدّعي «التحالف» أنه يستمد قانونية الحرب منها. والجدير ذكره، هنا، أن التمثيل السياسي الخارجي للدولة اليمنية مُلحَق بـ«اللجنة السعودية الخاصة» باليمن في ما يتصل بالأنشطة الروتينية، في حين ترتبط القرارات المصيرية حصراً بولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
أما الوظيفة الثانية فهي دور «الشرعية» في الداخل، حيث يمارس السعوديون والإماراتيون الوصاية على مناطقها، بعدما قسّموها إلى مربعات نفوذ، يخضع كل منها لحكم ذاتي وفق موازين القوى الحزبية والقبلية والمناطقية، ويتمتع بصلاحيات خاصة، وله قوى عسكرية منفصلة. وتتوزع تلك المربعات وفق الآتي:
- يغلب النفوذ الإماراتي على المحافظات الغربية من جنوب اليمن (عدن، لحج، أبين، الضالع). وقد أنشأت الإمارات في هذه المحافظات ميليشيات تحت مسمّى «الحزام الأمني»، وباتت متسيّدة على الأجهزة الأمنية التابعة لـ«الشرعية». كذلك، بات للإماراتيين رقعة نفوذهم في محافظة شبوة النفطية. أما في محافظتَي حضرموت والمهرة وجزيرة سقطرى، فلم يُحسم صراع النفوذ بعد، وهو بدأ يتخذ طابع التسابق على تقديم الخدمات الإنمائية لاستمالة سكان تلك المحافظات. وتعتبر محافظتا المهرة وسقطرى النموذج الأبرز الذي خرجت فيه المملكة عن تقديم الهبات والمعونات الشخصية والقبلية والحزبية، إلى طرح مشاريع ذات طابع إنمائي.

تفتقد «الشرعية» المزعومة كل مقومات الدولة ومؤسساتها وهيبتها


- محافظة مأرب، تخضع لحزب «الإصلاح»، وتدار مؤسّساتها من قِبَل قيادات الحزب «الإخواني». تؤمن المحافظة موازنتها من أرباح منشآت الغاز (يستحوذ الإصلاح على شركة صافر التي تستخرج الغاز من حقول صافر في المحافظة)، وتستفيد من بقية الضرائب، فضلاً عن وجود جمارك خاصة بها تنشط على المعابر الموصلة إلى صنعاء وبقية محافظات الشمال. هذه العائدات تودَع في البنك المركزي في مدينة مأرب مركز المحافظة، والذي يقوم بدوره بصرف رواتب موظفي الإدارات المدنية والقوى العسكرية، من دون الحاجة إلى البنك المركزي، سواء في صنعاء سابقاً أو عدن حالياً. أما القوى العسكرية في المحافظة فهي كثيرة، أبرزها قوات النجدة، والشرطة العسكرية، والقوات الأمنية، بالإضافة إلى عدد من ألوية الجيش المنتشرة على جبهات القتال مع «أنصار الله».
- مدينة تعز، يتصارع حزب «الإصلاح» المدعوم من السعودية، والقوى السلفية المحسوبة على الإمارات، للسيطرة على المدينة. ولئن كانت المعركة تميل لمصلحة «الإصلاح»، إلا أنه لم يُقدَّر للأخير الحسم، لاعتبارات الحرص السعودي على عدم إغضاب الجانب الإماراتي (علماً بأن معظم مديريات المحافظة تحت سلطة حكومة الإنقاذ في صنعاء).
هذا الواقع سيقرّه التقرير السنوي لـ«لجنة العقوبات الدولية على اليمن» المرتقب صدوره أواخر الشهر الحالي، والذي تفيد التسريبات الأولية في شأنه بأن مضمونه سيشدد على أن هدف «استعادة سلطة الحكومة» بعيد من التحقق. يعدّد التقرير، وفق تلك التسريبات، عدة أسباب لتقديره المتقدم، من بينها أن الوحدات الأمنية المدعومة إماراتياً تدعم التوجهات الانفصالية في جنوب اليمن، وأن قوات «التحالف» تتحكم في المنافذ الجوية والبحرية والبرية، كما أن «معنويات القوات التابعة للشرعية تتراجع في ظلّ عدم تلقيها الرواتب، في حين تتلقى المجموعات المدعومة إماراتياً رواتبها من دون تأخير».