صنعاء | على رغم الخلافات المستعرة في ما بينها، تستميت القوات الموالية لـ«التحالف» في منع الجيش اليمني واللجان الشعبية من استكمال السيطرة على محافظة الضالع، والتقدم منها نح1و محافظة لحج. وهي، وإن استطاعت أواخر الأسبوع الماضي إخراج الجيش واللجان من مدينة قعطبة، كبرى مدن الضالع، إلا أنها سرعان ما فقدت «مكسبها»، بهجوم مضاد شنّته قوات صنعاء، وعادت من خلاله إلى قلب قعطبة.

لم تهدأ جبهات الضالع (جنوب) على مدى الأيام القليلة الماضية. في قعطبة وسناح والأزارق وحجر والفاخر تشتدّ المواجهات بين الجيش اليمني واللجان الشعبية من جهة، والقوات الموالية لـ«التحالف» من جهة أخرى. تندلع المعارك نهاراً لتهدأ لساعات ليلاً، قبل أن تعاود الاشتعال مجدداً. احتدامٌ يعقب إعلان القوات التابعة للسعودية والإمارات معركة «قطع النفس» لاستعادة المكاسب التي كانت فقدتها خلال الأسبوعين الفائتين، وتحديداً مدينة قعطبة التي سقطت في أيدي الجيش واللجان الأسبوع الماضي، توازياً مع توجيه «التحالف» بسحب عدد من الألوية الموالية له من الساحل الغربي لتعزيز جبهة الضالع.
إلا أن هذا التصعيد، المسنود بغطاء جوي مكثف، والذي استمرّ لحوالى 15 ساعة أواخر الأسبوع الماضي، تحوّل إلى كمين محكم للقوات التي تقدمت صباح الجمعة الفائت في الأجزاء الجنوبية من مدينة قعطبة، أدى إلى سقوط 50 قتيلاً و100 جريح منها. ومع اشتداد القصف الجوي والصاروخي على أحياء قعطبة، والذي تسبّب في سقوط ضحايا من النساء والأطفال، تراجعت قوات الجيش واللجان من داخل المدينة إلى محيطها بدافع تجنيب المدنيين ردّ الفعل الانتقامي. تراجعٌ حَمَل التشكيلات الموالية للسعودية والإمارات على اتباع سياسة الأرض المحروقة، حيث أقدمت على التمثيل بقتلى القوات التابعة لصنعاء، واقتحام منازل المواطنين بدعوى التعاون مع تلك القوات.
وتحسّباً لردّ فعل الأخيرة على الجرائم المشار إليها، عمدت القوات الموالية لـ«التحالف» إلى حشد الآلاف من عناصر المنطقة العسكرية الرابعة التابعة للرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، وقوات «الحزام الأمني» الموالية للإمارات، وقوات نجل شقيق الرئيس السابق طارق محمد عبد الله صالح، وعناصر تابعين لحزب «الإصلاح» (إخوان مسلمون)، وفقاً لما يفيد به مصدر مطلع «الأخبار»، لافتاً إلى أن تلك القوات «شنت عملية عسكرية من ثلاثة مسارات ضد الجيش واللجان بهدف إرباكهما»، مبيّناً أن العملية «استمرّت ثلاث ساعات، وانتهت بتدمير عدد من الدبابات والعربات المدرعة ومقتل 53 عنصراً من قوات صنعاء مساء الجمعة».

حذرت قيادات في الحراك الجنوبي من مخاطر جبهة الضالع التي «أشعلها الإصلاح»


لكن المصدر نفسه يؤكد أن «قوات الجيش واللجان واجهت الهجوم بالهجوم، وتمكنت من استعادة عدد من المواقع التي فقدتها الجمعة الماضي، وتقدمت مرة أخرى نحو مدينة قعطبة بعدما شنّت عملية هجومية نوعية استمرت 72 ساعة، استطاعت خلالها السيطرة على مدينة الفاخر في الضالع والتباب والجبال المحيطة بها، لتنطلق بعد ذلك إلى السيطرة على منطقة سليِّم والزبيريات ومعسكر العلله المطل على مدينة قعطبة، ما مكّنها من اقتحام المدينة والسيطرة على عشرات الكيلومترات داخلها، بما يعادل قرابة 70% من مساحتها».
وبحسب مصدر عسكري في صنعاء، فإن هذا الهجوم انطلق من مسارين: أولهما من الخط العام وقرية سليّم ومعسكر العلله، وتمكّن عبره الجيش واللجان من التوغل في المدينة، والسيطرة على عدد من القرى ومراكز ومقار تتخذها قوات هادي متاريس لها لاستهداف المواطنين، وصولاً إلى المؤسسة الاقتصادية في قلب قعطبة. أما المسار الثاني فاستطاعت من خلاله قوات صنعاء السيطرة على جبل صامح ونقطة بتار ومنطقتَي الخزان والريبي، وهي مواقع في ضواحي مدينة قعطبة كانت تحت سيطرة القوات الموالية لـ«التحالف»، واستخدمتها الأخيرة في الهجوم على المدينة وفي شنّ هجمات صاروخية على الأحياء السكنية. ويشير المصدر العسكري إلى أن الجيش واللجان دمّرا وأحرقا عشرات الآليات والمدرعات التابعة لتلك القوات، وأوقعا أكثر من 150 قتيلاً وجريحاً في صفوفها، بينهم ثلاث قيادات عليا، كما أسرا عدداً من عناصرها، فيما فرّ المتبقون تاركين أسلحتهم وراءهم.
وبعد أسابيع من الغموض الذي أحاط بمسار المواجهات في الضالع، وزّع مركز الإعلام الحربي في صنعاء، أول من أمس، مشاهد لسيطرة الجيش واللجان على مساحات واسعة من مدينة قعطبة ومشارف معسكر الصدرين الاستراتيجي في مريس، آخر معسكرات القوات الموالية لـ«التحالف»، وذلك رداً على تضخيم وسائل الإعلام السعودية والإماراتية التقدم المحدود الذي حدث الجمعة في قعطبة. وكانت قوات صنعاء سيطرت على عدد من المعسكرات التابعة لخصومها خلال الأسابيع الماضية، كمعسكر الأمن المركزي، ومعسكر اللواء 83 مدفعية الذي يضمّ أكبر مخزون سلاح لـ«التحالف» في ضواحي قعطبة. كما أنها تقدمت في مدينة سناح، مركز محافظة الضالع، وأسقطت مقرّ اللواء 33 مدرع التابع لهادي، ومبنى السجن المركزي في المحافظة والنيابة العامة. وطبقاً لمصادر عسكرية تحدثت إلى «الأخبار»، فإن الجيش واللجان سيطرا على محيط مدينة الضالع، مركز المحافظة، من ثلاثة اتجاهات، وتمكّنوا من سلاسل جبلية تتبع محافظة لحج للتقدم في الأخيرة بعد الضالع، والالتقاء بالقوات الموجودة في منطقة المسيمير القريبة من قاعدة العند العسكرية.
التراجع المستمر للقوات الموالية لـ«التحالف» في جبهات الضالع عزّز الانقسام في صفوف تلك القوات، التي تتبادل الاتهامات في ما بينها عقب كل خسارة، ودَفَع قيادات موالية لأبو ظبي في عدن إلى إعلان «النفير العام»، وحضّ الجنوبيين على «الدفاع» عن الضالع، وإنقاذها من «السقوط» باعتبارها بوابة الجنوب الشمالية. لكن محاولات رجالات الإمارات استثارة النعرات المناطقية فشلت حتى الآن في حشد الجنوبيين، الذين يسود اعتقاد بينهم بأن معركة الضالع «معركة استنزاف» فتحها حزب «الإصلاح» لإنهاك القوات الجنوبية التي تقاتل تحت لواء الإمارات، بهدف إعادة فرض نفوذه في عدن مرة أخرى، وذلك في ظلّ الصراع المحتدم بينه وبين «المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي يدعو إلى اجتثاث «الإخوان» من الجنوب.
وفي هذا الإطار، حذرت قيادات في الحراك الجنوبي من مخاطر جبهة الضالع التي «أشعلها الإصلاح» بواسطة قوات تابعة له، ومن ثم انسحب من المعركة بعد استدراجه القوات الموالية للإمارات لمواجهة الجيش واللجان اللذين يمتلكان قدرات كبيرة للقتال في المناطق الجبلية. وهي قدرات تُضاف إليها حقيقة أن القيادات العسكرية الموالية لـ«أنصار الله» في الضالع إنما هي قيادات جنوبية لها حضورها، مثل اللواء جهاد علي عنتر قائد محور الضالع، وهو نجل أبرز وزير دفاع في دولة الجنوب في ثمانينيات القرن الماضي، وقيادات عسكرية أخرى تنحدر من الضالع ويافع، وكان لها دور كبير في انضمام المئات من أبناء المنطقتين إلى صفوف الجيش واللجان الشعبية خلال الفترة الماضية.