صنعاء | عادت قوات الرئيس اليمني المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، إلى مدينة عدن، جنوب البلاد، بقوات كبيرة قدمت من مأرب وشبوة وأبين، بعد أقل من شهر على هزيمتها هناك أمام «المجلس الانتقالي الجنوبي» الموالي للإمارات. بضوء أخضر سعودي، وبعد ساعات من سقوط أبين، مسقط رأس هادي، من يد ميليشيات «الانتقالي»، استطاعت قواته والميليشيات الداعمة لها أن تنقل المعركة إلى عدن، عقب السيطرة على نقطة العلم، الواقعة بين عدن وأبين. ومن ثمَّ، توغّلت صوب المدخل الشرقي للمدينة، ولم تلبث ساعات حتى تقدمت نحو المطار. وفق المعلومات المتوافرة حتى ليل أمس، لا تزال عدن بيد «الانتقالي» والحديث حول خروجها من سيطرته «مبالغ فيه»، إذ تتجه قوات هادي إلى إطباق الحصار عليها وقطع خطوط إمداد «الانتقالي» قدر الإمكان، وبدا أن التقدّم يتوقف عند منطقة العريش. وفي ظل تعقّد المشهد وضبابيته، ثمة معلومات مثيرة مفادها أنه خلال الأيام الماضية سحبت ميليشيات «الانتقالي» الأسلحة الثقيلة من كل المعسكرات في عدن نحو الضالع ويافع، مع خروج عشرات الضباط الإماراتيين وقيادات «الانتقالي» من المدينة بواسطة مروحيات صوب جزر دهلك الإرتيرية.

«الانتقالي»، الذي أعلن في العاشر من آب/ أغسطس الجاري، استعادة «عاصمة الجنوب»، أعلن حالة الاستنفار ودعا الجنوبيين إلى الاستعداد للدفاع عن المدينة، حاثاً «القوات الجنوبية» كافة على المشارِكة في القتال في جبهات الشمال والحد الجنوبي للسعودية على الانسحاب والعودة للدفاع عن «الجنوب» مما وصفه بـ«الاحتلال الإخواني» الجديد. كما اتهمَ حزب «التجمع اليمني للإصلاح» بالتخلي عن استعادة صنعاء من يد «أنصار الله» وحلفائها والاتجاه نحو «احتلال ثروات الجنوب» النفطية في شبوة وحضرموت والسيطرة على أبين وعدن، معتبراً سقوط شبوة بيد قوات موالية لهادي مسنودة بميليشيات تابعة لـ«الإصلاح» بداية لمشروع «احتلال شمالي جديد» لا يقل خطورة عن اجتياح قوات الرئيس الراحل، علي عبد الله صالح، في صيف 1994 للجنوب.
دعوة «الانتقالي» المتزامنة مع سقوط 70% من مديريات محافظة أبين، شرقي عدن، تحت سيطرة هادي خلال اليومين الماضيين، عكست حالة الارتباك التي يعانيها المجلس، وأكدت أن انتكاسة ميليشيات «النخبة الشبوانية» وميليشيات الإمارات الأخرى أفقدته توازنه. فمعظم الميليشيات الجنوبية التي تقاتل تحت قيادة التحالف السعودي ــــ الإماراتي في جبهات الشمال والحد الجنوبي، والتي تتجاوز 70 ألف عنصر، منقسمة الولاء بين الرياض وأبو ظبي ولا تربطها علاقة بـ«الانتقالي». وهو ما يفقد المجلس، الذي تتهمه حكومة هادي بالانقلاب عليها ومحاولة فرض الانفصال بالقوة، آخر أوراقه التي لوّح باستخدامها لاستعادة زمام المبادرة والحفاظ على ما تبقى من مكاسب عسكرية حققها على حساب حكومة هادي في عدن وأبين.
كذلك، تأتي دعوات «الانتقالي» المتكررة لميليشيات جنوبية مشاركة في جبهات الشمال والحد الجنوبي للسعودية بالتزامن مع تصاعد سخط شعبي في عدد من المحافظات الجنوبية جراء سقوط شبوة، إذ أطلق ناشطون جنوبيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي «هاشتاغ» طالبوا فيه بعودة المقاتلين الجنوبيين من جبهات الشمال، معتبرين ذلك مطلباً شعبياً، ومتهمين «الإصلاح» بـ«الغدر بالجنوب» واجتياح شبوة بمساندة سعودية، بينما يقاتل الآلاف من أبناء الجنوب في جبهات الشمال لاستعادة المحافظات الشمالية وإعادة «الشرعية»، وفق تعبيرهم. و«الانتقالي»، الذي أعلن خريطة طريق لـ«فك ارتباط» الجنوب عن الشمال عقب سقوط عدن في العاشر من الجاري، اتهم «الإصلاح» والقوى العسكرية «الشمالية»، في إشارة إلى نائب هادي، الجنرال علي محسن الأحمر، بـ«خيانة أبناء الجنوب الذين يقاتلون الحوثيين» في الساحل الغربي وجبهات مأرب والجوف وصعدة وحجة والحدود السعودية.

لم يخفِ الزبيدي مخاوفه من سقوط عدن تحت سيطرة قوات هادي


في السياق، قال رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، إن ما يجري «هجمة إخوانية شرسة» عبر عملية «اجتياح منهجية» للجنوب، ومحاولة جديدة لـ«فرض الوحدة بالقوة من قوى الاحتلال الشمالي». ووصف الزبيدي في خطاب مساء أمس، المعركة بـ«معركة شمال وجنوب لا علاقة لها بإعادة الشرعية»، مشيراً إلى أن «القوات الشمالية التي طالب المجلس الانتقالي بإخراجها من الجنوب، الموجودة في وادي حضرموت والمهرة وأجزاء من شبوة بما تمتلكه من عتاد وأسلحة وتجهيزات وقوة بشرية هائلة، لا تبالي بمسألة تحرير صنعاء بقدر اهتمامها بفرض سيطرتها على منابع ثروات الجنوب وآباره النفطية التي استحوذت عليها وتقاسمتها قوى الشمال إبان الاجتياح العسكري الغادر لأرض الجنوب صيف 1994».
الزبيدي، الموجود في أبو ظبي، لم يخفِ مخاوفه من سقوط عدن تحت سيطرة هادي في ظل تواصل التعزيزات العسكرية من شبوة صوب أبين ومناطق قريبة من شرق عدن، ولذلك طالب الميليشيات الموالية لـ«الانتقالي» برفع حالة التأهب للقصوى والتزام أقصى درجات الاستعداد والتنبه ورفع الجاهزية القتالية. كما كرر دعوة «الانتقالي» للميليشيات في جبهات القتال الأخرى بالعودة إلى الجنوب، لكنه استثنى دعوتها للانسحاب خلافاً لبيان المجلس الصادر الاثنين الماضي، الذي وجه دعوة صريحة ومباشرة لتلك الميليشيات.
رهانات «الانتقالي» على استعادة زمام المبادرة بحشد الميليشيات المشاركة في جبهات القتال تكشف فشله في كسب ولاء المحافظات الجنوبية والشرقية. ونتيجة لذلك الانقسام، كان مستوى تفاعل القوات الجنوبية التي تقاتل في الساحل الغربي وجبهات الحدود السعودية ــــ اليمنية، دون المتوقع. فقوات «العمالقة» الموالية للإمارات والمرابطة في الساحل الغربي، لم تعلن أي موقف صريح رغم انسحاب العشرات فقط من منتسبي تلك الألوية التي تتجاوز سبعة ألوية ويصل قوامها إلى عشرات الآلاف. ورغم وصول العشرات من هؤلاء إلى شقرة أول من أمس للقتال إلى جانب «الانتقالي»، فإن مصدراً محلياً في أبين أكد لـ«الأخبار» أن تلك العناصر التي وصلت لا تعبر عن موقف «العمالقة». يضاف إلى ذلك أن ألوية المشاة في الساحل الغربي، التي يقودها وزير الدفاع الأسبق، اللواء هيثم قاسم طاهر، وفق المصدر، اكتفت بإصدار بيان عبرت فيه عن أسفها للتطورات العسكرية في أبين وشبوة، وأعلنت وقوفها إلى جانب شبوة، كما رأت أن كسر «النخبة الشبوانية» يأتي لمصلحة «الإخوان المسلمبن والتنظيمات الإرهابية المتطرّفة».
وبينما لا يزال موقف عدد كبير من الألوية الجنوبية التي تقاتل مع التحالف في الساحل الغربي وصعدة والجوف والحد الجنوبي غير معلن، أصدرت قيادة «القوات الخاصة ومكافحة الإرهاب»، وهي قوات جنوبية مرابطة في الحد الجنوبي للسعودية، بياناً أمس، تمنّت فيه ألا تضطر إلى العودة للقتال في الجنوب، وحذرت من «مغبة الانتقام من أبناء الجنوب» و«تمدد الإرهاب». وهذه القوات التي تقاتل في الحد الجنوبي واحدة من خمسة ألوية جنوبية يقودها العميد هاشم السيد، وهو قيادي سلفي سابق مقرب من هادي، وعناصر تلك الألوية غير موالية لـ«الانتقالي».
وسط ذلك، تخشى الرياض من حركة الانشقاقات في صفوف الميليشيات المقاتلة لمصلحتها. وانطلاقاً من ذلك، يبدو أنها اتجهت إلى استهداف المنشقين مبكراً. فقد تعمّدت استهداف العناصر كافة التي تعلن ولاءها لـ«الانتقالي» أو أبدت استعدادها للقتال إلى جانبه، إذ قال مصدر عسكري جنوبي في كتاف، بمحافظة صعدة، إن «الجنوبيين الذين رفضوا اجتياح ميليشيات الإخوان... تعرضوا لعقاب جماعي وللتنكيل والتصفية». وأكد المصدر «وقوع معسكر الوحدة الذي ينتمي كل عناصره إلى المحافظات الجنوبية في كماشة الجيش واللجان الشعبية منذ يومين، وهناك أكثر من 1500 مقاتل لا يزالون محاصرين». كما أشار إلى أن الجانب السعودي اتهم منتسبي المعسكر بموالاة «الانتقالي» خلال الأيام الماضية وأمرهم بالتقدم صوب منطقة مفتوحة وخطيرة ليقعوا في مصيدة دون دعم أو إسناد، «بحجة أنهم جنوبيون وغير موالين للشرعية»، لافتاً إلى أن القوات السعودية والأخرى الموالية لهادي اعتقلت العشرات من الذين أبدوا استعدادهم للقتال مع «الانتقالي».
أما في صنعاء، فاتهم «المجلس السياسي الأعلى» دول تحالف العدوان بـ«تنفيذ سيناريوات دموية في المحافظات الجنوبية والشرقية في إطار مخططه لخلط الأوراق وتثبيت احتلاله وتقسيمه لليمن». وذكر المجلس خلال اجتماع أمس، أن «دول العدوان تعتبر أن أدواتها ومرتزقتها تستخدمها كيفما تشاء لتسفك دماء بعضها البعض وتزج بها في معارك بالوكالة لتمزيق اليمن وتهيئة الساحة لتنفيذ مشاريع قوى النفوذ والهيمنة العالمية بقيادة أميركا وبريطانيا ومن سار في فلكها».