في الفترة الأخيرة، عرض الإعلام العبري، وأيضاً الإعلام الغربي، تقارير تدور جميعها حول فكرة أن إسرائيل أوشكت على استهداف إيران قبل سنوات، ليس مرة واحدة بل عدة مرات، إلا أن الظرف لم يكن مؤاتياً، لا داخلياً ولا خارجياً، ما حال دون تحقق ذلك. هذا التوجّه لتظهير الاقتدار عزّزته مرحلة انتخابات «الكنيست الـ 22» (حيث كان رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، يسعى إلى تحسين وضعه في صناديق الاقتراع)، إلا أنه برز بشكل لافت وهادف في سياقات التعليق على ما تصفها إسرائيل بـ«الضربة الإيرانية» للمنشآت النفطية في السعودية قبل أيام. وتلك أيضاً قد تكون من أهم الأسباب التي دفعت إلى تظهير حديث عبر الإعلام الغربي (مجلة فورين بوليسي) عن أن إسرائيل أجرت تجربة نووية في مثل هذه الأيام من عام 1979 في المحيط الأطلسي، في محاولة لتذكير الأعداء بالقدرة النووية الإسرائيلية.

فما الذي يدفع إسرائيل، فجأة، إلى استحضار تلك القدرة، وعدم الاكتفاء بالحديث عن الإيشاك على استهداف إيران؟ لا يبعد أن يكون الدافع إلى ذلك هو الضربة التي تلقتها منشأتا «أرامكو» شرق السعودية، والتي تتجاوز تداعياتها، بالنسبة إلى إسرائيل، الضرر المادي المباشر اللاحق بالمملكة، إلى التأثير في مجمل المواجهة الدائرة بين طهران وأعدائها في المنطقة، وعلى رأسهم تل أبيب، التي تخشى بدورها من تطورات الموقف الإيراني ما بعد الحدث السعودي، سواء لناحية ما أظهرته الضربة من قدرات إيرانية عسكرية، أو لناحية رد الفعل عليها والذي لا يزال أكثر من متواضع.
ترى إسرائيل أن العملية الأخيرة فاقت مجمل التقديرات السابقة المتعلقة بقدرات إيران على التطوير في مجال التصنيع العسكري، وتحديداً المرتبط بواحد من أهم الوسائل القتالية للحروب الحديثة، وهو السلاح المُشغَّل عن بعد والمتملّص من الرادارات العسكرية والأنظمة الدفاعية الاعتراضية على اختلافها. تطورٌ يثير الخشية من إمكانية أن تُستهدف إسرائيل بالوسائل القتالية نفسها في حال صدور القرار بذلك، مع ما سيستتبعه سيناريو من هذا النوع من تداعيات أشدّ وأعظم، أخذاً في الاعتبار الفارق في الإمكانات بين الرياض وتل أبيب. في المقابل، يأتي ردّ فعل المحور المعادي لإيران متواضعاً جداً، بل إن هذا المحور يبدو متلقّياً للإذلال من دون فعل حقيقي، وتحديداً من قِبَل الولايات المتحدة التي أظهرت أنها غير معنيّة، حتى إزاء حدث يبرّر الحرب ويدفع إليها. وعليه، تخشى إسرائيل من أن تدرك إيران أن الانكفاء الأميركي حيالها مبنيّ على الخشية من ردّ فعلها على الردّ العسكري الأميركي، الأمر الذي يحفّزها على المزيد من «الأفعال العدائية»، ليس فقط في مواجهة السعودية، بل أيضاً في مواجهة مختلف مركّبات المحور المعادي لها. وما يضاعف الخشية الإسرائيلية هو أن مساحة «الاعتداءات الإيرانية» تجاوزت الساحة السورية، حيث ردود طهران مقيّدة إلى الآن بالموقف السوري وأولوياته. وهو تجاوز من شأنه، بالنسبة إلى إسرائيل، إتاحة الفرصة لإيران للتملّص من محدّدات حاكمة في سوريا، والسعي إلى شنّ هجمات ربما لا تقلّ ضراوة عن تلك التي تلقّتها المنشآت النفطية السعودية.
في المحصلة، تبدو الخشية الإسرائيلية من تبعات الهجمات على السعودية أكبر مما تظهره تعليقات المراقبين والمحللين. ولعلّ أبرز ما يؤشر إلى ذلك هو إعادة التذكير بحديث اعتزام ضرب إيران، والتلويح بمخزون إسرائيل النووي، في رسالة تخويف وردع مسبق إزاء احتمالات انسحاب الفعل الذي استهدف «أرامكو» على إسرائيل. وفي هذا الإطار، تشير «القناة 13» العبرية إلى أنه «على خلفية الهجوم المشتبه في أنه إيراني على منشآت النفط السعودية، يكثر الحديث عن أن إسرائيل كادت أن تهاجم إيران ثلاث مرات في السنوات القليلة الماضية. وإذا كان البعض يرى أن المسألة تتعلّق بخديعة إسرائيلية لحثّ الولايات المتحدة على الضغط ومواجهة إيران، إلا أن آخرين يرون أيضاً أن إسرائيل كانت جادة، لكنها فوّتت فرصة أتيحت لها ثلاث مرات لاستهداف إيران».
من جديد، ضربة «أرامكو» ليست محصورة في مكانها، بل إن أضرارها تتجاوز الجغرافيا السعودية نفسها لتشمل جميع جهات المحور الأميركي. فإن كانت السعودية هي التي تلقت الضربة، إلا أن الألم والقلق كانا كبيرين جداً في إسرائيل، إلى درجة تلويح الأخيرة بسلاحها النووي. عن ذلك، يرد في قراءة صدرت في الأيام القليلة الماضية عن «مركز أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب أن هجمات إيران تحمل رسالة غير مباشرة إلى إسرائيل حول قدرات الأولى العسكرية المتطورة، بما فيها القدرة على شنّ هجمات حتى من خارج الأراضي الإيرانية. وهي أيضاً تلميح إلى ما يمكن لحزب الله أن يقدم عليه، في حال تدهور الوضع العسكري بينه وبين تل أبيب.