صنعاء | أعلن «المجلس السياسي الأعلى» في صنعاء، أول من أمس، وقف الهجمات الجوية على السعودية، مع الاحتفاظ بحق الردّ في حال عدم الردّ بالمثل. مبادرة السلام الجديدة، التي جاءت بعد أكثر من أسبوع من «عملية الردع الثانية» التي استهدفت منشأتَي بقيق وخريص التابعتين لشركة «أرامكو»، ردّ عليها وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي، عادل الجبير، بالقول إن بلاده «ستراقب مدى جدية الحوثيين في تطبيق مبادرة السلام التي طرحوها». لكن على الأرض، كانت طائرات «التحالف» تشنّ عشرات الغارات على عدد من المحافطات اليمنية، وهو ما سيدفع صنعاء إلى الانتقال لما سمّته «مرحلة الوجع الكبير» .

رئيس «المجلس السياسي»، مهدي المشاط، الذي أطلق المبادرة المتضمّنة وقف استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ الباليستية والمجنّحة والطائرات المسيّرة، كان حذّر، في خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة لـ«ثورة 21 سبتمبر» 2014، دول العدوان من مغبّة الاستمرار في الحرب، منبهاً إياها إلى أن استمرارها في ذلك لن يكون في مصلحتها «والضرر الأكبر لن يكون على اليمن، بل عليها بالدرجة الأولى وبشكل أساسي ومباشر». وجدّد المشاط إعلان «العفو العام» عن كلّ من وصفهم بـ«المخدوعين» من أفراد وقيادات يمنيين موالين لـ«التحالف»، داعياً جميع الفرقاء إلى الانخراط في مفاوضات جادة وحقيقية، تفضي إلى مصالحة وطنية شاملة لا تستثني أيّاً من الأطراف، وذلك حقناً للدم اليمني وتغليباً للمصالح الوطنية العليا. وكرّر استعداد صنعاء لتوريد جميع الإيرادات الخاصة بموانئ الحديدة إلى فرع البنك المركزي في المحافظة، مقابل قيام حكومة الرئيس المستقيل، عبد ربه منصور هادي، بتغطية العجز وصرف مرتبات الموظفين في المحافظات اليمنية كافة من دون استثناء. وطالبت مبادرة «المجلس السياسي» الأمم المتحدة و«التحالف» بالإفراج سريعاً عن السفن المحتجزة في ميناء جيزان، ونقل آلية التحقق والتفتيش التابعة للأمم المتحدة من جيبوتي إلى ميناء الحديدة بعدما نفّذت «أنصار الله» ما يقارب 90 % من التزاماتها بموجب اتفاق ستوكهولم.

سبق أن أطلقت صنعاء مبادرات مماثلة أبدت فيها استعدادها لوقف الهجمات على السعودية


من جانبه، نصح قائد «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، في بيان صادر عنه مساء السبت للمناسبة نفسها، السعودية بالتجاوب مع مبادرة «المجلس السياسي»، مشدداً على أن «من مصلحة تحالف العدوان الاستفادة منها»، متوعّداً «في حال استمرار القصف والحصار والعدوان، بضربات أكثر إيلاماً وأشدّ فتكاً وأكبر تأثيراً، ستصل إلى عمق مناطقهم، وإلى أهم منشآتهم الاقتصادية والنفطية والحيوية، ولا خطوط حمراء في هذا السياق». وحضّ الحوثي المواطنين السعوديين والأجانب في تلك المناطق على «أخذ الحيطة والحذر والابتعاد عن تلك المنشآت باعتبارها أهدافاً عسكرية للقوات اليمنية». ودعا دول «التحالف» إلى «التوقف عن عدوانها، والاعتبار بما قد وصلت إليه من الفشل الذريع، إلى درجة بات من الواضحِ معها لكل العالم استحالة تحقيق الأهداف العدوانية وغير المشروعة بكسر إرادة شعبنا والسيطرة عليه من جديد».
مبادرة «المجلس السياسي»، التي وصفها المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، بـ«الرسالة القوية التي تعكس إرادة جادة لإنهاء الحرب»، معبّراً عن أمله في أن «تسهم في تعزيز فرص السلام، وأن تحدّ من العنف والتصعيد العسكري»، تُعدّ حجة جديدة تقيمها صنعاء على الرياض، حيث إنه في حال رفض الأخيرة، تكون الأولى قد أخلت مسؤوليتها عن أيّ هجمات قاسية قد تطال المصالح السعودية الاقتصادية. وهو ما يبدو أن الأمور تتجه إليه، في ظلّ قيام الجانب السعودي، في الساعات الـ48 الماضية التي أعقبت إعلان المبادرة، بشنّ أكثر من 45 غارة جوية على الأراضي اليمنية، طالت مواقع مدنية في محافظات صعدة وحجة وعمران ومأرب وصنعاء، وفق ما أعلنه المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع.
تصاعد الهجمات الجوية على عدد من المحافظات اليمنية اعتبره عضو «المجلس السياسي» محمد علي الحوثي رفضاً عملياً من قِبَل الرياض لمبادرة السلام التي أطلقها المجلس مساء الجمعة، ملمّحاً إلى أن الرد على رفض المبادرة سيكون بـ«تنفيذ وعيد السيد عبد الملك الحوثي بالرد القاسي والمؤلم». وكان محمد الحوثي حذر الرياض، السبت الماضي، من مغبّة رفض المبادرة، منبهاً إلى أن الرد على ذلك «سيكون مؤلماً». وأكد، في كلمة له في العاصمة بمناسبة ذكرى «ثورة 21 سبتمبر»، أن «أنصار الله تحمل العزيمة والقرار، وبإمكاننا اليوم في ظلّ تطور قدراتنا العسكرية أن نضرب أي مكان». وأشار إلى أن «سياسة صنعاء واضحة ومكشوفة، ولا نرسل رسائل غامضة، إن سالمنا سالمنا بصدق، وإن حاربنا حاربنا بصدق»، مضيفاً أن «اليمنيين لا يحتاجون إلى اعتراف دول العدوان بقوتهم، وتكفينا معرفة شعبنا بقوتنا التي تستطيع أن تردع العدوان»، جازماً بأن «ثورة 21 سبتمبر لن تخضع ولن تقبل بالذلّ، وأتت تحمل العزة والحرية لليمنيين».
يشار إلى أن صنعاء سبق أن أطلقت مبادرات مماثلة أبدت فيها استعدادها لوقف الهجمات على السعودية مقابل وقف الأخيرة الهجمات على الأراضي اليمنية. وكان آخر تلك المبادرات في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، إلا أن الرياض قابلت هذه الخطوة بالتجاهل. ومع استمرار التعنّت من قِبَل الأخيرة، تشدّد قيادة «أنصار الله» على أن ما بعد المبادرة الأخيرة سيكون أشدّ قسوة مما أعقب المبادرات السابقة، في ظلّ توجّه واضح نحو مرحلة تصعيد جديدة لا خطوط حمراء فيها.