لا تزال الرياض متردّدة في اتهام طهران رسمياً بالهجمات اليمنية على «أرامكو»، تبعاً للعجز عن تحديد موقع انطلاق الطائرات المسيّرة. وفيما لم تنتظر أي تحقيقات، تمسّكت واشنطن وحلفاؤها بتحميل طهران المسؤولية، وزادت التعزيزات العسكرية الأميركية المدفوعة الثمن في المنطقة تحت وطأة التخبّط والقلق، في موازاة تحرّك لتحشيد دبلوماسي ضد إيران في الأمم المتحدة، ستقابله الأخيرة بمبادرة سلام جديدة.

فرضت الولايات المتحدة مزيداً من العقوبات على إيران قبل أن تقرّر إرسال قوات لتعزيز الدفاعات السعودية، وهي تقود حملة تحشيد لإدانة إيران في اجتماعات الأمم المتحدة. خطوات ثلاث هي قوام الرد الأميركي على العملية اليمنية ضد منشأتي «أرامكو» في الرابع عشر من الشهر الجاري. لا تزال واشنطن تعمل تحت سقف «تفادي الحرب»، كما أكّد وزير خارجيتها، مايك بومبيو، الذي أوضح أمس أن إرسال قوات إضافية إلى المنطقة هدفه «الردع والدفاع»، مؤكداً إعلاناً مشابهاً لزميله وزير الدفاع، مارك إسبر، في هذا الخصوص. أما إذا فشلت الإجراءات في ردع طهران، فإن بومبيو «على ثقة أيضاً بأن الرئيس (دونالد) ترامب سيتخذ ما يلزم من إجراءات»، كما قال.
إسبر كان قد أوضح أنه «منعاً لمزيد من التصعيد، طلبت السعودية مساعدةً دولية لحماية البنية التحتية الحيوية للمملكة. كما طلبت الإمارات العربية المتّحدة مساعدة»، مضيفاً أنه استجابة للطلبين «وافق الرئيس على نشر قوّات ستكون دفاعية بطبيعتها وتُركّز بشكل أساسي على سلاح الجوّ والدفاع الصاروخي». وفيما لم تتضح تفاصيل التحرّك الأميركي، ذكر رئيس هيئة الأركان، الجنرال جو دانفورد، أن الجنود الذين سيرسلون لن يكونوا بالآلاف. وما لم يقله إسبر وبومبيو كان قد عبّر عنه صراحة ترامب، إثر هجمات «أرامكو»، حين قال إنه سيساعد الرياض لكن عليها دفع المال.

الجبير: نحمّل إيران المسؤولية لأنها صنعت وسلّمت الصواريخ والطائرات


هكذا، لم يغيّر الرئيس الأميركي رأيه كما لم يتغيّر على أرض الواقع سوى زيادة أرباح واشنطن، لكن ما يقوله ترامب صراحة كان قد قال عكسه وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، حين ردّ على تصريحات ترامب حول «الحماية» في حديث إلى وكالة «بلومبرغ» في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بالقول: «في الوقت الحاضر، لن ندفع شيئاً مقابل أمننا... السعودية تحتاج إلى ما يقارب ألفي عام لكي تواجه بعض المخاطر ربما. أعتقد أن ذلك غير دقيق».
وبدا لافتاً أن طلب الحماية يشمل الإمارات، إذ باتت إمارتا أبو ظبي ودبي منذ الهجوم الأخير في المهداف اليمني بعشرات الأهداف فيهما، كما أكد القادة السياسيون والعسكريون في صنعاء، ما لم تتابع أبو ظبي إعلان انسحابها من اليمن، وهو ما يستدعي حسابات جدّية في البلد الأكثر هشاشة في الخليج. حساسية الوضع إماراتياً انكشفت أمس مع الاستنفار غير المسبوق الذي شهدته دبي، إذ تعطّلت الرحلات 15 دقيقة بسبب الاشتباه في نشاط طائرة مسيّرة في منطقة مجاورة للمطار.
وأمام أكبر انكشاف وعجز وتخبّط أمني يعيشه حلفاء الولايات المتحدة، لا تزال رواية اتهام إيران المعزّي الأبرز في الرياض، وهو ما كرّره وزير الدولة للشؤون الخارجية، عادل الجبير، الذي قال إن حكومة بلاده «على يقين بأن انطلاق (الهجوم) لم يكن من اليمن. جاء من الشمال... ستثبت التحقيقات ذلك». كما أكد أن «لا أحد يريد الحرب، لكن إن استمرت طهران في ذلك فإنها تخاطر بإمكانية عمل عسكري»، مضيفاً أن بلاده «دائماً ما تمد يدها إلى الإيرانيين، لكن طهران تقابل ذلك بالموت والدمار». وبشأن ما سيكون عليه موقف الرياض، قال الجبير: «نحمّل إيران المسؤولية لأنها صنعت وسلّمت الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت السعودية»، مضيفاً: «لكن شنّ هجوم من أراضيكم، إن كان ذلك ما حدث، ينقلنا إلى وضع مختلف... سيعتبر عملاً حربياً».
وبينما تسعى واشنطن، ومعها الرياض، إلى استغلال اجتماعات الأمم المتحدة لتحشيد المواقف ضد إيران، تستعدّ الأخيرة لطرح مبادرة سلام في اجتماعات نيويورك. واستنكر الرئيس حسن روحاني، في كلمة أمام عرض عسكري أمس، إرسال المزيد من القوات الأجنبية إلى المنطقة، معتبراً أن ذلك يؤدي إلى تفاقم «انعدام الأمن». وشدّد روحاني على أن «أمن الخليج يأتي من الداخل، مشيراً إلى الدول الخليجية بالقول: «نحن مستعدون لتناسي أخطائهم السابقة لأن الوضع اليوم هو أن أعداء الإسلام والمنطقة، أي أميركا والصهيونية، يريدون استخدام انقساماتنا بشكل سيّئ».