لم توقف ضربة «أرامكو»، منتصف الشهر الماضي، صراع القوى المحلية اليمنية الموالية للتحالف السعودي - الإماراتي. وعلى رغم أن مدينة جدة السعودية شهدت العديد من جولات التفاوض بين الجانبين، بواسطة «اللجنة الخاصة السعودية» المُكلّفة بالملف اليمني، إلا أن المفاوضات فشلت، ووصلت إلى طريق مسدود. وعُلم من مصادر متطابقة أن «الشرعية» لم توافق على كلّ الطروحات التي قُدّمت في خلال المشاورات، وأصرّت على إنهاء ما سمّته «التمرد»، وانسحاب «المجلس الانتقالي الجنوبي» المحسوب على الإمارات من عدن، وعودة جميع المؤسسات الحكومية إلى مزاولة عملها، وإعادة الوضع إلى ما قبل المعارك التي شهدتها محافظات الجنوب في شهر آب/ أغسطس الماضي. وهي مطالب يرفضها «الانتقالي» بالمطلق، علماً أنه هو الآخر ليس لديه أيّ مخطط أو برنامج لإدارة المناطق التي سيطر عليها، إذ كشفت الأسابيع الماضية عجزه عن إدارة مؤسسات الدولة، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وكذلك عدم جاهزيته لاتخاذ أي خطوة تتعلق بتحصيل إيرادات الدولة في عدن ومناطق سيطرته، وصرف مرتّبات الموظفين.

تستخدم «الشرعية»، ومن ورائها السعودية، أوراق القوة التي في حوزتها، وأهمها أن سلطة الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، هي السلطة الوحيدة المعترف بها دولياً، وليس بمقدور «الانتقالي» تجاوز هذه الحقيقة. كما أن الإمارات لا تملك من الأدوات ما يكفي لفرض المجلس كممثل وحيد للمحافظات الجنوبية، فضلاً عن تسويقه رسمياً على المستوى الخارجي سوى على أنه مكوّن مثل المكوّنات الأخرى، له حضوره في الجنوب. في خضم ذلك، تستعدّ «الشرعية» للانتقال إلى محافظة شبوة (جنوب شرق)، واتخاذها مقرّاً مؤقتاً لها بدلاً من عدن.

تستعدّ «الشرعية» للانتقال إلى محافظة شبوة واتخاذها مقرّاً مؤقتاً لها بدلاً من عدن

وفي هذا السبيل، أطلقت حكومة هادي ورشة لترميم مطار المحافظة. ووفقاً لمصادر محلية في شبوة، فإن وفداً من رئاسة «شركة طيران اليمنية» زار مطار عتق الدولي في الساعات الماضية للاطلاع على أهم الاحتياجات اللازمة فيه، ومعرفة مستوى إنجاز المرحلة الثانية من عملية تأهيل المطار وصيانته وتأثيثه. وتأتي هذه الزيارة بعد إعلان السلطة المحلية في شبوة إنجاز 60% من أعمال تلك المرحلة، تمهيداً لتشغيل المطار واستئناف الرحلات الجوية الداخلية والخارجية إليه. أيضاً، شهدت مدينة عتق، مركز المحافظة، تواجداً لقيادات وضباط سعوديين للدفع باتجاه تفعيل عمل الوزارات والمؤسسات الحكومية، وهو ما أبدت العديد من الدوائر استعدادها له. في المقابل، يحاول «الانتقالي» عرقلة مساعي حكومة هادي في شبوة. ومن ذلك تسيير تظاهرات مطالِبة بعودة «النخبة الشبوانية» الموالية لأبو ظبي إلى عتق، أطلقت عليها قوات هادي النار يوم أمس، ما أسفر عن سقوط قتيل وإلقاء القبض على العشرات. وفي عزان أيضاً، إحدى مدن المحافظة، فرّقت تلك القوات متظاهرين مؤيدين لـ«الانتقالي».
وتُعدّ محافظات شبوة وحضرموت ومأرب من أكثر المحافظات اليمنية غنىً بالنفط والغاز، وثلاثها خاضعة لسلطة حكومة هادي. وتعتبر شبوة، تحديداً، المحافظة الرئيسة الرافدة لاقتصاد البلاد بحوالي 25% من الموازنة العامة، حيث تنتج من قطاعاتها الثلاثة (عسيلان والعقلة وعياذ) ما يقارب خمسين ألف برميل يومياً، ويمثل «حقل العقلة» النفطي فيها ثاني أكبر حقول النفط في البلاد، إضافة إلى امتلاكها منفذاً بحرياً يمتدّ لأكثر من ثلاثمئة كيلومتر. كما يُعدّ ميناء الغاز في بلحاف، وهو أكبر ميناء لتصدير الغاز المسال في البلاد، أضخم مشروع صناعي واستثماري في تاريخ اليمن، وكان يوفر إيرادات بنحو أربعة مليارات دولار سنوياً، يذهب النصف منها إلى الحكومة والباقي إلى صالح الشركات الأجنبية (فرنسية، أميركية). وبدأ الإنتاج في الميناء، المطلّ على البحر العربي، بشكل فعلي، منذ عام 2009، وتُقدّر طاقته الإنتاجية بـ6.7 ملايين طن، وقد كلّف إنشاؤه نحو خمسة مليارات دولار، وهو يمرّ عبر أنبوب بطول 320 كلم بدءاً من حقول الغاز في «القطاع 18» في مدينة مأرب (وسط اليمن)، وصولاً إلى محطة التسييل في بلحاف. وكان الميناء، قبيل المعارك الأخيرة في المحافظات الجنوبية والشرقية، تحت السيطرة الإماراتية، إلا أن قوات هادي استطاعت لاحقاً طرد «النخبة الشبوانية» منه، إضافة إلى طرد القوة العسكرية الإماراتية التي كانت تتمركز فيه. ومن المتوقّع أن تسعى حكومة هادي إلى إعادة تصدير النفط والغاز من شبوة في الشهور القليلة المقبلة.
المرجّح أن يتأجّج الصراع المركّب (محلي وإقليمي) بين طرفَي النزاع في المقبل من الأيام. ولا يبدو، في ظلّ غياب أيّ توافق إقليمي (سعودي - إماراتي) على حسم الملفات العالقة بين الدولتين في اليمن، أن الأمور متّجهة إلا إلى مزيد من الاستنزاف وتعميق غرق الطرفين في الوحل اليمني.