صنعاء | على رغم الخلاف الذي فجّره الإفراج عن خمسة متهمين في جريمة مسجد النهدين التي استهدفت في الثالث من حزيران/ يونيو 2011 الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وراح ضحيتها ما يزيد على 14 قتيلاً و200 جريح ومعوّق، لم يفضّ حزب «المؤتمر الشعبي العام» في العاصمة صنعاء شراكته مع حركة «أنصار الله» في المجلس السياسي الأعلى وحكومة الإنقاذ وبقية المؤسسات. الإفراج عن المتهمين الخمسة ضمن صفقة تبادل مع حزب «التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون) في مأرب، والذي قابله «المؤتمر» بإعلان «مقاطعة أعمال ومخرجات المجلس السياسي ومجلس النواب ومجلس الوزراء ومجلس الشورى»، لا يتوقع مراقبون أن تمتدّ تداعياته أو تتّسع دائرتها في ظلّ إدراك الطرفين مساعي «التحالف» إلى استغلال أيّ خلافات بينهما لإحداث شرخ في وحدة الجبهة المناهضة للعدوان.

قرار المقاطعة، الذي سارعت وسائل الإعلام التابعة لـ«التحالف» إلى الاحتفاء به، بعدما أقرّته الأحد الماضي اللجنة العامة لـ«المؤتمر» برئاسة رئيس الحزب صادق أمين أبوراس، كان محلّ تفهّم من قِبَل قيادة «المجلس السياسي الأعلى» الذي سارع إلى احتواء القرار في اليوم نفسه، حيث تمكّنت قيادة المجلس من تهدئة الوضع ومحاصرة الخلاف. ويوضح رئيس تحرير صحيفة «الوسط» اليمنية، جمال عامر، في حديث إلى «الأخبار»، أن قرار «حزب المؤتمر مقاطعة أعمال ومخرجات المجلس السياسي ومجلس النواب ومجلس الوزراء ومجلس الشورى إجراء مؤقت (مقاطعة وليس انسحاباً)»، مضيفاً إن «قرار الإفراج عن المتهمين في قضية النهدين ليس قراراً سياسياً». ويقول عامر إنه «بعيداً من محاولة الاصطياد في الماء العكر، يمكن استبعاد أن يكون ما حصل نتاجاً لقرار سياسي، وهو ما أكده رئيس المجلس السياسي لرئيس المؤتمر أثناء زيارة الأول للثاني، أول من أمس، وما رشح عنها من اجتماع لمجلس القضاء الذي دان قرار إطلاق المتهمين، مع اتخاذ إجراءات محاسبة قد لا تعيد المتهمين إلى السجن، لكنها تمثل اعترافاً بالخطأ».

المتّهمون الخمسة كانوا يعيشون في السجن وضعاً غير قانوني


المتهمون الرئيسيون في جريمة النهدين، والبالغ عددهم 13، كان قد أفرج عنهم منتصف عام 2013 بضغوط من حزب «الإصلاح» الذي كان شريكاً في الحكومة حينذاك. ومنذ ذلك الحين، ظلّ هؤلاء فارّين من وجه العدالة، وأبرزهم مؤذّن المسجد. وحتى على مستوى المحاكمات الغيابية، لم يعمد القضاء الى محاكمتهم على رغم نشر أسمائهم في الصحف الرسمية. وبعد إعادة إلقاء القبض على عدد من المدانين، جرى نقلهم إلى معسكر «الفرقة الأولى ــــ مدرع» الذي كان يقوده الجنرال علي محسن الأحمر، لتتحوّل القضية من جنائية إلى قضية ابتزاز سياسي، فيما تم الإفراج عن قرابة 71 متهماً لعدم ثبوت أيّ أدلة على ضلوعهم في الجريمة، التي أحيلت من قِبَل النيابة العامة في الـ 18 من آب/ أغسطس 2013 إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء، ليتم بعد ذلك تجميد القضية لعدم استيفاء الملفات.
ولا يشكّك مصدر حقوقي في صنعاء في أن جريمة مسجد النهدين من الجرائم الجسيمة فعلاً، لكنه يلفت إلى أنه لم يكن متوقعاً أن يظلّ المتهمون في القضية تسع سنوات في السجن من دون إدانة. ويوضح المصدر أن المحاكمة كان يُفترض أن تحمل صفة الاستعجال كونها استهدفت رموز النظام السياسي، لكن وعلى رغم التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة في صنعاء في عهد حكومة «الوفاق» (المؤتمر وحلفاؤه والإصلاح وحلفاؤه) مع المتهمين الخمسة المفرَج عنهم أخيراً، إلا أنها لم تستطع الخروج بأيّ أدلة تثبت ضلوعهم في الجريمة. ونظراً إلى خلوّ ملفاتهم من أيّ إدانات، لم يستطع الرئيس السابق ولا حزب «المؤتمر» إحالتهم الى القضاء.
ووفقاً لمصادر حقوقيّة مطّلعة على القضيّة، فإن المتهمين الخمسة كانوا يعيشون في السجن وضعاً غير قانوني، بعدما قضوا تسع سنوات خلف القضبان من دون صدور حكم بحقهم، وإثر فشل كبار المحامين والمترافعين في القضية في إثبات الاتهامات بحقهم. وأكدت المصادر أنه لو «تمت إحالة المتهمين إلى المحكمة لكانت قد أفرجت عنهم لعدم وجود أدلة تدينهم»، لافتة إلى أن «أنصار الله»، بعد تأكّدها من خلوّ ملفاتهم، ونتيجة الضغوط التي مورست عليها من قِبَل المنظمات القانونية والحقوقية للإفراج عنهم أو إحالتهم إلى القضاء، أدخلتهم ضمن صفقة تبادل تم بموجبها الإفراج عن عدد من أسرى الجيش واللجان الشعبية. وذكّرت المصادر بأن «قضية النهدين كانت مدروسة، واشتركت فيها قيادات عليا داخلية ودول خارجية، وبعض قيادات المؤتمر تعرف ذلك».