يوماً بعد يوم، تزداد الأوضاع الاقتصادية في جنوب اليمن سوءاً، في ظلّ تنصّل الدول الخليجية من الوعود التي أطلقتها في أعقاب تشكيل «المجلس الرئاسي»، وتعذُّر الأخير بأنه يحتاج إلى مزيد من الوقت لمعالجة الأزمات المتفاقمة. وفيما لا يبدو أن ثمّة بادرة حلّ في الأفق، وسط تطنيش السعودية والإمارات للمطالب الجنوبية، وعدم استعجالهما الدفْع نحو حلّ سياسي، تتصاعد حالة الغضب الشعبية من جرّاء ذلك، مُنذِرة بانفجار أكبر في وجه القوى الموالية لـ«التحالف»، لن يُستثنى منه «الانتقالي» الذي يُحمَّل مسؤولية رهْن الجنوب للرياض وأبو ظبي. وعلى رغم تلك الصورة السوداوية، يُواصل محمد آل جابر الترويج لمشاريع بلاده في اليمن، حيث استطاع تحصيل مكسب إضافي لصالح البرنامج الذي يديره هناك، بتفويضه من قِبَل حكومة معين عبد الملك للتحكُّم بالسوق النفطية اليمنية


تفاقَم الوضع المعيشي في عدن وبقيّة المحافظات الجنوبية، بالتزامن مع الهدنة الإنسانية والعسكرية التي أعقبت إزاحة السعودية الرئيس عبد ربه منصور هادي من المشهد، وتشكيل «المجلس الرئاسي» المكوَّن من مجموعة من أمراء الحرب. وإذ رافقت تلك العمليةَ وعودٌ سعودية بتقديم دعم عاجل للاقتصاد اليمني بقيمة 3 مليارات دولار، ومساعدات بقيمة 300 مليون دولار لتمويل خطّة الاستجابة الإنسانية التي أعلنتها الأمم المتحدة لعام 2022، فقد استبشر أبناء الجنوب اليمني خيراً. إلّا أن الوقائع التي أعقبت ذلك جاءت مخيّبة للآمال؛ إذ على رغم اقتراب المجلس من إتمام شهره الثالث، فهو لم ينجح حتى الآن في تحقيق أيّ إنجاز على مستوى تحسين الخدمات المعيشية التي لا تفتأ تتدهور، في ظل استمرار حجب الرواتب أيضاً. وبينما يبدو أن «الرئاسي» لا يملك سوى التذكير بالوعود السعودية والخليجية، فإن الجانبَين السعودي والإماراتي يتصرّفان على أنهما ليسا على عجلة من أمرهما، وإنْ بلغ الحال في عدن مبلغاً كبيراً من السوء والتوتّر والجوع، طالما أن الهدنة مستمرّة، وتلبّي شرط عدم تعرّض أراضيهما للهجمات.
وعلى خلفيّة ذلك، لا تجد الدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية، مانعاً من التنصّل من الإيفاء بالتزاماتها ووعودها التي أطلقتها في ختام المشاورات الأخيرة في الرياض. وتدّعي الأوساط القريبة من المملكة أن الوديعة التي كان ينتظرها اليمنيون، مرهونة بالعديد من الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية المطلوبة من الجانب اليمني، وأن هذه الاشتراطات لم تتمّ تلبيتها، وهو ما أدّى إلى تأخير المساعدات. لكنّ كثيرين يرون أن التحالف السعودي - الإماراتي ليس في نيّته أصلاً تقديم أيّ دعم إلّا بمقابل سياسي. وعلى أيّ حال، فقد ذهبت الوعود أدراج الرياح، وعادت من جديد الالتزامات إلى نقطة الصفر، حين اقترب سعر الدولار من حاجز 1600 ريال، ولن يتأخّر قبل أن يتجاوزه إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه، فيما تعاني مدينة عدن وبقيّة المحافظات من أزمة انقطاع شبه دائم للكهرباء في ظلّ ارتفاع كبير في درجات الحرارة.

تتنصّل الدول الخليجية من الإيفاء بالتزاماتها التي أطلقتها في ختام مشاورات الرياض


وتُحمّل القوى الجنوبية المناوئة لـ«التحالف»، كلّاً من السعودية والإمارات، مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، طالما أنهما تتعمّدان عدم إيجاد حلّ سريع لانهيار العملة، ولا تستعجلان أصلاً العمل على الوصول إلى تسوية سياسية. كذلك، يجري تحميل القيادات والنُّخب الجنوبية جزءاً من المسؤولية عن المأزق الاقتصادي والسياسي، بسبب وضعها بيضها كلّه في سلّة دولتَين «تستمتعان بمشاهدتنا نغرق في وحل الفقر والمجاعة المخيفة من دون أن تُحرّكا ساكناً»، في حين يعلن بعض تلك القيادات استعداده لـ«الدفاع عن الأمن القومي العربي والمياه الإقليمية الدولية»، وهو الذي لم يستطِع استعادة السيطرة على الموارد لتأمين الكهرباء لمدينة عدن. ولعلّ سهام النقد تطاول، أكثر ما تطاول، «المجلس الانتقالي الجنوبي»، الذي يبدو مكبّلاً وفاقد الحيلة؛ فلا هو قادر على التخلُّص من الضغط الهائل الذي فُرض عليه بقبوله بالمعادلة التي حكمت «الرئاسي» (عضو واحد يمثّله من أصل ثمانية أعضاء)، ولا هو يستطيع اتّخاذ مواقف متمايزة عن بقيّة مكوّنات المجلس القيادي الذي ينأى بنفسه عن معالجة الأزمات المتفاقمة. وفي هذا الإطار، تصف مصادر سياسية قريبة من «الانتقالي»، ما يجري في الجنوب بأنه «خطّة تديرها حكومة معين عبد الملك ومجلس الرئاسة بغرض تشويه صورة الانتقالي في نظر الجنوبيين»، معتبرة أن صمت «الرئاسي» على ذلك الوضع «يجعله شريكاً في هذه الكارثة»، وأن «ممثّلي القوى الشمالية في مجلس القيادة الرئاسي، وعلى رأسهم رشاد العليمي، يخدمهم هذا الوضع الكارثي، حيث إن استقرار الجنوب سينهي حلمهم في البقاء مدّة طويلة في الرئاسة».