شوقي بزيع: الشعر ريف الــعالم المنتَزع من مكانه


محمد ناصر الدين

كأنّ شوقي بزيع (١٩٥١) لمّا يزل هناك، في وادي زبقين (جنوب لبنان) الملفوح بالريح من الجهات الأربع، حيث لا حاجز في الأفق يحجب الرؤية عن جبل الشيخ وبحر صور وفلسطين القريبة البعيدة.

من هذا المكان الذي اقترح على المجلس البلدي استبدال اسمه من زبقين الى «مرج الريح»، تفتحت حساسية شعرية عالية تستعير من الليطاني المتدفق من كعب الوادي «ماء الشعر» الذي سال في دواوين ومؤلفات وصلت الى سبعة عشر، من «عناوين سريعة لوطن مقتول» الى «أغنيات حب على نهر الليطاني» و«وردة الندم» و«مرثية الغبار»، و«الى أين تأخذني أيها الشعر» إلى مجموعته الأخيرة «الحياة كما لم تحدث» (دار الآداب ـــ ٢٠١٧).
الشاعر المنتمي الى كوكبة من شعراء الجنوب التي كان عليها أن تترك شموس آبائها في القرى النائية وتدخل بيروت بكتب مقدسة من الحب والألم والشعر، والمتوّج بـ«جائزة العويس للشعر العربي لعام ٢٠١٧»، خصّ ملحق «كلمات» بحوار شامل، حول البدايات، والشعر، والمقاومة والسياسة والحب. تقديم وحوار محمد ناصر الدين

■ فلنبدأ من مهد كتابتك الأولى، مرج زبقين، والنشيج الكربلائي لنساء الجنوب واغتسالهن عند النهر.
- حينما تحدثت عن الجنوب في شعري وتناولته كموضوع ونسيج تعبيري، لم يكن ذلك مقصوداً ولم أكن أرى في الموضوع نفسه رافعة للكتابة، أتسلق عليها، بل جاء نتيجة تشبع الحواس بذلك العالم الواسع وغير المحدود الذي اتكأت عليه طفولتي. لا شعر غنياً بلا طفولة غنية، كأنَّ الشعر ذو طبيعة ريفية بامتياز، كأنه ريف العالم المنتزع من مكانه عبر زحف الشعراء والفنانين الدائم باتجاه المدن. وهذا الزحف ضروري لمساعدتنا على رؤية الأشياء من مسافة كافية تتيح للغة المشبعة بعناصر النوستالجيا والعودة الى البدايات والحنين الى منابع الأولى، أن تسترتد المَشاهد بطريقة مختلفة. مشهد النساء على النهر الذي استعيده دائماً في شعري مُركّب من عناصر متعددة: يتعاقب الموت والحياة على طفولتي التي جددت نفسها في داخلي باستمرار. هناك بُعد كربلائي للمشهد منتزَع من فكرة الماء الممتنع والعصي على التناول. الماء الذي يحدث الموت على ضفته، من جهة، وهناك الماء المتصل بترجيعات الطفولة الأولى والماء الشبقي من جهة ثانية. أولى علاقاتي بالنساء كانت متصلة بالنساء اللواتي يغسلن ثيابهن على ضفاف الأنهار ويهبطن بثيابهن الى الغدران المحيطة بقريتي كي يَسبحن هناك.

■ كأن الطبيعة الجنوبية قد انتقلت بالضرورة الى معجمك الشعري؟
- لكل شاعر معجمه التعبيري الذي لا يكف عن تكراره من جهة، ولا يكف عن إعطائه تأويلات وأبعاداً مختلفة من جهة أخرى. أحياناً يتقاطع الشعراء عند مفردات بعينها، لكنهم يختلفون بطريقة تزويج هذه المفردات بعضها الى البعض الآخر. أعتقد أن الشعر بما هو لغة في اللغة، لا يقع عند حدود المعجم بل يفتح المفردة على دلالات خاصة أو في طبيعة الرمز التي تشير إليه. ما تقوله صحيح من ناحية علاقتي بالطبيعة. الطبيعة ليست بما هي إنشاء رومانسي كما يبدو في بداياتي على سبيل المثال، ولكن الطبيعة في ما تحمله من مخزون آخر يتصل بدلالات معرفية وإشارية لم تكن لها من قبل. أستند دائماً الى عالم سبق لي أن عشته وشكل شيئاً من مسرح ماضيّ، ولكن حدث في أعمال لاحقة أن تجاوزت الموضوعات الأولى التي كانت تلح عليّ أحياناً لأسباب ايديولوجية أو تتصل بقناعاتي حول الشعر، وبدأ عالمي الشعري ينفتح على عناوين شاسعة وعلى مقاربات وتفاصيل تختلف تماماً عما كانت عليه من قبل. في قصيدة «صراخ الأشجار» مثلاً، لم تعد الطبيعة مناخاً رومانسياً اتمسك به من خلال الحنين الى ما كنته، بل أصبحت الشجرة ذات شخصية اعتبارية لها تاريخ وذاكرة وأفق للتخيل يختلف عما سواها من الأشجار.

■ إحدى مجموعاتك الأولى عنوانها «أغنيات حب على نهر الليطاني»، أين الشاعر من النهر؟
- الشاعر يشبه النهر، بمعنى أن له المجرى نفسه ولكن بمياه مختلفة. الشاعر هو أسلوب ويمكن لتجربته أن تنتظم في خيط ما، من البداية حتى النهاية لكي يشكل شخصيته المختلفة المركبة من ضروب مختلفة من الرؤى والأحاسيس. نحن لسنا أنفسنا باستمرار، بل نتعمق بالأسئلة، ونتخفف من الإنشاء السهل والغنائية الرخوة أو الخطاب الايديولوجي لتتجه كتابتنا نحو المزيد من التكثيف والإيجاز وتعميق بؤرة المعنى.

■ هل تصاعدت تجربتك في خط بياني في الأسلوب والمعنى منذ المجموعة الأولى «عناوين سريعة لوطن مقتول» وصولاً الى «الحياة كما لم تحدث»؟
في المجموعات الأربع الأولى، هناك محاولة للمواءمة بين المعنى وشكل التعبير عنه، بين العناصر المعرفية والغنائية في الكتابة، بين الاستسلام للغة وترويض اللغة. لكن هذا في البداية لم يكن ناجحاً باستمرار. كنت أشعر بأني أخطئ أحياناً في هذه الخلطة السحرية التي يجب توفرها للشاعر لكي ينتج عملاً ناجحاً. أحياناً، كانت تطغى الايديولوجيا على اللغة، أو البلاغة على المعنى. لكني يجب أن أقول إنّ ثمة قصائد في الأعمال الأولى ما زلت أعتبرها من أفضل ما كتبت. يبدو أن الشاعر لا ينمو في خط بياني بالضرورة، لكن تتجه التجربة بشكل لولبي نحو مصيرها: أحياناً تتراجع وأحياناً تتقدم، ولذلك الشعراء هم مجموعة من القصائد الناجحة وسط كمّ وافر من الاخفاقات، والقصائد التي تنجح هي أشبه بالثمرة التي قُطفت في لحظة نضوجها تماماً. على مستوى المساحة الشعرية، كانت المساحة في المجموعات الأولى أضيق وموزعة نسبياً بين قطبين: المرأة والمكان بامتداداته المتصلة بالمقاومة والحنين الى الأرض. اعتراني صمت لسنوات خمس بين عامي ١٩٨٥ وعام ١٩٩٠ حيث لم أكتب أي قصيدة، وكانت «وردة الندم» قد صدرت متأخرة عن كتابتها بسبع سنوات. أعتقد أن هذا الصمت كان أكثر صمت منتج في حياتي. الصمت الممتلئ والوفير الذي مكّنني من أن أصغي جيداً الى صوتي الداخلي من جهة، وإلى أصوات العالم من جهة ثانية. وهو ما عبرت عنه مجموعتي الخامسة «مرثية الغبار» التي انفتحت على موضوعات ورؤى مختلفة في الكتابة.

■ يعرف الصينيون التوقيت من أعين القطط. من أي شيء يعرف الشعراء الزمان والأمكنة؟
- المكان والزمان هما من أهم العناصر الموجودة في شعري، وقد طُرحا ليس بوصفهما قطبين للطمأنينة والاستكانة، بل بالشعور الدائم بالخسارة وفوات الأوان. كان المكان الجنوبي مهدداً باستمرار، وحياتي سلسلة من الهجرات تذهب من الجنوب باتجاه الشمال أو تعود مرة أخرى بالاتجاه المعاكس أو تذهب شرقاً وغرباً بمعنى أنك تحتاج الى خارطة طريق لتعرف مسار الهجرات. المكان كان دائماً مثلوماً بالفقدان، مهدداً بالاحتلال، مشظى باستمرار، وثمن استعادته باهظاً جداً بحيث ظل هذا المكان مضرجاً بالدماء والدموع والحسرات. بدت عندها اللغة نوعاً من استرداد المكان وبحثاً عن مكان بديل. قد يكون المكان عند البعض فلسفياً أو افتراضياً أو فيه شيء من الترف، ولكن بالنسبة الى شخص جنوبي، فهو يعرف المعنى المأساوي لما أقول. الزمان هو أيضاً أكثر وطأة من المكان. أنا من المهجوسين بفكرة التحول وزوال الأشياء، وهذا ليس ناجماً عن حس تشاؤمي وعزوف عن الحياة بقدر ما هو ناجم عن شغفي بالعيش ورغبتي في أن لا أفقد أي لحظة ولو قصيرة، وقد بدا ذلك واضحاً منذ قصيدة «مرثية الغبار» التي هي حوار بيني وبين الطفل الذي كنته، حيث بدا الشرخ عميقاً بين زمن الطفولة الوردي المشبع بالأحلام والوعود وقسوة الحرب. استمر هذا الهاجس من مجموعة الى أخرى. في «الى أين تأخذني أيها الشعر» في المقلب الآخر من الكهولة طرحت سؤالاً لطالما استوقفني حول جدوى الكتابة في الوقت الذي لا نُمنح فيه سوى حياة واحدة. ولذلك كانت المعادلة الصعبة بين استثمارنا للزمن بالمعنى الحسي الابيقوري في حياة تتناقص وتغص بكل أشكال الجمال والرغبات غير المتحققة.

■ منسوب الغنائية مرتفع في أعمالك كلها. هل الغنائية شرط «وجودي» للشعر؟
- هناك لُبس متعلق بمفهوم الغنائية في الشعر، حيث يستخدم عند البعض بوصفها نقيصة والبعض الآخر يعتبرها ميزة تحسب له لا عليه. ليست الاشكالية في غنائية النص، لأن ما نتحدث عنه ليس الانشاد التطريبي أو الاستمراء لمبدأ العاطفة السيالة في الكتابة. أقصد بالغنائية ماءَ الكتابة الذي يجب أن يتوفر داخل النص لكي نمنعه من التخثر، ومواجهة الكدح الذهني بالنضارة في اللغة، وبليونة التعبير وعذوبته. ربما كانت الغنائية في بداياتي تفيض عن حاجة القصيدة نفسها. أحياناً يضعف الشعراء أمام الإيقاع ويصبحون كمن يطرب بصوته الخاص. الغنائية ضرورية في الكتابة، لكن علينا مقاومتها كمقاومتنا لانزياح اللغة والتدفق غير المحسوب للتعابير. ليس الشعر استخداماً حصرياً للغة بل هو ترويض لها في مكان آخر. لذلك في الأعمال الأخيرة، بدأت الغنائية تثقل وتتكثف لأن طبيعة القصائد تختلف وهناك نوع من التقصي المعرفي والمكابدة الداخلية. أنا من الذين لا يأنسون الى صوت واحد في الكتابة الشعرية، بل الى الدراما وتعدد الأصوات والعصب المشدود، وهذا ما يمنع الغنائية من أن يكون فيها الكثير من الضعف والرخاوة.

■ تستخدم الكثير من الرموز من يوسف الى ديك الجن وبوذا ومريم. هل الرمز قناع ضروري للمغامرة الشعرية؟ وهل تشبهك بعض الرموز في علاقتك بالرب والحياة والمرأة؟
الرموز عناصر أساسية تغني الكتابة الشعرية وتتفق مع جوهر الحداثة نفسه حيث الشعر محاولة لأسطرة العالم وتوسيع أفقه والبحث عمّا يخرج الانسان من محدودية العيش. الاسطورة هي محاولة لقراءة العالم وتفسيره، وليس علينا استعادتها كما حدثت خاصة في الرمزين التاريخي والديني، بل محاولة لنقل الوعي واللاوعي الجمعيين الى خانة أخرى تتعلّق بإعادة طرح المسلّمات السابقة من زاوية جديدة. لم أقدم «ديك الجن» بوصفه مجرد قاتل لـ«ورد»، ولكن هذه الحالة اختبرتها من الداخل: تركت القصيدة في سديم الصراع بين ديك الجن ونفسه، والحبيبة التي يظن أنها خانته، ولذلك فهو يقتل نفسه في القصيدة، بمعنى أنّ كل عاشق هو مهزوم بالضرورة ولو كان قاتلاً. في «قمصان يوسف»، هناك محاولة لقراءة يوسف من خلال فكرة القمصان الثلاثة التي تحولت لتجليات لجمال يوسف من خلال مكابداته المختلفة، ولأقول إنّ الانسان لا يولد جميلاً بل يخلق جماله بنفسه. كتبت قصيدتين عن ديك الجن، وكل واحدة كانت متصلة بتجربة عاطفية قاسية ومرة. لم أقتل حبيباتي كما فعل، ولكن ربما ارتكبت من الاخطاء والحماقات ما دفع ببعض النساء إلى البحث عن مصائرهن في أماكن أخرى، لأشعر بالندم كما فعل هو حين قتل ورد في نوبة غضب. أنا أذهب الى أقاصي الاشياء، حاولت ذلك باللغة، وبالحب. ضحيت بنساء كثيرات من أجل الشعر، لأني كنت أعتبر أن ما يسكن بالوصال لا يعول عليه، وأنّ المرأة التي ستصير مادة للكتابة يجب أن أفقدها الى الأبد.

■ هناك قصيدة في مجموعتك الأخيرة «الحياة كما لم تحدث»، فيها التفاتة عجيبة الى اللصين المصلوبين مع المسيح. هل يبدأ الشعر حيث يسهو التاريخ أو ينسى؟
أنا سعيد لالتفاتتك لهذه القصيدة على وجه التحديد. أكثر ما يثير رغبتي في الكتابة هم أناس مهمشون ندر أن التفت اليهم أحد. معظم الذين رثيتهم من الشهداء كانوا بشراً غفلاً، لم يكونوا نجوماً. لذلك تستوقفني شخصية الراعي في غير مكان. حسن حايك كان راعياً للماعز حين استشهد في مظاهرات مزارعي التبغ في السبعينيات. حسين طعمة كان راعياً ولم تنتصر القذيفة عليه، بل غيّرت علاقته بالأرض بمسافة مترين فقط وهي مساحة القبر في قصيدة «تعديل طفيف». في قصيدة «اللصان»، استوقفني لسبب غامض، ما تجمع عليه الأناجيل بأنّ لصّين صلبا على جانبي المسيح. لا يتحدث أحد عن اسميهما، وما فعلاه، كأنهما يأتيان من فائض الموت الذي يزين به التاريخ البطولة الفردية. كأن التاريخ يحتاج الى كومبارس، فتأتي الوظيفة الرائعة للفن لتظهير هؤلاء الناس بوصفهم جزءاً من العمود الفقري للوجود الانساني، وليسوا فولكلوراً أو فائضاً.


■ «كما تتعرى لذاكرة النهر زنبقة النهر/ كالخوف ينسلّ من حدق الميتين/ وكالبحر يذهب للموعد المتأخر/ أفتتح الآن موتي وأدخل في موسم النار». هذه أبياتك الأولى، هل يهجس الشعر وشعراء الجنوب تحديداً بالموت؟
القصيدة كتبت في خضم الحرب الأهلية اللبنانية والمعاناة الجنوبية. نحن لا نأتي من الغيب، بل نحن محصلة واقع وأحداث وتراب. القصيدة الأولى كانت نوعاً من التعبير عن مأزق الانسان أمام ما يهدد وجوده، والشعر يقيم دائماً في هذه الخانة المترنحة بين الحياة والموت. من يتهمون شعراء الجنوب بأن شعرهم يقيم في خانة الحزن الدائم ــ إن كان هذا صحيحاً بفعل قسوة الظروف ـــ فإن للكتابة متعتها الخاصة ولذتها الكبرى التي تحدّث عنها رولان بارت في كتابه «لذة النص». الشعر هو فعل حياة، وحين تكتب تكون محتقناً بالحياة وفرح الانتماء اليها ومنشداً باللغة. اليأس لا ينجب كتابة، الحزن بلى. وهذا ما عبرت عنه في قصيدة «كعبة الكلمات» في المجموعة الجديدة حين قلت إنّ على الشعراء ألا يُشعِروا قرّاءهم دائماً بحجم الآلام التي يكابدونها، وأن لا يغضّوا النظر عمّا يعيشونه من متع ربما لا تعرفها غير النساء في حالات الولادة.

■ حصلت أخيراً على «جائزة العويس للشعر العربي». كيف تلقيت الخبر؟
لا يمكن أن أزعم أني لا أفرح بالجوائز أو الأوسمة التي أحصل عليها من وقت إلى آخر، كجائزة عكاظ، ووسام فلسطين، ووسام كمال جنبلاط والآن جائزة العويس بما تمتلكه من قيمة معنوية كبيرة ومصداقية عالية. لا ضير في الجوائز، لكن ليس على الكاتب أن يكتب من أجل الجوائز، كما يحدث للأسف اليوم، أو أن تشكل الجوائز هاجساً وجودياً لكثيرين.

■ يذكرك وليد جنبلاط دائماً. ماذا تعني لك السياسة؟ وهل أنت شاعر مقاومة؟
في ما يخص قصيدة «جبل الباروك»، فقد كتبتها في مقتبل تجربتي الشعرية، وهي رثاء لرمز مهم من رموز الحركة الوطنية، وهو كمال جنبلاط. كانت خسارته مدعاة للشعور بانكسار عميق لكل الحالمين حينها بوطن جديد ديمقراطي علماني. فهي مرثية لشخص وقيم وتاريخ، خاصة اني لم أرثِ فيه السياسي فحسب، بل عمقه الفكري وشعره وتصوفه، في وقت تعاني فيه معظم الطبقة السياسية اللبنانية من جهل وفقر معرفي مدقع. من الطبيعي أن تكون بيني وبين وليد جنبلاط كيمياء مردها الى هذه القصيدة المتصلة بوالده الراحل. أما في ما يخص كوني شاعر مقاومة، فلست ميالاً الى العناوين الجذابة التي تأخذ أهميتها من البعد السياسي والايديولوجي وليس من الشعر نفسه. علينا أن ننحاز أولاً الى الشعري في الشعر، ونحدد ما اذا كان الشاعر حقيقياً قبل أن نرده الى أي فرع وعنوان. كل القضايا العادلة لا يمكن أن تجعل من غير الشاعر شاعراً. كل قصيدة تمتلك ادواتها التعبيرية والبلاغية وتنحاز الى قضايا الانسان هي قضية مقاومة بامتياز، ولا يمكن لقصيدة تموت بعد اسبوعين أن تكون كذلك لأنها عاجزة عن مقاومة موتها الذاتي. اتركوا الشاعر يتجول في فضاءات واسعة من التخييل، لأن ذلك يخدم الشعر والقضايا التي ينادي بها. لا يمكن أن أكون خارج المقاومة: أنا الذي هُدم بيتي عام ٢٠٠٦، وخسرت عشرات الشهداء من أقربائي وعائلتي، وأنا الذي قلت إنّ البيت الذي بنيته في الجنوب اللبناني لم أكن لأبنيه لو لم ينكسر ظهر شهيد تحت كل حجر ارتفع في ذلك البناء. وكل زهرة تتفتح في حديقتي رواها دم سقط فوق ذلك التراب. هذه مسائل محسومة وخارج النقاش. لكن هل يجب على الشاعر أن يمتثل لموجبات السياسة بمعناها اليومي والتكتيكي؟ من حقي في ما يتجاوز المقاومة، أن أنتقد هذا الطرف السياسي أو ذاك، وأن نلتقي ونفترق في نقاط عديدة. هذه البلاد يجب أن يحرسها مقاومون أشداء، وأن تكون كذلك محروسة بالمعنى الذي تمثله، وهو الانفتاح على قيم الحرية والجمال والعدالة.

■ زرت إيران والتقيت بالسيد علي الخامنئي، أخبرنا عن هذا اللقاء..
-الشعر نقيض الايديولوجيا. حتى الشعراء الذين انتموا إلى الماركسية في زمن ما، اخترق بعضهم سقف ايديولوجيتها، فسقطت هي كمنظومة حكم وشعرائها الايديولوجيين وبقي الشعراء الانسانيون مثل نيرودا ولوركا وأراغون وايلوار. الشعر يخترق الاسقف جميعاً. هذا الشيء تحدثت به في الجلسة التي جمعتني بالسيد علي الخامنئي، وقلت له إنّ الحضارة الفارسية تستند الى عشرات الشعراء الكبار الذين لم يأخذوا مكانتهم من عناوين سياسية وعقائدية، بل من الإصغاء الى أعمق ما في الانسان من أسئلة ومن ذلك البعد الوجودي في تجاربهم الذي يتخطى الحيز الضيق ليلازم الأزمنة كلها. كان لمداخلتي أثر إيجابي في نفسه. ومن هنا، تُرجمت مقالتي في «السفير» حول اللقاء الى الفارسية.

■ كتبت نصف شعرك في مقهى «دبيبو» قبالة البحر، لكن قلما يحضر البحر في هذا الشعر. لماذا؟
- هذا السؤال طريف بلا شك. عليك أن تعرف أنّي أكتب داخل جدران قاعة «دبيبو» وليس في الشرفات المطلة على البحر. تعتمد الكتابة على العتمة الخالصة. وحين أكتب، أعيش في عزلة كاملة عمّا حولي، لا أنظر الى البحر ولا الناس. لكن ثمة بحر آخر من الأخيلة والمفردات يتفتح في أعماقي. قد أكون أكثر اهتماماً بالسواقي والأنهار، ربما لاعتقادي بأن البحر حضور عام مشترك بين شعوب وجماعات كثيرة وقارات يجمعها ويفصل بينها. في النهر حميمية ما، متصلة بأكثر ما في الأرحام والعزلات من دفء وحاجة والمساررة بيننا وبين البدايات. هو رمز للينابيع الأولى والكهوف الخام وللماء المقطر منذ عصور الحجر.

■ تحب فيروز وتذكرها في أكثر من نص. أيّ أغنية لفيروز تحبها؟
«يا دارة دوري فينا». أحبها لشاعريتها العالية ووصفها العجيب للزمن.

■ ماذا يقرأ شوقي بزيع في هذه الفترة؟
أنا الآن في فترة نهم للقراءة بعد انتهائي من كتابة مجموعتي الأخيرة وحياتي تنقسم بين نهم للقراءة ونهم للكتابة. مذكرات سيلفيا بلاث، كتاب عن الشاعرة الايرانية فروغ فرخزاد، ديوانك «شمعتان للمنتظر»، وديوان ربيع شلهوب «الشعر لا يكتبه الشعراء».

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]