«شيوعيان» في «آيباك»: ما العمل؟!


علاء اللامي

 حتى هذا اليوم، لم يعلق أحد من المثقفين العراقيين اليساريين، أو من قيادة الحزب الشيوعي العراقي ــــ اللجنة المركزية، على ما يمكن اعتباره فضيحة سياسية من العيار الثقيل، كشف عنها الشاعر العراقي المعروف سعدي يوسف في صحيفة الأخبار (العدد 2079 الخميس 15 آب 2013)، وخلاصتها أنّ القيادي السابق في الحزب الشيوعي العراقي، ورجل الأعمال والمليونير حالياً فخري كريم، كان قد زار رفقة حميد مجيد موسى، الأمين العام للحزب المذكور، مقر اللوبي الصهيوني «آيباك»، واسمه الرسمي (اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامّة)، قبل احتلال العراق سنة 2003.
فقد كتب يوسف نصاً نثرياً بطريقته الأدبية اللاذعة جاء فيه ــــ إضافة إلى تلك المعلومة ــــ تعريف بآيباك وبطبيعة نشاطاته وبدوره في ما سماه «تأطير «المعارضة العراقية» لتكون في خدمة الإدارة الأميركية»، حيث هيأت هذه دورات تجسسية شارك فيها بعض «المثقفين الشيوعيين العراقيين». ويُفهم من خلال كلام يوسف أنه يعرف أسماء هؤلاء، وأنه مستعد لذكر أسمائهم «لكن ليس الآن»!
يمكن تفسير عدم تعليق أحد من المعنيين على هذه المعلومة لحساسيتها الشديدة، وخطورة محتواها، الذي سيسهل وجود دليل ملموس على تصديقها أولاً، وبكونها لا تزال طازجة لم يمر عليها وقت طويل ثانياً، كما يمكن تفسيرها بتقليد سائد لدى معظم المثقفين العراقيين، وهو الصمت والانتظار وفقدان روح المبادرة والمبادهة في النقد إلا ما ندر. نجد هذا واضحاً لدى المثقف العراقي عموماً، واليساري بوجه خاص، إذْ نادراً ما يبادر حمَلة هذا العنوان إلى الخوض في المواضيع الحساسة والجديدة ليقولوا رأيهم فيها، ويفضلون الانتظار «حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود»، وحين يأتي من يعلن رأيه، يبدأون هم بدورهم بإعلان آرائهم فينقسمون حينها بين مؤيد ورافض لهذا الرأي التعقيبي، وهكذا يضيع النقد الحقيقي للموضوع الأساسي ذاته، ويتحول الهامش إلى متن، والمتن إلى هامش.
لم يقدم يوسف بعد دليلاً ملموساً على المعلومة التي أوردها في نصه، ولم يفصل فيها تفصيلاً كافياً، مع أنّ ذلك أمر مهم ليس فقط لجهة صدقية الخبر من عدمها، فبعيداً عن الثقة الشخصية بناقل المعلومة، وهو اسم كبير، بل هو الأكبر في الشعرية العراقية في عصرنا، حتى باعتراف خصومه السياسيين والأدبيين، بل أيضاً لجهة تفحص محتوى المعلومة ومعرفة اتجاهات حركتها، وتوقيت نشرها وخلفياته الثقافية والسياسية، وتحليل حزمة أخرى من الخيوط والتساؤلات في هذا الصدد، لكننا إذا توقفنا هنا، بانتظار الدليل المادي والملموس، فسنكون قد تحولنا من منهجية النقد التحليلي إلى ميدان التحقيق البوليسي، وهو أمر لا نبتغيه أصلاً، لذلك ينبغي الاستمرار في مقاربة الموضوع بطرح أسئلة وتساؤلات أخرى من قبيل:
إذا كانت الحادثة الأساسية في هذا لخبر وقعت قبل غزو العراق، بمعنى أن عقداً من السنوات قد مرَّ على وقوعها، فلماذا تأخر يوسف في إعلانها؟ أم أنه لم يطلع عليها إلا أخيراً، أم كان يعرفها منذ زمن طويل بيد أنّ ظروف نشرها على الملأ لم تكن مهيّأة خلال السنوات الماضية؟ ثم، إذا ما وضعنا هذه المعلومة، التي أدلى بها يوسف في سياق ما ينشره من نصوص شعرية أو شبه شعرية أو غير شعرية، والتي تمتاز بطابع نقدي لا يخلو من الهجاء والتشنج ضد العديد من الجهات والمواقف والشخصيات، فهي لا تمثل خروجاً أو خرقاً للمألوف مما عهده القراء منه، والقائم على نقد وهجاء الغزو الأميركي والمؤيدين له والناشطين في المؤسسات والهيئات السياسية والثقافية التي أنشأها. وفي مناسبات عديدة تغلبت شحنة العاطفة والغضب على النقد العقلاني الرصين في نصوص يوسف، وخصوصاً ما تعلق منها بأسماء أشخاص معينين نال منهم قلم يوسف، فأثار ما أثار من ردود أفعال غاضبة وشاطبة هي الأخرى. ورغم أنّ النقد الذي يوجهه سعدي يوسف إلى خصوم سياسيين من أصدقاء الاحتلال لا يتعلق بالجانب الشخصي غالباً، فليس ثمة عداوات شخصية ليوسف مع هؤلاء، لكنه نقد احتسب ضمن هذا الغرار، في محاولة للتعمية على الجانب السياسي في نقده الجذري والقاسي دون شك. أما هذه المرة، فالموضوع مختلف جوهرياً، لأنه يتعلق بشخصين قريبين من بعضهما بعضاً، كان لسعدي يوسف بهما علاقة طبيعية ضمن صفوف اليسار العراقي التقليدي قبل الاحتلال؛ فالأول – فخري كريم - يطرح نفسه شخصية ثقافية «كبيرة ومهمة»، مع أنه لم يصدر في حياته كتاباً أو بحثاً في أي ميدان من ميادين الثقافة والمعرفة، باستثناء مقالات خفيفة ينشرها كمقالات افتتاحية في جريدته الخاصة، ورغم قلة محصوله الإبداعي أو الثقافي، يتكئ واقعياً على ما يملكه من مؤسسة أهلية للتجارة والنشاط الثقافي، تصدر جريدة يومية ومطبوعات أخرى ودار نشر بذات الاسم، إضافة إلى وكالة نشر محلية بدأت تنشط منذ بضعة أسابيع، وأشياء أخرى مشابهة في الوظيفة والنشاطات. وهو، من ناحية أخرى، يُعرف بماضيه المثير للجدل وعلاقاته القديمة والحديثة مع جهات وشخصيات سياسية معروفة، لعل آخرها كونه كان قد احتل منصب كبير مستشاري الرئيس العراقي الفخري جلال طالباني فترة من الزمن، انتهت بإقصائه من هذا المنصب، بعدما حمّلته حركة سياسية منشقة على حزب الرئيس تدعى «تغيير/ كوران» مسؤولية القرارات الخاطئة الذي اتخذها رئيسه، كما نُظر إليه البعض بوصفه ذا علاقات استخبارية، ومُتاجراً بالمعلومات مع جهات غربية، دع عنك الكثير الذي قيل وكتب، والمتعلق بذمته المالية والثروة الضخمة التي جمعها داخل قيادة الحزب المذكور وقريباً منها. ومما سجله التاريخ لكريم من إنجازات هو أنه أول شخص يصف نفسه بالمثقف، ويملك مؤسسة ثقافية، ويرأس تحرير جريدة يومية، لكنّ هذا لم يُشْعِرهُ بالإحراج من القيام بدور جلاد يستخدم القضاء ضد أشهر دورية عربية تقدمية لبنانية هي «الآداب»، وضد رئيس تحريرها د. سماح إدريس، محاولاً معاقبة هذا الأخير لأنه مارس حقه في التعبير، فنشر دراسة نقدية موثقة حول جزء صغير من نشاطات هذا الشخص.
أما الرجل الآخر، حميد البياتي «حميد مجيد موسى»، الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي منذ عشرين عاماً، فهو من الكوادر الحزبية المتفرغة، وكان يقود إحدى منظمات الحزب في إحدى دول أوروبا الشرقية (هنغاريا)، ثم أصبح أميناً عاماً للحزب سنة 1993، وظل محتفظاً بمنصبه هذا حتى اليوم. موسى هو الآخر لم يُعرف له نشاط تأليفي أو فكري ذو قيمة ما، بل عاش حياته كادراً متفرغاً لشؤون الحزب، فمثّله في «مجلس الحكم» الطائفي، الذي أنشأه الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر، الذي يُنعت شعبياً بمدمر العراق، ومن ثم أُشرِك الحزب بوزيرين في الحكومة التي انبثقت بعد الاحتلال، وصار موسى نفسه نائباً في البرلمان، ممثلاً لحزبه في كتلة إياد علاوي. وإذا كان اتهام فخري كريم بزيارة مقر اللوبي الصهيوني لا يتعدى الدائرة الفردية والشخصية، لأنه يطرح نفسه حالياً كشخص لا يمثل إلا نفسه، فإنّ الوضع بخصوص السيد موسى مختلف كثيراً، لكونه يمثل أحد أهم وأعرق الأحزاب الشيوعية العربية في الشرق الأوسط عموماً، حزب كان له ذات يوم، وتحديداً بعد ثورة 14 تموز الجمهورية 1958، دور كبير في الحياة السياسية والاجتماعية العراقية. وعلى هذا سيكون لاتهامه بزيارة مقر اللوبي الصهيوني «آيباك»، بدفع وتسويغ من صاحبه فخري كريم، تأثيرات مختلفة، وأكثر عمقاً من تلك التي تثيرها زيارة زميله، الذي يعتقد سعدي يوسف أنه ورطه في القيام بها.
ومن الطبيعي أنْ يبادر محازبو موسى وكريم إلى مهاجمة يوسف، وكانوا قد فعلوا ذلك مرات عديدة وبقسوة لا تقل عن قسوة نصوص خصمهم، لكنهم لم يبدأوا رد فعلهم هذه المرة حتى الآن. فهل يتعلق الأمر بمحاولة لطمس الفضيحة واغتيالها بسلاح الصمت والتجاهل وعدم الرد، وإلى متى سيدوم هذا الصمت، وهل سيمثل مخرجاً حقيقياً لقيادة الحزب من هذه الورطة الجديدة؟ إنّ الأكثر أهمية من الردود الفردية الجياشة للمحازبين الأفراد هو الموقف الرسمي الذي ستتخذه قيادة الحزب علناً من هذا الاتهام، إذا ما اتسعت دائرته، وهو موقف قد لا يخرج عن واحد من احتمالين أو ثلاثة احتمالات: فهي إما أن تكذِّب الاتهام جملة وتفصيلاً، وتَعُدّه مجرد افتراء وهذا هو الأرجح، وهنا ستنتقل الكرة إلى ملعب الشاعر سعدي يوسف ليرد بالحجة والدليل، مؤكداً اتهاماته أو ساحباً إياه كما يُفترَض منطقياً، أو أن تعترف به جزئياً على اعتبار أنه يدخل ضمن مساعٍ دبلوماسية لمعرفة الطرف الآخر «الأميركي»، ولا نعتقد أن القيادة تملك الجرأة الكافية لهذا الاعتراف المحدود، لخوفها من ردود أفعال قد تطيحها وتنهي هيمنتها على الحزب ومؤتمراته العامة، وهيئاته العليا، منذ ربع قرن تقريباً. أما الخيار أو الاحتمال الثالث، الذي نعتقد أنه سيحل هذه المشكلة حلاً حقيقياً يليق بحزب عريق له تراث نضالي مجيد، ومكانة رفيعة في الذاكرة الجمعية لشعبه، حزب، أُعدِم قادته المؤسسون الثلاثة على أعواد مشانق الحكم الملكي الهاشمي بأوامر مباشرة من بريطانيا، وقتل زعيمه في الستينيات من القرن الماضي حسين الرضوي «سلام عادل» تحت التعذيب من قبل قادة الانقلاب البعثي المدعوم من الاستخبارات الأجنبية في 8 شباط 1963؛ حزب كهذا لا ينبغي له إلا أنْ يضع النقاط على الحروف بجرأة ونزاهة، فيفتح تحقيقاً داخلياً شفافاً حول الموضوع، ويعلن الحقائق الكاملة أمام أعضائه وجمهوره، وأمام الشعب العراقي كله، ثم يتخذ الإجراءات المناسبة مع حجم الخطأ الذي ارتكبه الشخص الذي يتقلد المنصب، والدرجة الأولى في تراتبية الحزب. ورغم أننا نستبعد، في الوقت الحاضر على الأقل، اللجوء إلى هذا الحل، لأنه سيعني ضمن ما يعنيه انتهاء عهد هذه القيادة وخروج الحزب من أزمته الحالكة، التي تكللت بفشله المستمر في إحراز أي مكسب شعبي أو انتخابي صغير، رغم أنَّ عشائر صغيرة وشبكات مصالح بائسة أوصلت عدة ممثلين لها إلى مجلس النواب.
إنّ السؤال الذي جعل منه الزعيم الشيوعي الروسي، ومؤسس الاتحاد السوفياتي فلاديمير لينين، عنواناً لأحد كتبه المهمة وهو «ما العمل» يطرق باب الحزب الشيوعي العراقي اليوم بقوة، فهل ثمة من يجرؤ على فتح الباب ليسمح بدخول الأوكسجين ويعطي الجواب؟
* كاتب عراقي

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]