من «الثورة العربية الكبرى» إلى «الثورة السورية»: ما أشبه اللـيلة بالبارحة!


صالح عبد الجواد

«صحيح أن الدولة العثمانية ساعدت على إسقاط نفسها، لكنها كانت تمثل البقية الباقية من خلافة تربط وتوحد بين المسلمين، وكان استمرار وجودها عقبة في تهويد فلسطين، ولهذا السبب، وليس من منطلق حقوق الإنسان، كان رأسها مطلوباً للغرب»
(المجاهد الشهيد الشيخ راغب حرب) 1

يُظهر هذا المقال بعض أوجه الشبه المفزعة بين ما يسمى «الثورة العربية الكبرى» عام 1916 و«الثورة السورية» الحالية في شقها المُعسكر المحبذ لتدخل أجنبي تقوده وتنفذه الدول التي ليس لها من تاريخ وسجل مع العالم العربي (بما في ذلك بلاد الشام) إلا سجل أسود من التفتيت والتقسيم والتدمير، كان زرع إسرائيل في قلبه وتدمير العراق وتقسيم السودان وتحييد مصر وتطويقها وتهديد شريان حياتها أبرز جرائمها.

أما الهدف من هذا المقال، فهو فتح باب حوار مع القوى الإسلامية التي تتبنى الثورات المسلحة، لعلها ــ رغم انزلاقها في عدائها للنظام السوري إلى درجة ضاعت فيها المسلمات والمبادئ ــ تعود عن غيها، فيكون ذلك «كلمة سواء بيننا وبينكم».
كلتا «الثورتين»، العربية والسورية، استندتا إلى ظلم واقع لا ننكره، وإن كان هذا الظلم مبالغاً فيه، وهو في أحسن الأحوال «كلمة حق يراد بها باطل» 2.
وكلتا «الثورتين» عانتا انفصام الهوية. فالأولى، دشنها شريف مكة الحسين بن علي، أحد أهم الرموز الدينية في العالم الإسلامي، ورغم أنه كان من معسكر رجعي ومحافظ، فقد حارب، ويا للمفارقة، تحت راية القومية العربية، التي كانت في حينها إيديولوجية مقصورة على قلة من مثقفي المدن الشامية العصريين المتأثرين بالأفكار الغربية. والفكرة القومية ظل تأثيرها بعيداً عموماً عن متناول «مثقفي» مكة 3، وعن القاعدة البدوية «للثورة»، حيث لم يعرفها البدو أو حتى سمعوا بها. وفي الثورة الثانية، استطاع من أرادوا عسكرة الانتفاضة وتجييرها لأعداء سوريا اختطاف انتفاضة شعبية سلمية ذات مطالب عادلة في البداية، فأمسكوا بزمامها، فحرفوها عن مسارها السلمي العفوي وعسكروها، مدعين أنهم محاربون تحت راية الإسلام لتحقيق الديموقراطية والعدل.
وكلتا «الثورتين» استندتا إلى دعم العدو الخارجي نفسه (المثلث إياه: أميركا وفرنسا وبريطانيا) لإسقاط وتغيير النظام، وهو عدو، كان بما لا يقارن، أشد خطراً وظلماً من الأتراك العثمانيين أو النظام السوري.
وكلتا «الثورتين» جَيّرتا، بوعي أو دون وعي، مشروع «الثورة» لمصلحة أعداء الأمة وأجندتهم. الأولى، قادها لورنس «العرب» الذي وجه فيصل الأول كما تُحرك الدمى، ولم تكن صفة العروبة التي ألحقت باسمه، إلا تغطية وتضليلاً لما هو عليه في واقع الأمر: مجرد صهيوني مسيحي، عراب اتفاقية فيصل ــ وايزمن (1919) التي تنص على التخلي عن فلسطين لليهود، في مقابل دولة شريفية مستقلة. أما الثورة الثانية، التي روج لبدايتها الصهيوني العتيد برنارد ليفي، فقد أعماها الحقد عن أن ترى كيف تسلم «رقبة وطنها» لأجندة حلف الناتو وإسرائيل. وكلتاهما تحالفت مع الغرب الاستعماري وهو ينخر في أوطانهم. الأولى تحالفت مع الفرنسيين بعد عامين من احتلال فرنسا للمغرب عام 1812، ومع الإيطاليين بعد 3 سنوات من احتلال ليبيا، وكان من خلفهم وأمامهم سجل حافل من تدمير الجزائر ومحاربة إسلامه وعروبته وعبودية أبنائه ومن ابتلاع تونس. أما «الثورة السورية» (كحال الثورة الليبية)، فقد تحالفت مع نفس القوى العظمى الاستعمارية التي هودت فلسطين ودمرت العراق وليبيا والسودان، وعملت على تفتيتها.
وكلتا «الثورتين» طالبتا بتدخل أجنبي مسلح وبحصار اقتصادي لإضعاف النظام ودفع الشعب للتمرد عليه استجلاباً لهذا التدخل. قبل عشرين عاماً من الثورة العربية الكبرى، كتب السير فيليب كوري المفوض السفير البريطاني في إسطنبول إلى حكومته تقريراً بتاريخ الثامن والعشرين من شهر آذار/ مارس 1894 عن الثورات والهبّات في أرجاء الدولة العثمانية، التي مهدت لتفتيتها النهائي، يقول فيه:
«الهدف المباشر للثوار التحريض على الفوضى، مستفزين الدولة العثمانية لإنزال عقوبات شديدة، تجرّ تدخل القوى [الأوروبية] باسم الإنسانية» 4. (هل ضروري أن نذكر أن هذا هو بالتحديد نفس دور المعارضات العراقية والليبية والسورية الخارجية؟).
في الثورة الأولى، أدى الحصار البحري البريطاني الذي صادف فرضه موسمي قحط وجراد، إلى وقف وصول إمدادات الحبوب والمواد الغذائية إلى بلاد الشام، ما أدى إلى مجاعة وأوبئة اودت بحياة 20% من سكان بلاد الشام بين أعوام 1915 - 1918. أما في الثانية، فلم تتكشف آثار الحصار الاقتصادي بعد، وإن كان من غير المرجح أن يؤدي إلى نفس النتائج، نظراً إلى اعتماد سوريا على نفسها، ورفض عراقي وإيراني وروسي وصيني لهذه السياسة.
وكلتا «الثورتين» تتشاركان في حساب جردة الخسائر والأرباح: جرّ الكوارث إلى شعوبهما وشعوب العالم العربي. الأولى أدت إلى كوارث ما زلنا نعيش تداعياتها حتى اليوم تحت عنوان سايكس - بيكو. وفي الحالة الثانية - إن نجحت - سنكون إزاء كوارث لن نستفيق منها أبداً. فالأولى، دمرت من خلال «هدم دولة الخلافة» كل ما بقي للمسلمين من رابطة تجمع في ما بينهم، رغم ما وصلت إليه هذه الخلافة من «رجل مريض». كذلك أسهمت في تقسيم العالم العربي وتجزئته وإضعافه، ورسم حدود التجزئة التي أضرت بالتكامل والتبادل وحرية الحركة بين الشعوب والأقطار العربية. وأدت دوراً أساسياً في تهويد فلسطين، فما كان للمشروع الصهيوني أن ينجح ابداً لولا زوال الدولة العثمانية.
زئيف جابوتنسكي مؤسس وزعيم الحركة التصحيحية الصهيونية (منظّر اليمين والأب الروحي لبيغن وشارون ونتنياهو)، كان على قناعة تامة «بأن مصير المشروع الصهيوني مشروط بتدمير الدولة العثمانية، فهذا التدمير وحده الكفيل بتحرير أرض إسرائيل لمصلحة اليهود. وعليه، يجب الإسهام في المجهود الحربي إلى جانب الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى» 5.
أما «الثورة الثانية»، فستؤدي لا محالة - إن نجحت - إلى تفتيت سوريا بعد العراق والسودان وليبيا، ولا يبقى على المستعمرين بعد ذلك، إلا تفتيت مصر، حتى لا تقوم لنا قائمة من بعد إلى عقود طويلة قادمة.

ما أشبة الليلة بالبارحة!

البارحة، هو يوم الخامس من حزيران 1916، وهو يوم شؤم على الأمة 6. نجلا الشريف حسين، فيصل وعلي، يعلنان باسم والدهما وباسم الحركة القومية العربية، «استقلال العرب عن الأتراك» وبدء «الثورة العربية الكبرى» التي قال عنها المؤرخ الفلسطيني الراحل إميل توما: «لا ثورة، ولا عربية، ولا كبرى، ولا يحزنون».
وهم يعلنونها ثورة مقدسة على «الاحتلال التركي» وعلى «ظلم الأتراك واستبدادهم». ومن أين؟ من المدينة المنورة، وتحديداً بالقرب من قبر حمزة أمير الشهداء. المدينة المنورة لا أقل ولا أكثر، المدينة التي احتضن أهلها الرسول، فآوته بعد خوف، وتقاسم أهلها مع إخوانهم المهاجرين السراء والضراء، والتي صاغ فيها النبي دستور الأمة، وأُسس لما سيكون عليه دولتها.
وهما (أي نجلا الشريف حسين فيصل الأول وعليّ) يعلنان «الثورة» ممتطيين صهوة الجياد، رمز فروسية العرب وتحت «الراية الشريفية» المقصورة على اللون الأحمر الداكن وحده 7 التي كان يرفعها الهاشميون حتى تلك اللحظة رمزاً للحجازيين، والتي استُبدل بها بعد عام من «الثورة» علمٌ، هندسه وصممه مارك سايكس، مهندس اتفاقية سايكس/ بيكو 8!
دُشنت «الثورة» بإطلاق «الرصاصة الأولى»، وهي رصاصة جاءت من صناديق ذخيرة وصلت للتو، من حلفائهم الإنجليز عن طريق البحر مع صناديق محملة ذهباً وبنادق ورشاشات. في صناديق المال ليرات ذهبية تلمع، تحمل صورة فارس: (القديس جورج) يطعن بحربته ومن فوق سرجه رمز الشر: التنين 9 .
تُفتح الصناديق ويوزع الذهب والبنادق على «الثوار» كما هي تفتح اليوم صناديق الأسلحة في المفرق الأردنية على يد الملك عبد الله الثاني ابن حفيد الشريف، ثم يبدأ الثوار ثورتهم «العربية الكبرى» تحت قيادة لورنس «العرب» 10 بالتخريب والتدمير. وكان أهم ما قاموا بتخريبه، خط سكة حديد الحجاز الذي يربط المدينة المنورة بدمشق وإسطنبول، وهو خط أنشأه السلطان عبد الحميد بأمواله الخاصة وباكتتاب المسلمين، وخصوصاً مسلمي الهند. جاد فقراء المسلمين قبل أغنيائهم بالمال، وتبرعت النساء بحليهن الذهبية وحرم الكثيرون أولادهم لقمة العيش حتى تكتحل عيونهم بالطواف حول الكعبة وزيارة قبر الرسول. كان خط سكة حديد الحجاز يعني اختصار رحلة الثلاثة أشهر الطويلة، المحفوفة بالمخاطر والمعاناة والعطش واحتمال الضياع، إلى أيام معدودة. تمثلت أبرز هذه المخاطر، في القبائل البدوية التي امتهنت بالأساس سياسة قطع طريق الحج ونهب (وأحياناً قتل) الحجاج. «تعلمنا» كتب التاريخ المزور، أن هؤلاء الأعراب – قتلة الحجاج وعبدة الذهب الأصفر – هم داعمو الثوار الجدد 11. واليوم، في ضوء ما يجري في سوريا، أليس من الشرعي أن نتساءل: هل نـحن أمة بلا ثقافة أو ذاكرة؟
*كاتب عربي

المراجع
1- الاقتباس مستلّ من مقطع وثائقي لفيلم عن حياة الشيخ راغب حرب وكفاحه، بثته قناة المنار على عدة حلقات بعنوان «عمامة المجد» 14-18 شباط/فبراير 2012. لاحظ موقف الشيخ راغب الذي أدرك الفارق بين التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية.
2- سأعالج ذلك في دراسة مستقلة، وإن تطرقت عرضاً لذلك لأغراض التحليل. قد يقول قائل إن الشريف حسين وأولاده قضوا شطراً من حياتهم في مدينة حضرية كوزموبوليتية (إسطنبول)، لكن هذا الأمر رغم صحته، لا يغير من جوهر ما قلناه شيئاً، بناءً على شهادات المؤرخين الذين عايشوا وعرفوا الشريف الحسين وشخصيته عن قرب.
3- «The immediate aim of the revolutionists has been to incite disorder, bring about human reprisals and so provoke the intervention of the powers in the name of humanity»
4- Sir Philip Currie British embassy Constantinople March 28,1894
5- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) رام الله، 1 كانون الثاني 2006.
http://www.madarcenter.org/databank/TopicView.asp?TopicID=364&SubID=12
6- أيضاً ذكرى حرب الخامس من حزيران عام 1967.
7- عوني الجيوسي: «انتحار المفارقة ومصرع السخرية هل صمم مارك سايكس علم العرب؟»
8- المصدر نفسه.
9- سمع أحد الإنجليز، البدو يحيون الكابتن لورنس بقولهم: «مرحباً أبا الخيال»، فسأل الإنجليزي عربياً: «لماذا يدعون لورنس أبا الخيال؟»، فأجابه العربي سائلاً: «ألم ترَ الجنيه الإنجليزي الذهبي الذي يحمل صورة الخيال؟ الذهب البريطاني، أكثر من أي شيء، هو ما دفع أبناء الصحراء من مكة إلى الشمال» [ للقتال].
10- لإضفاء عروبة زائفة ترضي العربان، يرتدي لورنس كواحد من المستعربين الأوائل العباءة متمنطقاً بخنجر يماني متزيناً بكوفية وعقال.
11- مئة عام أو تكاد، تفصلنا عن «الثورة العربية الكبرى»، وما زال خط سكة حديد الحجاز مدمراً، رغم العائدات النفطية السعودية الفلكية.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]