بين القرار 194 والدولة الـ194


فراس خطيب
لا يمكن التعاطي مع استحقاق أيلول، والذهاب إلى الأمم المتحدة بمعايير «الربح والخسارة»، لأنّ مجرد لجوء الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة، هو سير بعكس الطبيعة السياسية، وخصوصاً في ظلّ ما خلقه الحراك السياسي في العالم العربي. حراك فرض بدوره واقعاً وثقافة سياسية جديدة، غابت عن المنطقة منذ ثوراتها الأولى منتصف القرن الماضي. تعيد الثقافة الجديدة الشعوب إلى الواجهة، لا المؤسسات والسلطات. الشعوب تفرض أجندّتها، وبموجب موقفها تتحرك السياسات، ومن هناك أيضاً تبدأ أو تنتهي تحالفات. كان الشعب المصري، مثلاً، قادراً على ضرب شرعية نظام حسني مبارك، وإجبار الولايات المتحدة على فض التحالف الأسطوري، واتخاذ موقف «معادٍ» للنظام، لكن ما يجري في الحال الفلسطينية، هو تجاوز مرحلة الشعب (وهي الأهم) من أجل انتزاع قرار من الأمم المتحدة، لفرضه على الواقع. تلك صيغة لم تنجح تاريخياً، لأن الأمم المتحدة لم تستطع فرض أيّ قرار على إسرائيل منذ 1948. فالمؤسسة الدولية التي لم تستطع أن تفرض القرار 194، القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، لن تكون قادرة، بقوّة المنطق، على فرض الدولة الـ194. في 1988، عندما أعلن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إقامة دولة فلسطين، كان المشهد الفلسطيني يختلف تمام الاختلاف عمّا هو عليه الآن، ومثّل إعلان الدولة في حينه مواجهة على المحورين الميداني والدولي. فقد كان الاعلان تعزيزاً للانتفاضة الأولى التي اجتاحت الأراضي المحتلة، إذ استقى الإعلان شرعيته من هناك، وفي الوقت نفسه كان مواجهة سياسية حادة لمن رأوا أنّ فلسطين «أرض بلا شعب». علاوةً على أنّ الحال الفلسطينية كانت موحدة بمضمونها، يتفق أقطابها على المبدأ، ويختلفون ربما على التطبيق. لعل الفارق الرمزي الأكبر بين ما حصل في حينه وما يحصل اليوم هو أنّ استحقاق اليوم يأخذ طابعاً أكثر رسميةً ومؤسساتية، ويبدو الفرق جلياً ليس فقط من حيث رؤية التاريخ، بل من حيث رمزية المكان. فإعلان الدولة في نيويورك، في حال حدوثه، لن يشبه إعلانه من الجزائر. قد يكون هناك منطق سياسي من وراء قضية الاعتراف، وأنّه خطوة «تحرج إسرائيل»، وتضعها في عين عاصفة «القرارات الدولية». قد يكون من المنطق أيضاً القول إنّ الذهاب إلى الأمم المتحدة سيجعل إسرائيل «دولة تحتل دولة أخرى»، ما يفرض عليها ثمناً في المحاكم الدولية وغيرها. قد يعدّ المرء إيجابيات تبدأ من نيويورك، ولا تنتهي في رام الله، عن «عزل اسرائيل دولياً»، و«احراج واشنطن»، لكنّ تلك التبريرات يغيب عنها أمران أساسيان: أولهما اختزال القضية الفلسطينية بالرأي العام الدولي، والثاني هو اختزال مهمّة الشعب كمعطى أساسي، وبالتالي اختزال قضاياه الملحّة على أرض الواقع، والاكتفاء بـ«المواجهة الدبلوماسية». إنّ تلك الخطوة هي خروج اللعبة السياسية الفلسطينية من حلبتها الحقيقية إلى المجتمع الدولي لانتزاع اعتراف هو أصلاً موجود، رغم ما يشوبه من مواقف. فالدول الأوروبية لم تعارض دولة فلسطينية على حدود حزيران 67. وليس صدفة أنّ كل الدول، وضمنها الولايات المتحدة، تبني سفاراتها في تل أبيب، لا في القدس المحتلة، لكن الحال الفلسطينية بحاجة إلى أكثر بكثير من الاعتراف بحدود 1967، واتخاذ خطوات فعلية وواقعية. وما تفعله السلطة الفلسطينية اليوم يصب في تعزيز العلاقة الرمزية مع دول أوروبا، إذ تُمنح تلك الدول منصة أخرى لـ«التكفير» عن صمتها. قد يؤيد هؤلاء اقامة دولة فلسطينية، وسيحتسبونها موقفاً مؤيداً للفلسطينيين، لكن ما قيمة تأييد بريطانيا مثلاً لاستحقاق أيلول، أو لوجود سفارتها في تل أبيب، فيما تلغي الدولة نفسها تعديل قانون يمكن بموجبه اعتقال مسؤولين إسرائيليين بشبهة ارتكابهم جرائم حرب ضد الفلسطينيين. يمكن القول، استناداً إلى التاريخ، إنّ الدول الاوروبية، وخصوصاً فرنسا وبريطانيا، لن تغيّرا موقفها السياسي من إسرائيل، ما دام الحراك الدولي هو بين «شرق» و«غرب»، وأنّ الشرق الأوسط تسكنه أغلبية عربية، وإسرائيل قد تكون «شريكاً طبيعياً» في «الحرب ضد التطرف». لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدول الأوروبية تتعاطى مع الملف الفلسطيني الإسرائيلي وفقاً للحكومات الإسرائيلية، لا وفقاً لعدالة القضية الفلسطينية. أي إنّ «التدهور» الحاصل بين أوروبا وإسرائيل ليس ناجماً عن اعتراف الأوروبيين بعدالة القضية الفلسطينية، بمقدار ما هو متعلق بهوية الحكومة الاسرائيلية وكيفية إدارتها للملف الفلسطيني قبالة الأوروبيين والعالم. لماذا لم يتخذ الأوروبيون موقفاً حازماً من حكومة أرييل شارون التي بنت الجدار في محاولة منها لإنهاء حدود 1967؟ لماذا لم تتخذ موقفاً حازماً من حكومة إيهود أولمرت التي قامت بعملية «الرصاص المصهور» في غزة، وتقرير غولدستون من بعدها؟ يمكن القول إنّ الدول الأوروبية تعاطت مع الحكومات الإسرائيلية، لا مع السياسات على الأرض. وموقفها من نتنياهو نابع من حكومة اليمين غير القادرة على إدارة الملف على النحو السياسي المحنك الذي قاده أولمرت مثلاً، حين شن حربين خلال فترة واحدة، وواصل المفاوضات مع الفلسطينيين. التوجه الى الأمم المتحدة ناتج عن تحوّل السلطة الفلسطينية، في السنوات الأخيرة، إلى سلطة مؤسسات، كما تحوّلت مدينة رام الله إلى مكان لا يشبه الحال الفلسطينية، على الرغم من أنّها محتلة كغيرها. لكنّ مكانة المدينة، التي أصبحت مقراً لمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الفلسطينية، وتحوّلها إلى مركز ترفيهي تجاري، خلقا شخصيات تمثيلية ونخبوية ترى السياسة بما يتلاءم مع الوضع القائم في المدينة، وهو مفهوم لا يمثل فهم الفلسطينيين في باقي المدن لحالهم. لقد صار مصطلح «المجتمع الدولي» رائجاً إلى حد يتناسى الميدان. الدعم أوروبي، والموازنات أوروبية، وزراء الخارجية الأوروبيون يضغطون على إسرائيل لتحويل أموال الضرائب إلى الفلسطينيين. وعلى صعيد السياسة: الوساطة أميركية، ومبعوث الرباعية الدولية بريطاني. لتلك الوضعية أعراض مرافقة، أحدها ابتعاد السياسة والنقاش السياسي لتلك النخبة عن واقع الشارع. بالنسبة إلى تلك النخب، فإنّ استحقاق أيلول هو وصفة سحرية تبلور بمجملها صيغة مرضية، تجمع بين التوق إلى اتخاذ خطوة ضد إسرائيل، وفي الوقت نفسه حفظ الوضع الراهن، وإبقاء السلطة الفلسطينية ومؤسساتها على حالها. أي حفظ مكانة تلك النخب في مجتمعاتها المدنية ومؤسساتها الدولية. الهدف ليس الضغط على إسرائيل، بمقدار ما هو إنجاز خطوة داخلية أو رسالة إرضاء للذات بأنّ هناك تحركاً ما، حتى لو لم يترجم على أرض الواقع، كي لا تتهم السلطة الفلسطينية والمحيطين بها، بالجمود أو الرضوخ لإملاءات الحكومات اليمينية. علماً بأنّ تلك الحكومية اليمينية، لم تمارس ربع ما مارسته حكومة أولمرت ـــــ ليفني التي خاضت الحرب الأكبر على غزة منذ عقود. وجرى التفاوض معها. يذهب الفلسطينيون الى الأمم المتحدة في ظل إرباك سياسي خلق مجموعة مفارقات سياسية، إحداها مثلاً أنّ السلطة الفلسطينية تشتري من الإسرائيليين وسائل لتفريق المتظاهرين، لاستعمالها ضد من يمكن أن يهاجم الحواجز والمستوطنات الإسرائيلية. ومثال آخر هو تعاطي المسؤولين الإسرائيليين مع الموضوع، إذ أفادت القناة الإسرائيلية الثانية أنّ وزير المالية يوفال شطاينتس، طلب عدم تحويل أموال الضرائب (للفلسطينيين). فعارضه قائد في الجيش حضر الجلسة بقوله إنّه يجب تحويل الأموال لأنّها رواتب لرجال الأمن الفلسطينيين الذين سيعملون على تنظيم التظاهرات. وتقارير أخرى قالت إنّ التنسيق الأمني مستمر. ماذا إذاً سيفرز استحقاق أيلول؟ ذلك هو السؤال، أو الأسئلة: هل تريد السلطة مثلاً الذهاب الى هناك من أجل العودة إلى المفاوضات؟ ماذا سيتغير في قضية اللاجئين والأسرى والحدود؟ هل تريد أن تفتح مواجهة علنية ضد إسرائيل؟ ماذا عن الولايات المتحدة؟ هل ستعود وسيطاً بين الجانبين؟ وهل الدولة التي استعملت حق الفيتو ضد إقامة الدولة الفلسطينية ستعود ثانية الى المفاوضات لإقامة الدولة الفلسطينية؟ في الآونة الأخيرة، تصدرت الكثير من التحليلات عن الوضع الفلسطيني الداخلي. والوضع سيّئ ولا أحد له أن يقرر عن الشعب الفلسطيني ماذا سيفعل في المستقبل: لا الإسرائيليون قادرون على ذلك ولا حتى الفلسطينيون. لا يمكن توقع انتفاضة ثالثة ولا ثورة أولى، ببساطة، لأنّ الثورات تأتي دائماً على نحو غير متوقع. منذ 1999 يعيش الفلسطينيون حالاً من الهلاك السياسي. من الانتفاضة الأولى وتحطم أوسلو، وعودة اليمين والانتفاضة الثانية واجتياح جنين وفك الارتباط عن غزة وغيرها الكثير. لم يتوقع أحد من الشعب شيئاً، ولا أحد يستطيع اليوم هندسة ماذا سيكون في ايلول أو بعده، لكن فلسطين ستظل دائماً أرضاً خصبة للصراعات، قد تنفجر في كل لحظة، ربما اليوم، وربما بعد اعوام... أما استحقاق ايلول، في حال حدوثه، فسيظل احتفالاً عند دوّار المنارة... * من أسرة «الأخبار»

التعليقات

اضف تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
Comments are limited to a maximum of 250 words.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.