يارا بونصّار... بيروت وشم على جسد



يارا بونصّار في مشهد من «بيت بلدي»

أيّ نصّ معاصر نخاطب فيه مدننا اليوم؟ أليست بيروت مشبّعة أدبياً ومسرحياً بالصور الهائمة التي لا قاع لها؟ هل نحن بحاجة إلى مقاربة أكثر فجاجة لواقعها وواقعنا؟ تجربة «بيت بلدي» تقربنا أكثر من ذلك النقاش الذي يصنعه الشباب المسرحيون اللبنانيون

روي ديب

تدخل يارا بونصّار من زاوية المسرح الصغير في «مونو». تتوجه نحو الجمهور وفي يدها حقيبة سفر. تقف أمامنا بصمت لفترة، ثم تتوجه إلينا بعفوية، وتخبرنا أنها لا تجيد الغناء ولا الرقص، ولكنها سوف تخبرنا قصّة مدينتها، وقصّة مدن زارتها. في زاوية المسرح الأخرى إلى جانب الجمهور، يجلس باد كونكا مع آلاته ليرافق يارا موسيقيّاً خلال العرض.

في نصّ التعريف عن المسرحية، يقول الثنائي: امرأة تروي قصّة رحيلها المنْسوج حول صدفةٍ دعاها إليها صوتٌ ما. نقطة انطلاقها: مدينتها بيروت. تتعاقب محطات رحلتها في مدن لم تعرفها قبلاً. تجمَع من كل مدينة غرضاً واحداً لتحكي من خلال كل غرض القصة المختبئة وراء كل مدينة. مع كل رحيل، تنكشف طبقة من ماضيها حيث يركدُ ركام ذكرياتها في بيروت. تتحوّل وقائع المدن التي تزورها إلى مرآة لبقايا ذكرياتها قبل رحيلها، وتقودها لاكتشاف هدف رحلتها الحقيقي. تلك هي قصّة عرض «بيت بلدي: حكايات مدن بلا حيطان» الذي كتبته وأخرجته يارا بونصّار.
قدّم الثنائي العرض للمرة الأولى في مدينة بِرن في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بعد إقامة فنيّة لهما في سويسرا. وإن كان العرض قدّم باللغة الإنكليزية، إلا أنّ يارا أعادت لبننة النصّ في مناسبة تقديمه في بيروت، وشاركها إيلي يوسف في التسجيلات الصوتيّة، علماً أنّه أيضاً دراماتورج للعرض. ضمن فضاء المسرح، تنصب يارا عاموداً وتوصل حباله بجدران المسرح الأربعة، لتنشر على تلك الحبال الأغراض التي جلبتها من المدن التي زارتها. لكل غرض حكاية، أو بالأحرى لكل حكاية غرض، يرفع من الحقيبة ويعلّق على تلك الحبال لتتألف رويداً رويداً تلك السينوغرافيا (رينات ونش) البسيطة. لكنها ببساطتها تؤمن وظيفتها الدراميّة، وتحمل ضمن فضاء المسرح قصص المؤديّة/ قصص المدن/ قصص العرض.
من مدينة إلى أخرى، تحملنا معها يارا بو نصّار. تستعين بأغراضها لا لتروي عبرها الحكايا، بل لترسم صوراً فيما تسرد قصصاً عن مدن لا أسماء لها، لتبقى بيروت المدينة الوحيدة المذكورة في العرض.


ما يميّز الأخير هو الخيارات في توظيف النص إخراجياً، وتوظيف الموسيقى هنا، والسينوغرافيا هناك، ومشهد رقص تستمدّه يارا من حركة المشي، وقلم تكتب به على جسدها كلمات من قصصها، كمن يطبع وشماً من رواية لا يريد أن ينساها... كلها خيارات بسيطة ومتناغمة لم يطغَ فيها عنصر على آخر، بل استطاعت أن تقدّم عرضاً مسرحياً سلسلاً في وصوله إلى الجمهور، وغنيّ بصوره الجماليّة. أمّا يارا بأدائها العفويّ والمتقن، فاستطاعت أن تفرض حميميةً على ذلك السرد المسرحي، وجذب الجمهور إليها على مدى ساعة.
يبقى النص العنصر الأساسي الذي يدفعنا إلى طرح بعض الأسئلة حول أسلوب صياغته وخيار الصور فيه. باستثناء نصوص بعض المشاهد من العرض مثل البداية والنهاية، ومشهد الراديو الصامت، ومشهد انتظار المفقودين في تلك المدينة، غلب على نصّ العرض في الإجمال أزمة إغراقه في صور هائمة ونبرة نوستالجية إلى زمن، وإلى معالم مدينة غير واضحين، مفتقداً بلاغة وتعقيد النصوص المسرحية. طبعاً تلك تجربة شجاعة ليارا بونصار بتأدية وإخراج نص من كتابتها لمدة ساعة، ولا يصبّ النقد هنا في التزمت بالالتزام بالنصوص المسرحية الكلاسيكية. تجربة يارا بو نصّار، خصوصاً أنها تنتمي إلى جيل مسرحي شبابي، تدفعنا إلى التساؤل حول نوع النص المسرحي الذي نبحث عنه اليوم، في لغته، وصوره، وصياغته، لا سيما أنّ «بيت بلدي: حكايات مدن بلا حيطان» يتناول بيروت، وسكانها، والهجرة منها والعودة إليها. أيّ نصّ معاصر نخاطب فيه مدننا اليوم؟ أليست بيروت مشبّعة أدبياً ومسرحياً بالصور الهائمة التي لا قاع لها؟ هل نحن بحاجة إلى مقاربة أكثر فجاجة لواقع المدينة وواقعنا؟ تجربة «بيت بلدي» تقربنا أكثر من ذلك النقاش الذي يصنعه الشباب المسرحيون اللبنانيون.

* «بيت بلدي: حكايات مدن بلا حيطان»: 20:00 مساء من ٤ حتى ٨ آذار (مارس) ـ «مسرح مونو»، الأشرفية ـ للاستعلام: 01/202422

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]