غيري لايزر موثقاً صناعة اللذة على ضفاف المتوسط



«مهنة» تعكس التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرّت بها المنطقة


تصوير جصي على طاس يعود إلى العهد الفاطمي (من الكتاب)

نادراً ما تقارب الدراسات السوسيولوجية المرتبطة بمجتمعات شرق المتوسط وجنوبه، موضوع الدعارة، مع أنّ الجنس يعد من أقوى المؤثرات في السلوك البشري. من هنا تأتي أهمية كتاب «البغاء في عالم البحر المتوسط القديم - اقتصاد الجنس في الشرق الأوسط القديم والوسيط» (IB taurusـــ 2017). نظراً إلى ندرة المواد والمعلومات المتوافرة، لجأ المؤلف إلى ملاحظات متناثرة في أعمال كثيرة من شعر، وأدب، ورحلات، وكتب في التاريخ والطب والجغرافيا والتجارة

زياد منى

يتعامل «البغاء في عالم البحر المتوسط القديم - اقتصاد الجنس في الشرق الأوسط القديم والوسيط» (IB taurusـــ 2017) مع مادة نادراً ما تتعرض لها الدراسات السوسيولوجية المرتبطة بمجتمعات شرق المتوسط وجنوبه، مع أنّ الجنس يعد من أقوى المؤثرات في السلوك البشري.

مؤلفه غيري لايزر، الحاصل على شهادة الدكتوراه في تاريخ الشرق الأوسط من «جامعة بنسلفانيا» وأصدرت مؤلفات عديدة عن تاريخ الإقليم، يقول إن ّهدف المؤلف تأسيس إطار عام للأبحاث المستقبلية والإجابة عن بعض الأسئلة الأساس، وكذلك الحثّ على طرح أسئلة أخرى.
موضوعا المؤلف الرئيسان هما: الاستمرارية المدهشة في مسألة ممارسة البغاء في المرحلة الانتقالية من الحكم المسيحي إلى الحكم الإسلامي. أما الثاني، فهو ضرورة النظر إلى البغاء كونه مؤسسة خدمية اتخذت أشكالاً مختلفة في أزمنة متفاوتة وأمكنة مختلفة، ضمن حدود موضوع المؤلف.
من هذا المنطلق، فإن الكاتب لا يقبل تعريف البغاء أو شرحه على أنه «أقدم مهنة في تاريخ البشرية». هذا، برأيه، ادعاء عتيق مبسط يعكس جهل من يتبناه، أو أنه «أسوأ أشكال استغلال المرأة في العصور الوسطى»، وهو ادعاء فِكري قائم على أفكار مسبقة، وكلاهما رأيان ساكنان يعكسان نظرة ذات بعد أحادي.
تعامل الكاتب مع المادة من منظور تاريخي، فقسم المؤلف إلى الفصول الآتية: «بائعات الهوى في شرق المتوسط في العصور القديمة»، «بائعات الهوى في جزيرة العرب في العصور الوسيطة»، «بائعات الهوى في مصر في العصور الوسيطة»، «بائعات الهوى في بلاد الشام في العصور الوسيطة»، «بائعات الهوى في الأناضول في العصور الوسيطة». وأنهى الكاتب المؤلف بفصل اعتراضي يحمل عنوان «البغاء كمحفز للتجارة مع الأقاليم البعيدة».

يقرّ الكاتب بوجود معوقات أمام عمل مماثل، أولها أن الحديث في موضوع الجنس كنشاط خدمي مشحون بالمصطلحات الأخلاقية، ملاحظاً أن المصطلح الإنكليزي، وكافة اشتقاقاته ذات أبعاد أخلاقية، ما يقيد أي بحث موضوعي. هذا تحديداً ما دفعه إلى عدم قبول المصطلح السائد prostitution، فيوظف عبارة public woman بدلاً من منه prostitute. ويقدم تعريفاً للبغاء خاصاً بهذا العمل هو «بيع النساء خِدماتهنّ الجنسية للرجال على نحو متواتر وخال من التمييز».
المعوق الرئيس الثاني الذي لفت الكاتب الانتباه إليه، هو غياب صوت بائعات الهوى ومعرفة موقفهن ورأيهن في هذه المهنة/ الخدمة وفي الزبائن، ولا نعرف تجاربهن الشخصية، إضافة إلى أنّ المراجع التي تتحدث عن الموضوع جاءت دائماً بقلم رجال. وفي هذا المقام، يلفت الكاتب إلى حقيقة عدم توافر أي أعمال بلسان الرجال الذين كانوا يمارسون مهن تعدها العامة «مهينة/ قذرة»، مثل القصابة والدباغة.
ويضاف إلى ذلك كله عدم توافر أي مؤلفات تعود إلى العصور موضع البحث متخصصة في هذه المادة بما يفرض على الكاتب البحث في جمل وملاحظات متناثرة في أعمال كثيرة من شعر، وأدب، ورحلات، وكتب في التاريخ والطب والجغرافيا والتجارة وغيرها، وهو ما قاده إلى تفحّص المراجع الأولية والدراسات الأكاديمية تفحصاً دقيقاً، مقدماً ترجمات دقيقة للنصوص ذات العلاقة، ومثرياً المؤلف بمصوّرات عديدة.
عثر الكاتب في كتابات الإخباريين على إشارات، أكثرها غير مباشر، إلى ارتباط ممارسة البغاء وتواجد بائعات الهوى في مراكز المدن حيث يكثر الرجال، أي في الأسواق والقوافل وأمكنة العبادة والحمامات والسيرك وتجمعات الجند والمرافئ والأسواق والألعاب.
ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى استعراض وضع البغاء وبائعات الهوى في الفترة الوسيطة المتأخرة ويبحثه ضمن الإطار السياسي والاجتماعي. يركز هذا القسم على دراسة القوانين والتشريعات التي كانت سائدة في الإقليم في العهد البيزنطي، المكمل للعصر الروماني في الشرق، ليؤكد أنّ الإمبراطورتين لم تمنعا البغاء، بل وضعتا ضوابط قانونية، أهمها دفع بائعات الهوى الضرائب. وفي بعض الأحيان حصر هذه الخدمة أو المهنة ـــ قل ما شئت ــ في أمكنة محددة داخل المدن.
بمراجعة الكتابات اليونانية واللاتينية القديمة، يتبين أنّ مدينة الإسكندرية، التي كانت من الأهم في عالم ذلك الزمان، كانت مركزاً أساساً للبغاء، ويستعين هنا بكتابات الخطيب ديو خريسوستوم (الفم الذهبي – 40- 120 ت س)، الذي دان توافر بيوت اللهو (brothels) في مختلف أنحاء مدن الإمبراطورية، مشدداً على أن الدولة الرومانية فرضت ضرائب على المهنة بدءاً من عهد كاليغولا (37-41 ت س). كما استعان بأعمال القديس ثيوفانس المعترِف (760 - 818 ت س) الذي كتب أن أسقف الإسكندرية ثيوفيلوس، طلب من الإمبراطور ثيودوسيوس (38-90 ت س) السماح بتطهير معبد سرابيس في الإسكندرية وتحويله إلى كنيسة، مشيراً إلى ممارسات الوثنيين الجنسية فيه. كما تتوافر شهادة أخرى من ورقة بردى، تعود إلى القرن الرابع تحوي خبر مطالبة امرأة بالتعويض عن مقتل ابنتها بائعة الهوى لفقدانها دخلها الذي كانت تعطيه للقواد.


كما يعثر على إشارات تعود إلى القرن الرابع لانتشار البغاء في مدينة القدس التي كانت بلدة محلية لا مدينة، وقد ارتبط ذكرها بـ «ممارسة الرذائل». بل إنّ أحد آباء الكنيسة، وهو القديس غريغوريوس النيصي (330-395 ت س)، اعترض على الحج إلى القدس لأن بائعات الهوى فيها سيغوونهم!
يذكّر الكاتب القرّاء بأن علماء الآثار عثروا على بقايا بيوت اللهو في مدينة بيسان الواقعة حالياً في فلسطين المحتلة، والتي كانت في القرن السادس أحد أهم المراكز العسكرية البيزنطية، إضافة إلى مثيلاتها في المدينتين المرفأ، قيسارية وعسقلان. وإلى الشمال من هاتين المدينتين، عثر على آثار ممارسة البغاء في صور، التي كانت عاصمة إقليم سورية - الفينيقية، وضم كلاً من دمشق وحمص وتدمر حيث تتوافر فيها وفي دورا أوروبوس - الصالحية وفي الرها وآمد وأنطاكية وغيرها، شواهد كتابية على حضور البغاء وبيوت اللهو فيها. أما عبد الجبار بن أحمد (1025 ت س)، فكتب أن مدن بيزنطة تعجّ بدور اللهو.
كما يذكر الكاتب بحقيقة أن الإمبراطورة ثيودورا، زوج الإمبراطور البيزنطي جسطنيان، وهي قديسة التوب عن الخطايا في الكنيسة الأرثذكسية والكاثوليكية وحتى الإنجيلية، أي البروتستاتية، كانت بائعة هوى.
وثمة أدلة أخرى في أوستراكا عثر عليها في جزيرة الفيلة في مصر العليا على موقف الدولة من البغاء حيث تعاملت معهن تعاملاً مباشراً، وسمحت لهن ببيع خدماتهن الجنسية في مدن وأوقات محددة وقدمت لهن إيصالات ضرائب على الدخل.
مع انتقال بلاد الشام ومصر من العهد البيزنطي إلى العهد الإسلامي، وُوجه الحكام الجدد بمعضلة كيفية التعامل مع مسألة البغاء. علماً بأن القسم الأكبر من سكان الإقليمين الذين بقوا مسيحيين لقرون بعد العهد الإسلامي، هم من أهل الذمة، وبالتالي لا يحق للحكام الجدد التدخل في أمورهم.
الإخباري الطبري (923 ت س)، أشار إلى البغاء في جزيرة العرب وأرض السواد عندما كتب أن كسرى أنوشروان (531-79 ت س) أمر بإحضار بائعات هوى من السواد والأهواز لعمال بناء قلعة المشقر الذين رفضوا العمل من دون توافر إناث. أما محمد بن حبيب (860 ت س)، فيذكر أن البغاء والبغايا «ذوات الرايات» كان منتشراً في دومة الجندل والطائف في «حارة البغايا». وقال إن كثيراً من الإماء كن يعشن في بيوت شعر وأن أسيادهن «كانوا يكرهون فتياتهن على البغاء».
ومن الإخباريين الآخرين الذي ذكروا البغاء في جزيرة العرب وبلاد الشام ابن قتيبة (ت 889 ت س)، والجغرافي أحمد ابن رسته (ت 912 ت س)، وصاحب «الفهرست» ابن النديم (ت 995 ت س) ذكر أن هيثم بن عدي الذي كان من تلامذة الواقدي (ت 922 ت س) ألف كتاباً عن أسماء بغايا قريش، والمسعودي (ت 956 ت س). ولعل زياد ابن أبيه أشهر من أن يعرف.

وكالة السلطان قايتباي في القاهرة (من الكتاب)

ولا يستثني المؤلّف من استحضار «كتاب الأغاني» وشهرزاد كدليل على الأوضاع المرتبطة بالبغاء في ذلك الزمان. أما الرحالة الإنكليزي تشارلز دوتي (ت 1926 ت س)، فكتب أنّ ثمة ممارسات فحش كثيرة في المدينة، وفي غيرها من المدن التي يتواجد فيها جيش عثماني، ومنها «الزنى والسكر». والأمر ذاته ذكره الضابط البريطاني اللفتننت كلنل هرلد رتشرد باترك كنسن (ت 1959 ت س) وقال إنّ «أهل نجد كانوا يدعون البغايا للغناء والرقص والترفيه عن الزوار في حفل الختان، ولم يشعر أي من الحضور بالصدمة من ذلك».
أخيراً، يذكر الكاتب قراءه بأنّ كتب التاريخ لا تذكر الحكم في ديار الإسلام على أي بغي بتهمة الزنا أو الفاحشة...
باستشارة كتابات الإخباريين آنفة الذكر، وغيرها، يصل الكاتب إلى استنتاج أن البغاء لم يكن محرماً في الإسلام، وأن المنع كان على القوادة فحسب. بناء على ذلك، فثمة تطابق بين التشريعات البيزنطية والإسلامية بخصوص هذه المسألة.
الآن سنركز على سرد الكاتب أخبار البغاء في إقليمين هما مصر وبلاد الشام:

مصر

يوضح الكاتب أن البغاء في مصر انتشر كما في الأمكنة الأخرى، أي حيث يتوافر جمع من الناس وأغلبهم من الرجال. الجغرافي المقدسي ذكر في مؤلفه «أحسن التقاسيم» أن شيوخ الفسطاط يشربون الخمر ونساءهم لا يمتنعن عن الفجور، وأن لكل امرأة زوجين. أما الخليفة الفاطمي العزيز (ت 996 ت س)، فقد حظر على الناس الذهاب إلى بني وائل على تخوم الفسطاط في عيد الصليب، لأنه كان مكاناً لممارسة الفحشاء على نحو غير مسبوق. الحكيم (ت 1021 ت س)، الذي عرف عنه مغالاته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمرَ |ــ ضمن أمور أخرى ـــ بإغلاق الحوانيت، أي الخمارات ومنع بيع الخمر والغواني والآلات الموسيقية ومنع التعري في الحمامات، ومنع اختلاط النساء بالرجال في القوارب النهرية، التي كانت المكان المفضل للبغي لاستجلاب الزبائن، ومنعهن أيضاً من زيارة أمكنة الحَرَجَ!


أما المؤرخ الفاطمي عز الملك المسبحي (ت 1030 ت س) فذكر في «أخبار مصر» أن متولي الشرطة ألقى القبض على رجل وزوجه من المسلمين، وأمر بضربهما وعرضهما في شوارع الفسطاط معلناً أن ذلك عقاب من يقود على زوجه للنصارى واليهود. والذنب هنا واضح وهو ليس البغاء. كما يذكر المؤرخ نفسه أن الشرطة ألقت القبض على مخنث الذي نال العقاب بالتهمة نفسها، بسبب قوادته لخمس بغايا في بيته، لكنه لا يذكر أي عقاب لبائعات الهوى.
من الأمور الجديرة بالذكر أن بائعات الهوى كن ينشطن في الفنادق الخاصة بالقوافل، وكانت الواحدة منهن تعرف بالفُندِقية.
يذكر المقدسي انتشار ما يعرف حالياً بالمواخير (دور الزنا) في شيراز. أما البيروني (توفي بعد عام 1050 ت س) فكتب أن عضد الدولة بن بويه (ت 983 ت س) فرض ضرائب على البغاء لتمويل جيشه، ما يعني شرعنة الخدمة ومأسستها. المقريزي (ت 1442 ت س) بدوره يذكر أنّ السلطان الناصر (ت 1315 ت س) ألغى بعض الضرائب ومنها المفروضة على «بيوت الفواحش». كما يذكر أن «المنكرات» كانت تنتشر على سد قنطرة ترعة أبو المنجا في بعض الأعياد، ومن دون عقاب. كما يذكر أن النساء والرجال كانوا يلتقون على ضفاف النيل في الفسطاط لممارسة الفحشاء، لكن السلطان العزيز منع قادة الجند من البناء على ضفاف نهر النيل لمنع تحولها إلى «دور زنا».
ابن سعيد المغربي (ت 1286 ت س ـــ صاحب «النجوم الزاهرة في حلي حضرة القاهرة - القسم الخاص بالقاهرة من كتاب المُغرِب في حُلى المغرب. صنفه ستة من أهل الأندلس») فكتب أن الحياة في القاهرة/ الفسطاط تميل إلى ما لا يرضى عنه أهل العلم. أما المؤرخ الأندلسي أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري (ت 1188 ت س)، فكتب أن الفقراء العراة في الفسطاط، «في ظواهرها ودواخلها» يتبعون شهواتهم كأنّ روحاً سكنتهم، وهم تحت تأثير الحشيش يرقصون عرايا في الشارع ويقيمون علاقات مع الصبية، أي «اللواط». كما يذكر أنّ العامة من الناس يحتسون المزر والخمر، ومسموح للعواهر بالعمل. وفي بعض الأحيان، كان «أهل الستر» يأتون إلى القناة بين الفسطاط والقاهرة للتمتع بالمنكرات والفواحش! «ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ولا تبرج النساء العواهر ولا غير ذلك مما ينكر في بلاد المغرب».
في العهد الأيوبي، نجم الدين أيوب، والد صلاح الدين، سمح لـ «بيوت الفواحش» في الإسكندرية بالعمل مقابل دفع صاحباتها أو أصحابها ضريبة محددة لـ «الديوان»، ما أدى إلى ظهور المناكر. أما تقي الدين عمر، ابن أخ صلاح الدين، فكان يملك العديد من الحوانيت (بيوت المزر) التي كانت تبيع الجعة (مزر)، وبالضرورة حضور للبغايا فيها.
في العهد المملوكي، تحول البغاء إلى مؤسسة تابعة للدولة على نحو كامل، إذ يذكر المقريزي أن الجباية من البغاء كانت تُعطى إقطاعاً، تماماً مثل الأراضي، وهو ما يؤكده الأب الدومنيكاني وليم طرابلس (ت بعد عام 1273 ت س)، لكنه لاحظ أن الظاهر بيبرس منع تعاطي الخمور والبغاء، وهو ما ينتقده ابن دانيال (ت 1311 ت س). وبعد سلسلة من الحظر والسماح، رفع السلطان الناصر الضرائب عن بيوت الفواحش، بطريق العرفاء. وثمة ذكر لـ «انتشار الفاحشة»، أي الزنا والبغاء، في الإسكندرية والفسطاط وعكا، في برديات الجنيزة.
يقول الكاتب إن المراجع تؤكد أن العسكر كانوا يحصلون على القسم الأعظم من الضرائب المفروضة على البغي «بنات الخطى»، وأن الغواني كن يعملن أيضاً في البغاء، وأن الفسطاط كانت مركز البغاء، وأخيراً أن العبيد والإماء كنّ يعملن في البغاء في مختلف الخانات والفنادق التي وجدت بقرب الجوامع والمدارس، على الأغلب. فعبد الباسط بن خليل (ت 1514 ت س) والسخاوي (ت 1497 ت س) أشارا إلى اثنتين من «بيوت البغي - بنات الخطى» في نهاية العصر المملوكي إحداها يطلق عليه اسم «ربع البريزي»، وقعت بين سوق الكتب وخان الخليلي خلف المدرسة الصالحية. أما البيت الثاني من بيوت البغي، وكان ملكاً لأحد القادة العسكريين أتابك أزبك، فوقع قرب جسر الموسكي.

بلاد الشام

المسيحيون في بلاد الشام شكلوا أغلبية السكان لقرون بعد الفتح. ولذا ليس من الخطأ القول إن بيوت البغي كانت منتشرة هناك، لكن ليس ثمة من ذكر لها في المراجع التي تعود للقرون الأولى من الحكم الجديد. لكن ثمة رسوم لنساء في مراحل مختلفة من التعري على جدران قصير عمرة، توحي بأنه كان مكاناً للهو. أما المرجع الأول الذي وجد فيه الكاتب إشارة إلى «دور فسق» في بلاد الشام، فيعود إلى المقدسي (ت 990 ت س)، مذكراً بقوله إنّ المدن الواقعة على البحر أو الأنهر جميعاً كانت تعج بالفسوق. وثمة ذكر لحادثة في عهد حاكم حلب أسد الدولة صالح ابن مرداس، تقول: «فنفر كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ» عندما قامت مجموعة من الشيوخ من بينهم شقيق الشاعر أبي العلاء المعري (ت 1058 ت س)، بهدم «ماخور» في معرة النعمان، وسجل المعري هذا في قصيدة «تغيبت في منزلي برهة...».


تصوير جصي لراقصة في «قصر عمرة»
الأموي في الأردن (من الكتاب)

كما يرد ذكر «النساء العواهر» و«الزنا» والفنادق والخانات عند ابن القفطي (ت 1248 ت س) نقلاً عن هلال الصابئ، في مدن شامية منها اللاذقية وبلدة اسمها «عم» تقع على خطوط التجارة من حلب وإليها، وكانتا تحت حكم الروم، أي في دار السلام، حيث حويتا جامعاً أيضاً، ويأتي ذكر ذلك عند ابن فضلان أيضاً. وبرأي الكاتب، هناك ذكر للبغاء وتصوير لحانة في المقامة الثانية عشر من مقامات الحريري المصورة (ت 1122 ت س).
أما نور الدين الزنجي (ت 1146 ت س)، فقد ساوره الشك بعد هزيمته على يد الصليبيين، فرد العالِم برهان الدين بلخي ذلك إلى احتساء الخمر وتواجد البغي في صفوف قواته.
أما والي طبرية، عبد الرحمن بن نصر الشيزري (ت 1193 ت س)، الذي كان في خدمة صلاح الدين الأيوبي، فكتب في مؤلفه «نهاية الرتبة في طلب الحسبة - الْبَابُ الْأَرْبَعُونَ: يَشْتَمِلُ عَلَى جُمَلٍ وَتَفَاصِيلَ فِي أُمُورِ الْحِسْبَةِ» وقال: «وَمَتَى سَمِعَ [الْمُحْتَسِبُ] بِامْرَأَةٍ عَاهِرَةٍ، أَوْ مُغَنِّيَةٍ، اسْتَتَابَهَا عَنْ مَعْصِيَتِهَا، فَإِنْ عَادَتْ عَزَّرَهَا وَنَفَاهَا مِنْ الْبَلَدِ». كما يورد سبط بن الجوزي (ت 1256 ت س) في مؤلفه «مرآة الزمان» أن الملك العادل (1200-1218 ت س) أحضر غانيات لحفل زواج.
المؤرخ شمس الدين الذهبي صاحب «تاريخ الإسلام» (م 44)، فقال «وفي رجب، أدار الملك المعظم المُكوس والخمور وما كان أبوه أبطله، فقيل إنه ضمَّن الخمر بدمشق والخنا [البغاء] بثلاثمئة ألف درهم... واعتذر بقلة المال ودفع الفرنج».
ابن خلكان (ت 1282 ت س) ذكر في «وفيات الأعيان» (م 5)، باب الملك الأشرف موسى الأيوبي «وكان في العقيبة، ظاهر دمشق، خان يعرف بابن الزنجاري، ويجري فيه من الفسوق والفجور ما لا يحد ولا ما يوصف».
كما نجد ذكراً للخانات والبغاء والزنا والفسوق والفجور في مؤلفات الجزري، علماً بأن المقريزي ذكر أن أهل حلب التي اجتاحها الوباء «أغلقوا حانات الخمارين، ومنعوا البغايا الواقفات للبغاء والشباب المرصدين لعمل الفاحشة، بضرائب تحمل لنائب حلب وغيره من أرباب الدولة، فتناقص الموت وخف الوباء، ففرح أهل حلب وجعلوا شكر هذه النعمة أن فتحوا الخمارات وأوقفوا البغايا والأحداث للفساد بالضرائب المقررة عليهم».
علي بن يوسف الدمشقي الشافعي البصروي قال في «كتاب البصروي»: «صفر فِيهِ رجعت من مصر وَكَانَ سَفَرِي بِسَبَب وَاقعَة وَهِي أَنه ثَبت على شخص يتزيا بزِي الْفُقَهَاء أَنه يشرب الْخمر وَيَأْكُل الْحَشِيش ويخالط الْفُسَّاق وَيظْهر الوقيعة فِي أهل الْعلم ويتجاهر بذلك ويفتخر بِهِ».
كما انتشر البغاء إبان الاحتلال الصليبي، إلى درجة أن مؤرخي الحملة الأولى ألقوا بمسؤولية كل هزيمة عانوها على ممارساتهم الفحشاء، مع أنهم كانوا في مهمة مقدسة، من منظورهم! بل إن الحاجّات من أوروبا القادمات إلى بلاد الشام، كن يمارسن البغاء كإحدى طرق دعم مهمتهن مالياً! حتى الإمبراطور بربروسا ذهل لعدد البغي اللواتي انضممن إلى الحملة الصليبية الثالثة. كما نجد ذكراً للبغي الأوروبيات في المؤلف الفارسي «بحر الفوائد».
ننهي عرضنا بقول الكاتب إن البغاء في العصور القديمة والوسيطة المتأخرة كان مسموحاً به في شرق المتوسط، وكانت الحكومة تعترف به وتفرض ضرائب على المداخيل. لكن القوادة وإجبار الإماء على البغاء كانا محظورين، لكن يتم غض الطرف عن ذلك. أما الكنيسة فقد كانت تعارضه، لكنها متسامحة معه.

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]