نساء في الظل


فيصل القاق

من أحزمة الفقر ومدن الصفيح والقرى النائية وبلاد الاقتصادات الشحيحة، يهاجر العديد عبر دروب المشقة والترحال بحثاً عن لقمة العيش ورغد الحياة. منهم من يصنع مستقبلاً ويطور البلد المضيف، ومنهم من يعمل في المنازل والخدمات البيتية بصمت وخنوع.
يبلغ عدد العمال المنزليين المهاجرين حوالى ١١،٥ مليون عامل في العالم، تشكل النساء ثلاثة أرباعهن.

وللبنات تحت سن الـ١٦عاماً، فحصّتهنّ الأكبر من فرص العمل هي العمالة المنزلية.
تنتشر النساء العاملات في البلدان الغنية حيث يتواجد منهنّ في لبنان والبلاد العربية حوالى مليوني امرأة. زادت أزمة النزوح من سوريا من نسبة عمالة النساء أيضاً، وهنّ أكثر من نصف النازحين في لبنان والجوار.
تتشعب دروب النساء وتتشابك في ظروف حياتهنّ داخل منازل مخدوميهم أو في عتمة الفضاءات العامة. يشير تقرير صدر حديثاً عن منظمة الصحة العالمية الى مساهمة أولئك النساء العاملات في اقتصاد الدول التي يعملن فيها بالرغم من معاناتهنّ وظروفهنّ المعدمة لجهة الأجور المتدنية، ساعات العمل الطويلة دون راحة، سوء التغذية، والسكن غير اللائق، إضافة الى الغُبن والتمييز والعزل الاجتماعي. تزيد هذه العوامل من تدني مستوى الصحة الجسدية والنفسية للنساء، فلا تشملهنّ رعاية صحية، ولا ترعاهنّ سياسات صحية واجتماعية عادلة.
بالرغم من تأكيد أهداف التنمية المستدامة ٢٠٣٠ على حقوقهن، وأمام مبادرة "لا يُترك أحدٌ في الخلف"، فإنّ صحة العاملات المنزليات ليست بخير. تؤكد الدراسات على معاناة صحية وعواقب سلبية جراء العمل المنزلي وتشمل التعب، الجوع، آلام عضلية مزمنة، أوجاع الظهر، التهابات مختلفة، سقوط وجروح، اضطرابات الدورة الشهرية وعدم تقصي الأمراض المزمنة والسرطانات. كما ويعانين من اضطرابات عاطفية، اكتئاب، ومحاولات انتحار. تتركز المعاناة الأكبر في صحتهن الإنجابية والجنسية والتي تكون متدنية مقارنة مع آخريات في بلدهن الأم.
في دراسة عن العاملات القادمات من الفيليبين الى العالم، تبين تعرّض ٤٤٪‏ منهن للاستغلال الجسدي، وصرّحت ٢٧٪‏ منهن بمعرفتهن عن تعرض زميلة للتحرش الجنسي أو الاغتصاب. يدور همسٌ غزير عن ممارسات بالخفاء مؤذية لصحتهن الجنسية والإنجابية دون قدرتهن على الوصول أو الحصول على رعاية وقائية أو علاجية.
لا رعاية الحمل (إذا سُمح لهنّ بالحمل)، ولا صور شعاعية روتينية لتقصي سرطان الثدي، ولا فحص "قزازة"، (لا عجب إذا كانت ربة عملها أصلاً لا تقوم بهما)، ولا حتى فحوصات للالتهابات الجنسية. وإذا لم يكن السبب عدم القدرة على الوصول للخدمة، فيكون التنميط والتمييز وعدم الاكتراث من قبل مقدمي الخدمة في أغلب الأحيان، كما يشير تقرير منظمة الصحة العالمية.
في العالم اليوم من بين سبعة أشخاص شخص مهاجر، ما يبلغ عددهم حوالى مليار شخص، نصفهم نساء في مراحل مختلفة من حياتهنّ وأعمالهنّ. في ظل هذه الأرقام المرتفعة، لا بد أن تدخل "صحة المهاجرين" في صُلب الصحة العالمية Global Health. يؤكد على ذلك تقرير منظمة الهجرة الدولية مشيراً الى أن الاستثمار الجدي في الحاجات الصحية للمهاجرين والنازحين واللاجئين يحمي الصحة العامة العالمية، يعزز الاندماج الاجتماعي، ويساهم في الرخاء الاقتصادي.
في المنازل والمستشفيات والمحلات وكثير من المؤسسات تساهم العاملات المنزليات في صحة وسلامة ورعاية كبار السن والأطفال، وفِي الطبخ والتنظيف والبيع، بينما هنّ محرومات من الرعاية الصحية والتغذية السليمة والراحة. يخدمن مجتمعاتٍ يُمارس بعضها العنف عليهنّ والتمييز ضدهن، في وقت تزداد الحاجة إليهن أمام ازدياد أعداد المسنين ونقص اليد العاملة المحلية. من بين مئات آلاف العاملات المنزليات، لا تشهد مراكز الرعاية الصحية إلا القليل منهن وقد أصابهن اعتلال شديد منعهن من الخدمة المنزلية.
لا يمكن لهذا التناقض بين الحاجة إليهن للخدمة والرعاية، والإساءة إليهن بالازدراء وسوء المعاملة، أن يستمر، ولا يمكن لأي سياسة صحية محلية أو عالمية أن تكتمل دون صحة المهاجرات، ولا قيمة لأي قوانين تتعلق بحقوق الإنسان والمساواة ما لم تحفظ لهن حقوقهن وصحتهن.
لا جواب على اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة إلا وجوب مناهضته داخل جدران المنازل وفِي اختلاجات الصدور.
* اختصاصي جراحة نسائية
وتوليد وصحة جنسية

صحة
العدد ٣٣٣٦ الاربعاء ٢٩ تشرين الثاني ٢٠١٧

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]