هل يكمّل مرفأ الناقورة ما بدأه مرفأ عدلون... من تدمير؟



هل نقول وداعاً لشاطئ الناقورة؟ (مروان طحطح)

كلّما اقترب موسم الانتخابات النيابية من موعده المحدد، كلما تفتقت أذهان المسؤولين والنواب الحاليين (والمفترضين) عن اقتراحات مشاريع ووعود بتحقيق التنمية المطلوبة في المناطق المحرومة. وكان من بين أبرز الابتكارات الجديدة مشروع تحويل مرفأ الناقورة الحالي من مرفأ صيد إلى مرفأ تجاري. فمن أين جاءت الفكرة ولأية أهداف؟ وما هي الجدوى والمخاطر المترتبة على ذلك؟

ح. خضرة

للوهلة الأولى، تبدو فكرة إنشاء مرفأ أمراً مستغرباً، خاصة أن منطقة الناقورة المحاذية للحدود الجنوبية تُعتبر من بين المناطق الأجمل في لبنان التي حافظت على شاطئها الصخري ومياهها الشفافة وشيّاراتها البيضاء الخلابة التي أوصت الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية عام 2006 بالمحافظة عليها واعتبارها ضمن المناطق المحمية (حتماً).

في لبنان، وعلى طول شاطئه الصغير الذي لا يتعدى 220 كلم، نجد نحو خمسة عشر مرفأ، اثنان منها تجاريان هما بيروت وطرابلس والباقي منها موزّع ما بين مرافئ صيد أو مرافئ سياحية. وفي لبنان أيضاً صرفت الحكومة اللبنانية مئات ملايين الدولارات لتطوير مرفأ بيروت وتعميق أحواضه، ثم أخذت قراراً سياسياً بدعم مرفأ طرابلس من خلال خفض الرسوم الجمركية فيه لتشجيعه على استقبال حركة الترانزيت إلى الداخل العربي.

أية طريق؟

في لبنان أيضاً صراع غير معلن حتى الآن على المرفأ الذي سيستقطب الجزء الأهم من البضائع المفترض أنها ستساهم في عملية إعادة الإعمار في سوريا، وكان هذا هو السبب الذي أدى إلى اقتراح إنشاء مرفأ في الناقورة.
حيثيات طرح هذا المشروع ليست آتية من فراغ، فبعض نواب المنطقة طرحوا المسألة رسمياً مع عدد من مستشاري الرئيس سعد الحريري في السرايا الحكومي، أثناء مناقشتهم ما أُطلق عليه «خطة الاستثمار الوطني».
يقوم المشروع على إنشاء مرفأ تجاري مؤلف من رصيفين على الأقل مع المباني الضرورية الملحقة والمكملة (جمارك، حجر صحي، مختبرات، مستودعات..إلخ)، لنقل البضائع عن طريق الترانزيت باستخدام الطريق الحالي المحاذي للحدود مروراً ببلدات مرجعيون – راشيا- البقاع الغربي وصولاً حتى الحدود السورية وبطول يقارب 140 كلم تقريباً، مخترقاً القرى والبلدات بحجة إنعاشها اقتصادياً!

أين الجدوى ولمن؟

من الناحية العملية يمكن تصنيف فكرة إقامة المرفأ من بين أسوأ الأفكار التي يمكن إطلاقها لتحريك عجلة النمو في المناطق الحدودية وذلك للأسباب التالية:
أولاً: لغياب البُعد الاستراتيجي في الرؤية حول المرافئ بشكل عام، وغياب الرؤية في ملاحظة قدرة مرفأ الناقورة على استقطاب حركة الترانزيت في مرحلة إعادة إعمار سوريا: إذ لدى سوريا مرفأن تجاريان هما طرطوس واللاذقية، ثم هناك مرفآ بيروت وطرابلس اللذين يمكنهما تأمين حركة انتقال البضائع إلى مناطق الشمال والشرق السوري، أما مناطق الجنوب السوري فسوف تتقاسم حصة الموانئ فيها، على الأغلب، موانئ العقبة وشط العرب، وذلك في طريقها لشحن البضائع القادمة من الشرق. وبالتالي لن يكون لمرفأ من حوضين مكان على خريطة التجارة العالمية.


ثانياً: لغياب الجدوى الاقتصادية للمشروع. بمعنى أن مرفأ طرابلس -على أهميته وعراقته – يعتمد في قسم من وارداته على الدعم الحكومي المباشر، فكيف يمكن لمرفأ حديث سوف يُنشأ دون خطة اقتصادية وازنة، أن يؤدي الدور الإنمائي المطلوب منه للمناطق؟ وفي هذا المجال يمكننا أن نستذكر أن خطة النهوض الاقتصادي للبنان اقتُرحت مع وصول الرئيس رفيق الحريري إلى سُدة الحكومة، كان من بين مشاريعها إقامة مرفأ تجاري جنوب مرفأ صيدا الحالي في منطقة سينيق، إلا أن جدواه الاقتصادية لم تثبت يومها، ما أدى إلى غض النظر عن المشروع.

الاستملاكات والأثر البيئي

ثالثاً: من غير المؤكد كم ستكون كلفة استملاك الأراضي لإقامة اتوستراد موازٍ لحركة الشاحنات، لكن المؤكد أن مثل هذا المشروع يمكن أن يُكلّف بحسابات الورقة والقلم نحو 500 مليون دولار بالحد الأدنى. ومن غير المؤكد أيضاً أن أبناء البلدات الحدودية سوف يستفيدون من قيام المرفأ وذلك بالنظر إلى أن العمال لن يكونوا لبنانيين في أغلبهم- كما هو الحال في مرفأي بيروت وطرابلس- كما أن البلدات نفسها لن تستفيد من حركة نقل البضائع كونها حركة ترانزيت أي حركة عابرة في اقتصاد البلدات وليس فيها.
رابعاً: النظر إلى التعامل مع موضوع دراسة الأثر البيئي وكأنها تحصيل حاصل، وأن لا اعتبارات للشأن البيئي للمنطقة، وأن تلزيم مثل هذه الدراسة لبعض المكاتب ذات الطابع التجاري، سوف يأتي حتماً لصالح المشروع، وذلك على غرار معظم المشاريع الكبرى التي نُفّذت وتنفذ في البلد.

« ما شفت مين مات؟»

في جوار مرفأ الناقورة وعلى بُعد عدة كيلومترات قليلة، يُقام مرفأ سياحي كبير هو مرفأ عدلون، مرفأ مؤلف من تسعة أحواض و400 مرسى وسنسولي حماية بطول 600 و240 م. وهو يقوم على مساحة 164 ألف متر مربع، أي ما يفوق مساحة مرفأي صيدا وصور حجماً. لكن الأهم من هذا كله هي الكلفة البيئية والتراثية التي دمّرها هذا المرفأ ومن خلفه تم تدمير عشرات دونمات الأراضي الزراعية التي لن يبقى من المجدي زراعتها، خاصة مع ارتفاع كلفة العقارات المحاذية لهذا المرفأ. واعتماداً على هذا السيناريو، فإن إنشاء مرفأ تجاري في الناقورة من شأنه ليس فقط أن يُدمّر واحدة من أجمل المناطق البيئية في لبنان، بل من شأنه أيضاً أن يُغيّر في شكل التركيبة الاقتصادية للسكان لجهة توجههم إلى المتاجرة بالعقارات على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى.

خبزنا ليس مالحاً

هل يحتاج لبنان بالفعل إلى مرفأ تجاري جديد؟ هل تحتاج مناطق الحدود إلى مثل هذا المشروع بالتحديد؟ وهل التنمية تعني المزيد من الاستثمار في مشاريع البنى التحتية، خاصة مع ما أشرنا إليه من أنّ هذا المشروع لن يكون له أثر مباشر على التنمية المناطقية، بل ربما يكون له أثر – غير مؤكد- في تحسين المؤشرات العامة على مستوى الوطن مثل زيادة مؤشر النمو.
أين المشاريع المولّدة لفرص العمل؟ أين تحسين وتطوير الأعمال؟ أين زيادة الكفاءة الإنتاجية؟ أين تحسين جودة المنتجات المحليّة لتطوير قدرتها على المنافسة؟ أين حماية هذه المنتجات من الإغراق الخارجي؟ يحق للناس أن يسألوا، لكن يبدو أن خبز الناس ليس مالحاً كفاية بحيث أن أصواتهم لا تصل إلى ممثليهم في الندوة البرلمانية.

بيئة
العدد ٣٣٨٠ الجمعة ٢٦ كانون الثاني ٢٠١٨

ابتداءً من تاريخ 30 تموز 2015، تم إيقاف التعليقات على المقالات مؤقتاً نظراً لبعض الصعوبات والتعديلات التقنية، يمكنكم التعليق وإبداء الرأي والتواصل مع الكتاب عبر صفحتنا الالكترونية على

فايسبوك ( https://www.facebook.com/AlakhbarNews)، أو عبر البريد الالكتروني: [email protected]