رحيل حسني مبارك: المعضلة الإسرائــيليّة



الجيش يفتش الداخلين إلى ميدان التحرير قبل سقوط مبارك (أ ب)

قابعٌ في شرم الشيخ. يعترف رئيس حكومته أحمد شفيق بأنّه يتحادث معه. لم يقترب أحد من طنطاوي ليسأله عن علاقته بالرجل الذي أتى به وزيراً. لعلّه يشاهد الأقنية مع إصرار على تجاوز محطة «الجزيرة». لعلّه يستفظع مشاهد المجازر في ليبيا، لأنّه لم يجد غضاضة في قتل أكثر من 300 من مدنيّي الشعب المصري ومدنيّاته. مجلس الأمن في الأمم المتحدة يتيح للطغاة العرب قتل ما لا يزيد على 300 من مدنيّي العرب، لكنّه يستنكر إذا زاد العدد على ذلك. حسني مبارك ذهب ولم يذهب. أميركا والسعوديّة وإسرائيل لم ترد أن يترك الحكم. كشفت جريدة «نيويورك تايمز» هذا الأسبوع أنّ الملك السعودي اتصل بأوباما ورجاه أن يسمح لمبارك بأن يستعمل القوّة المفرطة لقمع الانتفاضة في مصر. سمح له أوباما، لكن من يقف بوجه زخم الشعب المصري عندما يثور؟

أسعد أبو خليل

لا يمكن التقليل من أهميّة سقوط نظام حسني مُبارك ــ هذا إذا سقط بالفعل. لم يكن بأهميّة أنور السادات، كان أهمّ منه، بالمنظار الصهيوني المحض. أنور السادات أتمّ صفقة الاستسلام مع إسرائيل، فيما أكمل الصفقة حسني مبارك وتنعّم ــ على خلاف السادات ــ برعاية رسمية عربية لسياساته المُتحالفة مع إسرائيل. أي أنّ نجاحه الصهيوني فاق نجاح سلفه. حسني مُبارك كان المُنفّذ الأساسي للمؤامرات والمخطّطات الأميركيّة ــ الإسرائيليّة في المنطقة العربيّة.

إنّ اجتماع القمّة العربيّة الذي أعقب اجتياح صدّام للكويت أبلغ مثال لقدرة مبارك على ترتيب البيت العربي الرسمي ورصّ صفوفه بما يوائم المصالح الأميركيّة والإسرائيليّة.
كان سقوطه مدويّاً. كم كان سقوطه مدويّاً. وصل الصدى إلى كلّ عواصم العالم، وزعزع بنى الأنظمة من حوله. إنّ الحفاظ على هيكليّة النظام العربي الرسمي كان جزءاً من مهمات مبارك. وعندما يأمر الأميركي، مبارك أوّل المُنفذين وضاربي السوط. تأمر أميركا بإفشال أي حلّ عربي في صيف 1990، فيجمع مبارك الزعماء العرب ويرتّب الأمر كي يسهّل على أميركا اجتياحها العراق عبر تقديم ذرائع لها عن تعنّت عراقي لا فائدة في معالجته. يقرّر جورج بوش عزل سوريا بعد اغتيال الحريري السيئ الذكر، فيذهب مبارك إلى الأبعد، حتى بعدما تحسّنت العلاقة بين النظام السوري وأميركا والسعوديّة. تقرّر أميركا أنّ من الضروري مساعدة حركة فتح، وعزل حماس، فتنشغل الاستخبارات المصريّة بحبك المؤامرات ضد حركة حماس لإسعاد إسرائيل، كما اعترف عمر سليمان نفسه في واحدة من وثائق ويكيليكس. تقرّر أميركا أنّ فريق 14 آذار يحتاج إلى غطاء عربي قوي، فيصبح نظام حسني مبارك الراعي الرسمي والحقيقي لأكثر النزعات تطرّفاً في فريق الحريري، وأكثرها طائفيّة ومذهبيّة، مثل محمد على الجوزو وسمير جعجع وأمين الجميّل وفؤاد السنيورة (حسني مبارك هو الذي زكّى ترشيح ميشال سليمان رئيساً للجمهوريّة في لبنان، لمن لا يريد أن يذكر). تقرّر إسرائيل اجتياح لبنان عام 2006، فيغطّي مبارك عدوان إسرائيل وتعمد استخباراته وجهاز دعايته الى التنسيق مع أجهزة الشرّ السعودي لإذكاء الفتنة المذهبيّة خدمة لإسرائيل. وعندما حصل عدوان غزة عام 2008، جاهرت حكومة مبارك بتنسيقها مع إسرائيل. هذا الغرور والصلف والثقة الزائدة بالنفس هي التي قضت على نظام مبارك، إضافة إلى العوامل الاقتصاديّة والسياسيّة الأخرى.
وسقوط مبارك صدّع النظام العربي الرسمي في جذوره. ليس أبلغ من تصدّع هذا النظام من ردّة الفعل الخليجيّة على حركة الاحتجاج في البحرين. اجتمع مجلس التعاون الخليجي على عجل وأصدر قراره الصارم برص الصفوف وبمناصرة القمع الملكي البحريني: غياب «الجزيرة» عن الحدث البحريني نتاج لتلك السياسة ــ لا شك في ذلك. يبدو أنّ «الجزيرة» تؤيّد الحركات الديموقراطيّة في كل العالم العربي، باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي. لكن عدم ورود مواقف رسميّة حازمة بمناصرة البحرين دليل على التغيّر الجذري في الحالة العربيّة الرسميّة منذ سقوط الطاغية مبارك. تشرذمت الأنظمة العربيّة بعد سقوط زين العابدين بن علي ومبارك. كل نظام يغنيّ على ليلاه ولا يأبه لما يحدث في الدول المجاورة إلا بالقدر الذي يؤثّر على نظامه هو. الطغاة يكنزون المال ويهرّبون ويخطّطون لأفضل وسيلة هرب في حال بلوغ الاحتجاج قصور الحكم. كان مبارك هو الذي يجمع الطغاة العرب من أجل المؤازرة، وخصوصاً أنّ آخر ملكيْن من آل سعود لم يكونا في حال صحيّة نشيطة على مرّ عقديْن أو ثلاثة. إن ما كان يُسمّى «التضامن العربي» ــ والعبارة من صياغة أعداء الفكر التوحيدي العربي من أجل تقويض العمل العربي المُشترك بأفق توحيدي قومي في الحقبة الناصريّة ــ احتاج إلى مساهمة حسني مبارك الذي خدم اتفاق السلام مع إسرائيل. الأنظمة العربيّة ستسعى إلى حماية نفسها بإجراءات جديدة، وخصوصاً أنّها اكتشفت أن أميركا ــ رغم رغبتها وشوقها وحماستها ــ لا تستطيع أن تستعمل قوّتها العسكريّة ضد جماهير غاضبة على الطاغية. (هرّبت إسرائيل على عجل كل طاقم سفارتها في القاهرة وأنزلت العلم البغيض عن السارية، وأزالت المعالم).
حسني مبارك لم يكن طاغية فقط. وهو ليس عنواناً لفصل في كتب التاريخ. هو عنوان لمرحلة انتهت برحيله، ولن تعود أبداً. السلوك الرسمي العربي سيتغيّر منذ اللحظة، والشك بين الأنظمة سيسود في علاقاتها، وهذا سيؤدّي إلى إضعاف كتلة الطغيان العربيّة بوجه شعوبها. عبد الله بن زايد (الذي ترقص أمامه فرقة كركلا مُعظّمة ذكرى والده الأمّي الذي جاء إلى الحكم وخدم بإذن من المستعمِر) وعى خطورة ما يجري على النظام العربي الرسمي، وكان واضحاً في وقوفه إلى جانب نظام مُبارك ونظام البحرين. أراد أن ينبّه الحكّام العرب إلى ضرورة التناصر والمؤازرة ــ وهو لا يقوم بما يقوم به من مهمّات دون التنسيق مع الحليف الأميركي (والإسرائيلي الخفي). لا يمكن الجزم بحتميّة توالي سقوط الأنظمة العربيّة الواحد تلو الآخر، كما لا يمكن الجزم بمآل ثوري لسياق الانتفاضات العربيّة. العمليّة قد تقوم وقد تقصر وهي ليست خاضعة فقط لمزاج الشعوب ولوتيرة القمع الوحشي المُستعمل، بل أيضاً للإجراءات العمليّة (الاستخباريّة والعسكريّة) التي ستقوم بها أميركا في خدمة وكلائها. كما أنّ القلق، لا بل الهلع، الإسرائيلي لم يسبق له أن ظهر إلى العلن بهذه الصورة، ربّما منذ الهلع المُصطنع الذي ارتدته الدولة العدوّة في حرب 1967 لكسب العطف ولنيل أداء عسكري قوي من مجنّديها.
سيُكتب الكثير عن حقبة مبارك. ستصدر كتب ومقالات من الشعب المصري الغزير الإنتاج الفكري والأدبي ــ حتى في سنوات القمع ــ عن تفاصيل القمع والعلاقات السريّة مع إسرائيل، وعن عمليّات سريّة لمصلحة الحليفين الأميركي والإسرائيلي. وقد تحدث محاكمات، وسيأتي عدد هائل من الانتهازيّين الذين يتصنّعون التعاطف مع الثورة قبل أن تبدأ. عمرو أديب ليس وحده: المحظيّون من النظام السابق سيتدافعون وحداناً وزرافات وسيقسمون أنّهم كانوا يسعون إلى «الإصلاح» من الداخل وأنّهم لم يكونوا يبتسمون بصدق في مصافحاتهم مع جمال مبارك وأعوانه. مصطفى الفقي ظاهرة وليس وحيد عصره: عمل لعقود في صلب النظام، لكنّه قرأ الكتابة على الحائط قبل غيره، لم يرد أن ينتظر طويلاً. علم متى يفصل مع النظام. أصبح بطلاً من دون تجشّم عناء يُذكر: وتستطيع (وتستطيعين) أن تتوقّع أنّه سيكون محظيّاً في النظام الجديد. هو البطل فقط لأنّه لم ينتظر طويلاً سقوط الطاغية عندما علم بحتميّة سقوطه. أين البطولة في حاشية مبارك؟
لكن رحيل مبارك حدث كبير. حجمه أكبر مما يبدو اليوم. يكذب من يدّعي أنّه يستطيع أن يدرك هول الحدث. من كان يتوقّع أن تؤدّي خلافة السادات لعبد الناصر إلى ما أدّت إليه. الرجل الذي رافق عبد الناصر كالظلّ، ولم يخالفه الرأي يوماً في سنوات حكمه، قلب كل الثوابت الناصريّة رأساً على عقب، وبنى سياسة خارجيّة على كسب رضى واشنطن (والرجل الأبيض من خلال صور متعدّدة في مجلّة «باري ماتش» تظهره مع كلبه أو وهو يدخّن الغليون أو جالساً يتأمّل أو «فوق غصنك يا ليمونة»، الخ). تقرأ في كتاب زبغنيو برجنسكي «القوة والمبدأ» كم فوجئت إدارة جيمي كارتر باستدارات السادات، الذي كان المسؤولون الأميركيّون يمتهنون السخرية منه ومن شخصيّته الكرتونيّة في كل حديث عن السياسة الخارجيّة. كان تشدّقه بالكلام وتصنّعه في الحديث مثار هزل لهم. هناك من أدوات أميركا وإسرائيل في العالم العربي من لا يدرك أنّ راعيه الأميركي يسخر منه عندما يسخر منه. شخص ممن شاركوا في وفود التفاوض الفلسطيني أخبرني أنّ صائب عريقات، مثلاً، كان هدفاً لسخرية عاديّة من المفاوضين الصهاينة، وأنّ عريقات لم يكن يلاحظ ذلك. كان هذا المهرّج ــ كما ورد في «الأوراق الفلسطينيّة» التي تسرّبت إلى محطة «الجزيرة» ــ يسرّ للإسرائيليّين باستعداد السلطة الفلسطينيّة لقتل الشعب الفلسطيني، ويزهو بلجوئه إلى الكذب دفاعاً عن إسرائيل ومصالحها.
إنّ انعكاس رحيل مبارك سيرتدّ على أكثر من صعيد. إسرائيل هي الخاسر الأكبر. يمكن الجزم بأنّ إمكان الحفاظ على الحدّ الأدنى من مستوى التحالف بين إسرائيل ومصر يعتمد على إبدال الطاغية مُبارك بطاغية آخر. طبعاً، ستسعى إسرائيل وأميركا والسعوديّة نحو إدامة أمد الدكتاتوريّة في مصر، لكن الزخم الشعبي المصري الهائل سيمنع السيناريو المذكور من التشكّل. أما احتمالات الاختيار الديموقراطي ومضاعفاته فستكون دراماتيكيّة. طبعاً، السعوديّة والولايات المتحدة ستسعيان، من أجل مصالحهما ومصالح إسرائيل، للتأثير على الخيار الديموقراطي، كما يفعلان في لبنان من خلال دعم كبير لفريق السلالة الحريريّة، عبر الإنفاق الانتخابي السرّي. الولايات المتحدة لم تخفِ نياتها المعادية للديموقراطيّة. بعد أيّام فقط من الانتصار الشعبي في مصر، ذكرت «نيويورك تايمز» ــ دون أن تلاحظ الصحافة المصريّة ذلك ــ أنّ «البيت الأبيض ووزارة الخارجيّة باشرا في بحث رصد نفقات جديدة من أجل تقوية صعود أحزاب سياسيّة علمانيّة» في مصر (وفق التعريف الأميركي تصبح الوهّابيّة علمانيّة ويصبح محمّد كبّارة رمزاً لعصر التنوير). الأمير مُقرن سيغدق على أحزاب، وقد ترسل المملكة مقاولاً على شاكلة السيئ الذكر، رفيق الحريري، للانخراط في العمليّة السياسيّة هناك. لكن فساد نظام مُبارك أضرّ كثيراً بصورة أصحاب المليارات في مصر. هؤلاء كانوا زمرة جمال مبارك. كما أنّ مصر ليس فيها الشرخ المذهبي الذي يساعد آل سعود في التسلّل إلى الجسم السياسي. لكن الأهواء السياسية الشعبيّة في مصر، وفقاً لاستطلاعات رأي موثوقة، أو أكثر وثوقاً من انتخابات حسني مبارك، تتعارض مع أهداف المشروع الأميركي ــ الإسرائيلي ــ السعودي. حتى في العراق، فشل الكونغرس الأميركي في حث النخبة السياسيّة المُوالية ــ من الطائفيّين الشيعة والسنة والعلمانيّين ــ على السير قدماً في الصلح مع إسرائيل. تعرّض نوري المالكي، دمية الاحتلال الأميركي مثله مثل كل من «انتُخب» في العراق في ظلّ الانتخاب، لضغوط هائلة من الكونغرس الأميركي كي يصدر إدانة لحزب الله بعد حرب تمّوز، لكنّه تمنّع لعلمه بأهواء جمهوره الناخب.
كذلك فإنّ مصر ستصبح الهاجس الذي كانت عليه حتى رحيل جمال عبد الناصر، وإن زال الإعداد العسكري لتحرير الأراضي المُحتلّة. (هل من يجرؤ في مصر المُحرّرة على الاعتراف بأنّ إسرائيل لا تزال تحتلّ أراضي مصريّة؟ ليس بعد. ليس الآن. غداً حتماً. بعد حقبة طنطاوي، والطنطاويّة في الدين والعسكريّة لم تكن مباركة أو هي مباركيّة). ستفكّر إسرائيل في ما تقوم به من قتل وإرهاب بردّة الفعل المصريّة المُحتلّة، وخصوصاً أنّ الهوّة بين الرأي العام والحكومة ستتقلّص كلّما تطوّر النظام الديموقراطي في مصر. لن يستطيع نظام ديموقراطي في مصر أن يحتوي غضباً شعبيّاً ضد إسرائيل، ولن يحاول. على العكس، من مصلحة النظام الديموقراطي الجديد أن يشير إلى الغضب الشعبي كي يسوّغ للولايات المتحدة أسباب التغيير في السياسة الخارجيّة المصريّة، وحتى في الداخليّة. ستصعب عمليّة إعادة تفسير القرآن من أجل أن يخضع الدين الحنيف لقولبة تتوافق مع الصهيونيّة. والعبء الإسرائيلي العسكري سيزداد لأنّ نظام مبارك سمح لإسرائيل، وخصوصاً في حربيْ تمّوز وغزة، بأن ترتكب ما تريد من المجازر. أكثر من ذلك، كان نظام مبارك يرتّب البيت العربي الرسمي لحساب إسرائيل في أكثر من محطّة. وعلى الصعيد الإقليمي، صعد نجم حسني مبارك بالنيابة عن إميركا وعن إسرائيل. كان يُعطّل القمم العربيّة عندما تقتضي مصلحة إسرائيل ذلك، وكان يُسارع إلى عقد القمم عندما تقتضي مصلحة إسرائيل ذلك. تستطيع أن تكتشف فداحة الخسارة الأميركيّة ــ الإسرائيليّة في سقوط نظام حسني مبارك، وفي صعود الحركات الشعبيّة في كل العالم العربي، أو معظمه، عندما تقرأ أنّ أوباما اضطرّ إلى إجراء مكالمة هاتفيّة طوال 50 دقيقة مع محمود عبّاس لإقناعه بسحب مشروع القرار القاضي بإدانة المستوطنات الإسرائيليّة في مجلس الأمن. تعوّد أوباما، مثل سلفه، إصدار الأوامر السريعة إلى زمرة التسلّط الإسرائيلي في رام الله. لكن عباس خذل أوباما هذه المرّة. لم يلبّ الطلب. بات عباس يخاف شعبه، كما يخاف كل الطغاة العرب شعوبهم. سعود الفيصل ــ مُدبّر الفتنة الأوّل في لبنان ــ اكتشف هذا الأسبوع عدالة القضيّة الفلسطينيّة بعدما باعتها المملكة من زمان: جدّه عرض بيع فلسطين مقابل ملايين من الجنيهات الاسترلينيّة كما تذكر المراجع عن مستشاره فيلبي، وأبوه أراد أن يصلّي في القدس ــ لكن على طريقة أنور السادات، تحت حراسة الاحتلال الإسرائيلي. كان فيصل يُنسّق مع أنور السادات، وكان طرد الخبراء الروس من مصر عام 1972 جزءاً من اقتراب السادات نحو الحلف السعودي ــ الأميركي في المنطقة العربيّة. ثم جاء الملك فهد ووطّد دعائم الحلف مع السادات، وخصوصاً بعد زحف الأخير نحو الأرض المحتلّة. كل ذلك جرى بعيداً عن أنظارنا، عندما كان حكّام المملكة يتشدّقون بترّهات عن الجهاد والاجتهاد، فيما هم ينسّقون مع واشنطن لضرب كل حركات التحرّر واليسار في العالم.
تسنّى لمبارك أن يطبع مصر بصورته وأن يكسو ثقافة مصر بدوره الإقليمي. زرع فصل عرى العلاقة مع الشعب الفلسطيني وجعل من اتفاق السلام جزءاً لا يتجزأ من مسلمّات «الأمن المصري» ومن عناصر الثقافة السياسيّة في مصر. الرئيس الذي افتقر إلى قاعدة شعبيّة منذ اليوم الأوّل لولايته إلى حين طرده من الحكم ترك إرثاً هائلاً من الفساد والبيروقراطيّة ومن رأسماليّة «كامب ديفيد». ليس صدفة أنّ رجل الأعمال الذي بنى له قصراً في شرم الشيخ هو نفسه الذي تولّى بيع الغاز لإسرائيل. حسني مبارك ترك أفريقيا وتوجّه نحو الخليج: علم أنّ ثروته لن تتراكم بدون آل سعود وآل نهيان. خدمهم بثبات، وكان ذلك في مصلحة راعيه الأميركي. لم يطأ أرض إسرائيل لعلمه أنّه يستطيع أن ينحني من هناك، من مصر ــ عن بعد. رأى في ابنه ــ مثله مثل كل الطغاة العرب ــ مشروع طاغية واعد. كرّس كل أجهزة الدولة له، واستمع بصبر من أتباعه إلى شهادات عن نبوغه. لكن رحيل مبارك قد يكون أشد وطأة من تبوّئه منصب الرئاسة على عجل بعد اغتيال السادات.
يتعامل العالم العربي مع أحداث جسام. في مقدّمة الطبعة الأخيرة من كتابه «الحرب العربيّة الباردة» عام 1970، كتب مالكولم كير مُتأسِّفاً أنّ السياسة في العالم العربي لم تعد ممتعة (وقد رصد كتابه حقبة الخمسينيات والستينيات والصراع بين عبد الناصر وخصومه الكثر). السياسة في العالم العربي ستتغيّر. الخطاب العربي سيتغيّر أيضاً. لن تكون اجتماعات الجامعة العربيّة كما كانت أيّام عمرو موسى ــ الخادم المطيع لنظام حسني مبارك على مرّ عقود، وإن غاص في النسيان. كانت الشعوب العربيّة تخاف حكّامها. أما اليوم، فترتعد فرائص الطغاة العرب خوفاً من شعوبهم. كتب لي سوري في المهجر ساخراً: قد يأتي يوم قريب تكون فيه حكومات العراق وأفغانستان و«إسرائيل» الحكومات الوحيدة غير الديموقراطيّة في منطقتنا. ولبنان سيظلّ عصيّاً تحكمه الصراعات الطائفيّة والمذهبيّة التي نجح آل الحريري وآل سعود في زرعها بين السكّان. سبتحث أميركا عن استراتيجيّات جديدة، وستدفع، للمرّة الأولى منذ سنوات، ثمن تبنّيها الكامل لعدوان إسرائيل. لكن معركة تحرير مصر لم تنته. القوات المسلحة لا تزال بإمرة من كان يأتمر من مبارك، وهي زمرة خاضعة بالكامل لمشيئة اتفاق السلام المصري ــ الإسرائيلي. جهاز الدولة الأمني والعسكري هو الذي حكم مبارك من خلاله، وهو لا يزال على حاله. لم يتفتّت. والمشير طنطاوي (على وزن المشير عبد الحكيم عامر) طمأن وزير دفاع العدوّ إلى نيّاته الاستسلاميّة. ووزراء حزب مبارك ونوابه ومحافظوه لم يبرحوا مواقعهم. لكن فرصة التغيير كبيرة بغياب مبارك. فتح غيابه كوّة لبدء تغيير حقيقي وجذري في مصر، وفي العالم العربي.
تنعى لكم إسرائيل محمّد حسني مبارك وهي تسعى الى طمأنة نفسها من بعده. الحدث جلل وهول الفاجعة عقد ألسنة الصهاينة. كان مبارك فريداً في دوره، واتفاق السلام بين مصر وإسرائيل يبكي عليه كل يوم. نجح الشعب المصري في إذلال مبارك. أحياناً، قتل الطاغية غير فعّال في إذلاله. وأحياناً، القتل والإذلال يجتمعان كما حصل لنيكولاي تشاوشسكو. حسني مبارك شاهد كراهية الشعب المصري له مباشرة على الهواء. لن يكتب له أن ينشئ سلالة، كما أراد. جمال وعلاء مبارك سيتنافسان في الغربة على إلقاء اللوم. مات حسني مبارك في ساحة التحرير. لا حاجة إلى دفن مبارك. ذاك القابع في شرم الشيخ لا قدرة له على الحركة، أو على ارتكاب الصهيونيّة. وهذه هي معضلة إسرائيل.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)

التعليقات

الخطة "B"

لم يمنع أميركا والمجلس العسكري الحاكم الأن في مصر من ارتكاب مجزرة رهيبة دفاعا عن النظام (وهم ركن من أركانه) إلا لتأكدهم بأن الجيش بغالبية أفراده سيتمرد عليهم وينضم إلى الملايين التي نزلت مصممة على إزاحة كل من يعترض طريق حريتها,فانتقلو إلى الخطة البديلة ومن أول موجباتها خلع مبارك وتقديم عدد من رموز فساده ككبش فداء,وهم يعلمون أنهم خسرو كثيرا ولكن سيحاولون التقليل من خسائرهم والتكيف ثم التعايش مع الوضع الجديد بطريقة تمكنهم من الحفاظ على أمن إسرائيل وهنا بيت القصيد ! في الملف الداخلي ستشرف أميركا مباشرة على إجراء إصلاحات اقتصادية حقيقية لأنها لا تستطيع الوثوق بوكلائها المصريين الذين تعودو على الفساد ونهب المال العام,بهذه الطريقة فقط سيكون بإمكانها تهدئة الشارع المصري الغاضب لتمرير "ديمقراطيتها" المسالمة وقد بدأنا نسمع كلمات الثناء على التجربة التركية !,يعني إزدهار اقتصادي وحلف الناتو والعلاقات "الندية" مع إسرائيل !! الخطة شريرة جدا وهي بدأت منذ ما بعد جمعة الغضب,وليس غريبا أن المرشحين إلى الرئاسة (الجديين) حتى الأن والذين بدأ التسويق لهم في الإعلام المصري هم من رجال أميركا ! تقديم المساعدات وأغداق الثناء على الثورة المصرية من قبل الأميركيين,الزام إسرائيل نفسها بالخرس,أموال الخليج التي ما دخلت بلدا إلا أفسدته وخصوصا في مجال الإعلام والإنتخابات,تخويف الناس من الإخوان المسلمين,ضعف ردة الفعل من قبل الثورة على حكومة شفيق وبقاء مبارك في شرم الشيخ كلها ستكون عوامل سلبية ضد الثورة مستقبلا. لكن إذا كان هناك ما تعلمناه في السنوات الأخيرة في هذا المجال هو أن خطط أميركا ليست قدرا والرهان لن يكون بعد الله إلا على وعي الشعب المصري الذي "ما بيتكلش أونطة".

...اذكرو محاسن موتاكم , و ليس سيئاتهم !!!

’’ رفيق الحريري السيئ الذكر ’’ !!!!!!!!!!!!!! يعني ما فيك الا ما تجيب سيرتو للحريري حتى بمقالة عن مصر ....

طبعا يجب أن نبقى متذكرين

طبعا يجب أن نبقى متذكرين المخرب الاقتصادي الذي لعب أقذر الأدوار لخدمة المشروع الأمريكي

ايه شكور ربّك ما سمّانا مسخ

ايه شكور ربّك ما سمّانا مسخ الوطن هالجمعة.

عندما انهار نظام الشاه و احتل

عندما انهار نظام الشاه و احتل الثوار الايرانيون السفارة الامريكية في طهران استولو على الاف مؤلفة من الوثائق السرية للسفارة ( ويكيليكس تلك الايام ) ثم اعادو نشرها حرفيا و دون اي تحريف او تدخل في موسوعة كتب تمت ترجمتها للعربية , و يكتشف قارئ الكتاب و الوثائق اهوال و فضائح و ادوار ذلك النظام و علاقاته السرية ( هناك محاضر رسمية للقاءات العسكرية و الامنية مع الظباط الصهاينة منشورة بالحرف ) و مدى ارتباطه بالصهاينة و الامريكيين و المؤامرات التي كانو يحيكونها سوية و نظرة المسؤولين الامريكين للشاه و لحلفائهم من مشايخ الخليج و بقية الانظمة العربية . اذكر هذه القصة عله يقوم احد ما من الثوار العرب بالتوجه نحو المكان الصحيح لكشف خبايا انظمتهم و علاقاتها السرية و ادوارها المشبوهة .

أقوال مأثورة

قال لي أحدهم ذات يوم أن الهدف من حصار مبارك لغزة كان لجمعهم ومصالحتهم ولكنه لم يوضح إذا كان يريد جمعهم أحياء أم في مقابر جماعية

والله يا اسعد بو خليل دايما

والله يا اسعد بو خليل دايما بتكتب حلو وانا متلك ما عندي ثقة بحدا من الحكام واشباه الزعماء على امتداد العالم العربي بس يا اخي وين الحل؟ شو الحل؟ كيف الحل؟ اي رب ربك ما بيحللا

مقال رائع متل العادة ... و

مقال رائع متل العادة ... و رفيق الحريري أكتر من سيّء الذكر .. حاسس في ناس عم تتأثّر , شكرا عصراحتك أستاذ أسعد

وهل نسيتم السودان

والدور الاساسي لسيياسة مبارك،اذ ترك الخرطوم لغمة سائغة للامريكان والاسرائليين فضاع جنوب السودان رغم ان الجيش السوداني كان مملكا بزمام الامور حتى وقت الانحياز المصري في عهد مبارك للشرق اوسط الجديد الامريكي

احب أن أقرأ للسيد اسعد

احب أن أقرأ للسيد اسعد ابوخليل لكن ارى إندفاعه الغير علمي في مهاجمة البعض فالكاتب من المفروض ان يكتب بالكثير من المنطق والمعرفة كما يحتاج الى صفاء عقلي و نفسي وإلا فإن رصانة وقوة التحليل ستغرقها المشاعر كما تغرق الفئران السفينه . اريد ان اقول ماعلاقة أمية الشيخ زايد بموضوع المقال ؟ الشيخ زايد رحمة الله عليه مع اميته وبساطته أنشأ افضل من هذه الدول التي يحمل الكثير من أبناءها لقب المستشار والدكتوراه وقارن بين العراق ومصر ولبنان وسوريا وبين الامارات ولن نجد عذر توفر الموارد فغالبية الدول العربية اغني من الامارات . تجربة الامارات تجربة تستحق اإشادة والتقدير ومن الممكن الإستفاده منها وتجنب اخطاءها ويجب ان نكون عادلين ومنطقين في الحكم .

اضف تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
Comments are limited to a maximum of 250 words.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.