كي لا تضيع القدس

هكذا إذاً، تجرّأ الكاوبوي الأرعن أخيراً حيث تردد كل أسلافه منذ 1995. ذلك العام، أقرّ الكونغرس قانوناً بنقل سفارة الولايات المتحدة الأميركيّة من تل أبيب إلى القدس المحتلّة. لكنّ أيّاً من نزلاء البيت الأبيض لم يمتلك ـــ منذ ذلك التاريخ ـــ الجنون الكافي، وقلّة المسؤوليّة والوعي والادراك، والأميّة السياسيّة البلا قرار، والغطرسة الاستعماريّة المنقطعة النظير، ليصدّق على القانون ويضعه في حيّز التنفيذ.

العدد ٣٣٤٣

المشهد في الضفة آخذ في التصاعد، وقد يصل ذروته اليوم (أ ف ب)

وعد بلفور الجديد لم تظهر تبعاته السلبية كلها بعد، خاصة على صعيد ما ينتظر مدينة القدس المحتلة، وكذلك سكانها الفلسطينيين في بلدتها القديمة وأحيائها العربية وضواحيها، ولا ما قد يتبعه من قوانين إسرائيلية ينوي الكنيست أن يقرّها استناداً إلى المستجد الأخير، وستمس حياة هؤلاء وبجانبهم حياة أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في الأراضي المحتلة عام 1948. يرى هؤلاء أن تركهم وحيدين هذه المرة ليس ككل مرة، فما يُحاك قد يخرجهم من دائرة المواجهة، ويحوّل حياتهم إلى جحيم خالص، أو ربما يجدون أنفسهم قانونياً مواطنين إسرائيليين، أو على عاتق سلطة فلسطينية ضعيفة لا تسمن ولا تغني من جوع، أو حتى «بلا قيد»

وفي الوقت الذي تبقى فيه العين مفتوحة لترصد هذه التحولات، في حال مرّ القرار الأميركي بإعلان القدس «عاصمة لإسرائيل» وتبعتها في ذلك دول أخرى لتستفيد إسرائيل من هذا التحوّل في تطبيق ما تريده، فإن العين الأخرى مفتوحة على الظروف الميدانية؛ كل المؤشرات على الأرض توحي بأن انتفاضة جديدة تلوح في سماء فلسطين، وإن لم تكن بوادرها مقبلة، فإن الإعداد لها يجري على قدم وساق.

العدد ٣٣٤٣

نصرالله: العدوان الأميركي السافر على القدس يُرتب على الجميع مسؤوليات (هيثم الموسوي)

«الخطوة المجنونة» لدونالد ترامب بإعلان القدس عاصمة للكيان الاسرائيلي، شكّلت عنوان كلمة السيد حسن نصرالله أمس، الذي دعا إلى توحيد عمل المقاومة وتقديم كامل الدعم للشعب الفلسطيني إذا ما قرّر إعلان الانتفاضة. والبداية في لبنان، ستكون عبر تنظيم حزب الله تظاهرة شعبية يوم الاثنين في الضاحية الجنوبية. القُدس والقضية المركزية «في خطرٍ شديد»، قال نصرالله موجهاً رسالة إلى العرب بوضع الخلافات الداخلية جانباً

«فلسطين الحبيبة ستتحرّر». الشعار، مع صورة لمسجد الصخرة، رُفعا خلف الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله وهو يُلقي كلمته بعد اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني. ولأنّ «القدس ليست نقطة للنأي بالنفس»، ولأنّه بعد مئة سنة من وعد بلفور «نشعر أنّنا أمام وعد بلفور جديد»، قدّم نصرالله رؤيته مُقسمة إلى ثلاثة أبواب.

العدد ٣٣٤٣

قرار خطير وفرصة تاريخية. هذا هو التوصيف الأنسب لخطوة دونالد ترامب الأخيرة بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني وتوقيعه أمر نقل سفارة الولايات المتحدة إليها. هال هذا القرار العالم بأسره، بدءاً بحلفاء واشنطن في أوروبا والمنطقة العربية. والقرار بلا ريب شديد الخطورة.

العدد ٣٣٤٣

دعا الصدر إلى إغلاق السفارات الأميركية والإسرائيلية (أ ف ب)

نجح دونالد ترامب في توحيد العراقيين. استنكارٌ وتنديد، فذهابٌ إلى «مواجهة إسرائيل». موقف واشنطن بالاعتراف بـ«القدس عاصمةً لإسرائيل» أعاد «قبلة المسلمين الأولى» إلى ذاكرة العراقيين المثقلة بالحرب والدم، بعد غيابٍ «قسري» طال 14 عاماً

مع اقتراب موعد إعلان «الانتصار العظيم» على «داعش»، يدخل العراق ــ تدريجياً ــ في مرحلة «نسيان» حقبةٍ دامت سنواتٍ ثلاث، من حربٍ ودم. يُقال إن «الذاكرة الجمعية للعراقيين قصيرة نسبياً». عبارةٌ تُضرب كـ«مثل شعبي» في الأروقة السياسية والصالونات الثقافية، وحتى في الأحاديث الشعبوية، كإجماعٍ على أن العراقيين «أصحابُ عزيمةٍ على المضي إلى الإمام، من دون النظر إلى الخلف».

العدد ٣٣٤٣

لم تفاجئ التصريحات والمواقف الرسمية العربية تل أبيب. ردّ فعل العواصم العربية على قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل جاء تماماً كما توقعته: موزون و«على قدر المسؤولية»، ولا يتوقع منه أن «يكسر الأواني».

العدد ٣٣٤٣

■ شراكة السعودية مع إسرائيل استراتيجية
■ دولة فلسطينية في غزة وسيناء فكرة إسرائيلية تبنّاها ابن سلمان
■ لا حرب مع سوريا وحزب الله، بل «عمليات ما دون الحرب»

الحوار مع جيفري أرونسون مثمر لأن الرئيس السابق لـ«مؤسسة السلام في الشرق الأوسط» يطلّ من خلال مسيرة بحثية لم تنقطع طوال أربعين عاماً على الكثير من الملفات الأساسية في الصراع العربي ــ الإسرائيلي، وقف خلالها على العديد من المعلومات والمعطيات والتحولات، وسجّل بعضها في كتابه عن «علاقات أميركا مع مصر وإسرائيل».

العدد ٣٣٤٣

من تظاهرة في مدينة صيدا أمس (أ ف ب)

تفاعلت القوى السياسية اللبنانية أمس، مع الإعلان الخطير للرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، بمواقف عالية اللهجة على كافة المستويات، وبشبه إجماع لبناني على إدانة الموقف الأميركي واعتباره احتلالاً جديداً لمدينة القدس وللمقدسات الإسلامية والمسيحية.

العدد ٣٣٤٣

متظاهرون في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية أمس (أ ف ب)

جولة ثانية من ردود الفعل على القرار الأميركي بشأن القدس بدأت أمس في معظم الدول العربية، على المستويين الشعبي والرسمي، ورفعت من سقف بيانات اليوم الأول، في محاولة لمجاراة التحرك الشعبي الذي يبدو أنه يتصاعد في بعض المدن العربية. التصعيد الشعبي حضر في الأردن، حيث نظم أردنيون وقفة احتجاجية قرب السفارة الأميركية في العاصمة عمّان، تخللتها اشتباكات بالأيدي بين متظاهرين ورجال أمن، من دون وقوع إصابات.

العدد ٣٣٤٣

انطلاقاً من الوعد «المُسرّب» لولي العهد محمد بن سلمان لصهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جاريد كوشنر، بأنّ السعودية ستغطي قرار ترامب إعلان القدس عاصمة لـ«إسرائيل»، بدأ إعلاميّو «البلاط»، أمس، نشر تغريدات متزامنة ومتجانسة في موقع «تويتر»، ركّزت في مجملها على نقطتين: أولاً، أن إيران هي العدو الأول لا «إسرائيل»، وثانياً، التأكيد على أن الرياض لن تضحّي بمصالحها مع الولايات المتحدة لأجل القضية الفلسطينية.

العدد ٣٣٤٣

بدا من الواضح أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان مرتاحاً جداً على وضعه عند إعلانه القدس عاصمة لإسرائيل. وعلى الرغم من أن وزارة خارجية بلاده طلبت الجاهزية التامة في سفاراتها تلقّفاً لأي حادث معارض على هذا الإعلان، إلا أن ترامب بنفسه كان متأكداً من أنه حاز موافقة ضمنية، على المستوى الرسمي، من غالبية الدول العربية، رغم مطالبة بعضها بالتروّي الأميركي.

العدد ٣٣٤٣

الشعر العربي يحجّ إلى زهرة المدائن

يقول عنها ياقوت الحموي في معجم البلدان: «وأما طيب هوائها فإنه لا سمّ لبردها ولا أذى لحرها، وأما الحُسن فلا يرى أحسن من بنيانها ولا أنظف منها ولا أنزه من مسجدها، وأما كثرة الخيرات، فقد جمع الله فيها فواكه الأكوار والسهل والجبل والأشياء المتضادة كالأترج واللوز والرطب والتين والموز، وأما الفضل فمنها النشر واليها الحشر وهي أصغر من مكة وأكبر من المدينة عليها حصن بعضه على جبل وبقيته على خندق ولها ثمانية أبواب حديد، باب صهيون وباب النية وباب البلاط وباب جب ارميا وباب سلوان وباب اريحا وباب العمود وباب محراب داوود، والماء فيها واسع وقيل ليس ببيت المقدس أكثر من الماء» (معجم البلدان ــ ص ١٦٧٣)، فسلام عليها في أمسها ويومها وغدها، زهرة المدائن وبهية المساكن.

العدد ٣٣٤٣

بعد أكثر من ست سنوات من التغييب، وتحديداً منذ بدء الأزمة السورية، وقبلها الحراكات الشعبية في مصر وتونس، وليبيا، عادت القضية الفلسطينية اليوم من الباب الأوسع عربياً وإعلامياً. بعد تغييب مقصود لبوصلة القضايا، والتغطيات الظرفية لأحداثها، ولانتفاضاتها الشعبية المتكررة في وجه المحتلّ الصهيوني، أتى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أول من أمس، باعترافه بالقدس «عاصمة لإسرائيل»، وبنية نقل السفارة الأميركية إليها، ليستنهض القوى النائمة.

العدد ٣٣٤٣

القدس المحتلة | ربما بسبب الذكر والتهديد المفرط بنقل السفارة الأميركية إلى القدس منذ دعاية ترامب الانتخابية وما تبعها، لم نعر ــ وربما المحيط المقدسي العام أيضاً ـــ قدراً من الأهمية لما يمكن أن يحمله ذلك الخطاب الذي لم يقل شؤماً عن غيره من الخطابات المماثلة.

العدد ٣٣٤٣
لَقِّم المحتوى