العدد ٧١٧ الجمعة ٩ كانون الثاني ٢٠٠٩

تقبّل لبناني لطريقة التعامل الفرنسيّة الجديدة

أنطوان سعد
تبدي أوساط واكبت زيارة رئيس الحكومة الفرنسية فرنسوا فيّون إلى لبنان، في نهاية الأسبوع الماضي، ارتياحها للنتائج التي حققتها، وخصوصاً، لقواعد التعاطي التي أرستها في علاقاتها مع الدولة اللبنانية وأركانها. فقد نجحت الدبلوماسية الفرنسية في وضع حد لطريقة التعاطي مع الملف اللبناني التي سادت في السنوات الثلاث السابقة لانتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، بنتيجة الأزمة الخطيرة والاغتيالات والضياع الذي كان يضع مصير البلاد على المحك.
ففي اقتناع الدبلوماسية الفرنسية أن الخطوة الأساسية في مشروع بناء الدولة القوية والسيدة والمستقلة، هي في التعامل مع لبنان على هذا الأساس. وما كانت تتغاضى عنه بسبب الظروف الاستثنانية المشار إليها، لم يعد من الجائز الاستمرار به، من هنا إصرار رئيس الوزراء الفرنسي على حصر اجتماعاته الرسمية برئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب، نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، رغم أن العديد من القوى السياسية كانوا يأملون أن يحظوا باجتماع معه.
إضافة إلى الحرص على الشكل، أبدى فيّون ميلاً واضحاً لدفع العلاقات اللبنانية ـــ الفرنسية باتجاه العمق وتوسيع مضمونها، بحيث يشمل قضايا اقتصادية وميادين تعاون تتجاوز الإطار السياسي الذي كانت قائمة عليه في المرحلة السابقة. فالمسؤولون اللبنانيون يميلون، كما الرأي العام اللبناني على وجه الإجمال، أكثر للقضايا السياسية والعناوين الكبرى أكثر مما يهتمون بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بحياة المواطنين. وقد لاحظ رئيس الوزراء الفرنسي ذلك بنوع خاص أثناء اجتماعه بالرئيس فؤاد السنيورة الذي حرص على أن يكون الحيّز الأكبر من اللقاء للمسائل السياسية، رغم الطابع الاقتصادي للزيارة وحضور وفد كبير من رجال الأعمال الفرنسيين.
غير أن التشديد على الناحية الاقتصادية لا يعني أبداً وجود نية فرنسية لتجاوز القضايا السياسية، ولا سيما تلك المتعلقة بملف العلاقات اللبنانية ـــ السورية، وبهواجس بعض قيادات الأكثرية الناتجة من الحوار بين باريس ودمشق، والإشارات الإيجابية التي تبديها الأولى إزاء الثانية. وقد كان رئيس الوزراء الفرنسي شديد الوضوح في هذا المجال، إذ إنه قال صراحة لنظيره اللبناني الذي يحترم أداءه إن «سياسة الانفتاح حيال سوريا لا تعني أبداً أننا بسطاء أو أننا أعطينا شيكاً أبيض لدمشق، ولكننا نسير في هذا الحوار، وكلما أبدت دمشق تجاوباً سنرد التحية بالمثل». وفي اقتناع القيادة الفرنسية أن العلاقة المفتوحة مع سوريا لا بد من أن تنعكس إيجاباً لمصلحة لبنان الذي لا يمكنه أن يستمر في حال عدم التفاهم معها. وهي تجد نفسها، في هذا الإطار، أقرب إلى رئيس الجمهورية الذي تمدح مواقفه وأداءه وقدرته على إعادة لبنان إلى موقعه في الأسرة الدولية، وعلى تجنّب الوقوع في الفخاخ الموجودة بكثرة في مفاصل الحياة السياسية اللبنانية المتشعبة والمعقدة. ذلك أن التباين مع قوى الرابع عشر من آذار في تقويم خطوة الانفتاح على سوريا، وتوقيتها، وسرعتها، لا يزال قائماً، رغم شعور باريس بوجود اقتناع راسخ لدى قوى الأكثرية بوجوب قيام علاقة ودية مع دمشق، لكن بعد الحصول على بعض الضمانات.
وقد حرص رئيس الوزراء الفرنسي، في الوقت نفسه، على تخصيص البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير باتصال هاتفي يجدد فيه دعوة الرئيس نيكولا ساركوزي له لزيارة فرنسا حيث سيشعر الجميع بالتقدير الكبير الذي تكنّه الإدارة الفرنسية له ولدوره الجامع «كضمير لبنان الحريص على وحدته». وتتوقع مصادر مطلعة أن تتم زيارة البطريرك الماروني إلى العاصمة الفرنسية في موعد غير بعيد نسبياً، قد يكون قبل زيارة الرئيس سليمان إليها المتوقعة في شباط المقبل، أو بعدها بقليل.
كذلك، تؤكد هذه المصادر أن أبواب الإدارة الفرنسية مفتوحة لجميع القيادات اللبنانية الراغبة في التوصل معها، وأن تمنيها الوحيد هو أن يحملوا معهم همّ لبنان عموماً، وليس فقط همومهم الشخصية والفئوية التي كثيراً ما تتحكم بسلوكهم وخياراتهم رغم العناوين الكبرى التي يرفعونها.


عدد الاربعاء ٢٦ تشرين ثاني ٢٠٠٨