أنطوان سعد
ما يُجمع عليه المراقبون في مسألة زيارة رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون ثلاثة أمور: الأول أن توقيتها غير مناسب، والثاني أنها مجازفة قوية قد تكون لها عواقب على مستوى الانتخابات المرتقبة بعد نحو سبعة أشهر، والثالث أن العماد عون ينتظر منها شيئاً كبيراً لم تتضح بعد ماهيته.
فعلى مستوى التوقيت، بات جلياً، وباعتراف الجنرال نفسه، أن لا مكاسب يمكن أن يحققها في الملف الأهم بالنسبة إليه، وهو ملف المفقودين في سوريا، ولا سيما أولئك الذين اختفوا في الثالث عشر من تشرين الأول 1990، عندما رفض أن يمنح العالم توقيعه على اتفاق الطائف. أما المكاسب التي يمكن التفكير بأنه قد يجنيها من الزيارة والتي تندرج، بحسب العارفين، تحت عنوان الملفات السيادية، فهي بدورها خاضعة لعاملين: الأول هو أن لا مصلحة لدمشق في أن تعطيها فيما لا يزال تحالف الأكثرية النيابية مسيطراً على الحكومة، والرئيس فؤاد السنيورة الذي لا ترتاح القيادة السورية إلى خياراته رئيساً لمجلس الوزراء. والعامل الثاني هو أن لا قدرة للعماد عون على وضع هذه المكتسبات المفترضة «في البراد»، إن حصل عليها، وتجميدها إلى ما بعد الانتخابات التي يتوقع أن يفوز مع حلفائه بغالبية مقاعدها. ويعتقد بعض حلفاء الجنرال أنه كان من الأفضل تأجيل زيارته إلى الصيف المقبل، والذهاب إليها «مظفّراً»، لأنه سوف يحظى بما يمكن أن يحصل عليه الآن، ولكن من غير القيام بأية مجازفة، ومع تمتّعه بقدرة معنوية وتشريعية تخوّله الكلام باسم الحكومة اللبنانية.
بيد أن العماد عون المدرك، من دون أدنى شك، لكل هذه الاعتبارات، قرر أن يقوم بهذه المغامرة في هذا التوقيت بالذات. وبحسب حلفائه، إضافة إلى بعض المراقبين، فإن الدافع إليها هو الآتي:
ـــــ سقوط حلم رئاسة الجمهورية من مخيّلته، على الأقل في الظرف الراهن، ورغبته في الاستعاضة عنه بحلم التحول إلى شخصية تاريخية تحقق للبنان ما يصبو إليه منذ سنة 1920، على مستوى العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، فيذكره التاريخ على غرار الرئيس الفرنسي الكبير الراحل شارل ديغول الذي خطا خطوة باتجاه ألمانيا العدو التاريخي لبلاده، ليضع يده بيد المستشار الألماني كونراد إديناور.
ـــــ محاولة التوصل إلى تسوية تاريخية مع القيادة السورية العلوية التي قاتلت المسيحيين بشراسة طوال ثلاثين عاماً، وكادت تقضي، لولا تحولات السياسة الدولية والعربية، على دورهم السياسي، فيما «تعلْمَن» العالم الغربي الذي كان مسيحياً، وأصبح غير مبال، على وجه العموم، بما يحلّ بمسيحيي لبنان والشرق، وفي وقت يتمتع فيه طرفا النزاع في لبنان بدعم سياسي ومالي من إيران والسعودية.
ـــــ حضور ما يشبه حفل تنصيبه زعيماً مسيحياً عربياً، وفي الوقت نفسه زعيماً على المسيحيين العرب، وخصوصاً من خلال ما يحكى عن الحشد الشعبي، وبخاصة المسيحي، من سوريا، وربما من العراق ولبنان، والذي تعدّه السلطات السورية لاستقباله، والذي يمثّل، بحسب العارفين، خروجاً واضحاً عن التقاليد العلمانية التي تتمسك بها هذه السلطات منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي.
ـــــ «فقء الدمّلة»، قبل سبعة أشهر من موعد الانتخابات، لكي تنزف وتستهلك، ومن ثم التصدي لمعالجة ذيولها لدى الرأي العام المسيحي غير المتحمّس للزيارة.
ـــــ تثبيت تحالفاته المحلية وإقناع حلفائه بإسناد المقاعد النيابية المسيحية الواقعة ضمن الدوائر الانتخابية التي يتمتعون فيها بثقل انتخابي إليه، لكي يحصد منفرداً ما حصده الرئيس كميل شمعون ورئيس حزب الكتائب بيار الجميّل والعميد ريمون إده مجتمعين، وتأليف أكبر كتلة نيابية مارونية ومسيحية ووطنية في تاريخ لبنان.
ـــــ ميل الجنرال إلى التحديات الكبيرة والافتخار بأنه ذهب إلى سوريا في أصعب ظرف، وأسّس لعلاقات نديّة مع سوريا، وصحّح اتفاق الطائف على مستوى الممارسة إن لم يكن على مستوى النصوص.
أحلام العماد عون كبيرة. وبحسب أحد من سيرافقونه إلى سوريا، فإن تحقيقها مرتبط بعملية إدارة ملف الزيارة بأبعاده السياسية والإعلامية والوطنية، ولكن خصوصاً بمدى تجاوب دمشق مع طموحات الجنرال.
شرب عدة كؤوس من اليانسون مفيد جداً قبل كتابة أي مقالة
""تسوية تاريخية مع القيادة السورية العلوية التي قاتلت المسيحيين بشراسة طوال ثلاثين عاماً، وكادت تقضي، لولا تحولات السياسة الدولية والعربية، على دورهم السياسي"" هكذا (المسيحيون بالمطلق!!! من هيلاريون كابوتشي إلى سليمان فرنجية مروراً بميشيل سماحة وحتى الأب الياس زحلاوي) كمسيحي سوري لم أشعر بهذه الشراسة العلوية تجاهي...