العدد ٧١٧ الجمعة ٩ كانون الثاني ٢٠٠٩

زيارة عون لدمشق تُدخل سوريا في حمّى الحملات الانتخابيّة المبكّرة

نقولا ناصيف
فتحت الزيارة المرتقبة للرئيس ميشال عون لدمشق باباً إضافياً للسجال في ملفين يكادان، أسبوعاً بعد آخر، يتطابق تأثير أحدهما على الآخر: العلاقة مع سوريا وانتخابات الربيع المقبل. في النطاق نفسه وُضع الإعلان عن بدء المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري أعمالها مطلع آذار المقبل، وستكون بدورها تربة خصبة لتجاذب الخلاف بين الموالاة والمعارضة على انتخابات 2009، بين مَن يهوّل بها ومَن يقلّل من شأنها. كذلك الحوارات الساخنة الأخيرة في مجلسي النواب والوزراء. إلا أن لزيارة عون لدمشق بعداً آخر يمثّله موقعه في النزاع مع خصومه السياسيين وأخصّهم المسيحيين، ويمثّله أيضاً فتح صفحة جديدة في علاقاته بسوريا، وكانت قد اتسمت لسنوات طويلة، وخصوصاً بين أعوام 1988 و2005، بعداء لم يضاهه إلا عداء الرئيسين كميل شمعون وبشير الجميل لها، مع أن الأول هادنها أشهراً قليلة قبل أن يستعيد الخلاف معها.
ويكتسب إدخال الموقف من سوريا في الحملات الانتخابية المبكّرة تأثيره من عوامل، بينها:
1 ـ تعزيز التطبيع الجدّي للعلاقات اللبنانية ـ السورية بالتزامن مع الجهود التي يبذلها رئيس الجمهورية ميشال سليمان توصّلاً إلى هذا الهدف. وبينما يحاذر زعماء مسيحيون آخرون في الموالاة كالرئيس أمين الجميل ورئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع والوزراء والنواب المنضوين في تحالف 14 آذار، الدخول على خط هذه الجهود، وفي أبسط الأحوال هضمها، مكتفين بتأييد مساعي الرئيس وهم يسوّرونها بقدر كبير من الظنون والشكوك، يفتح عون باباً عريضاً على مرحلة جديدة من العلاقة مع دمشق تطوي الماضي بلا تحفظ. وخلافاً لزعماء موارنة حلفاء لسوريا كالوزير السابق سليمان فرنجيه ووزراء ونواب حاليين وسابقين على صلة مباشرة ومستمرة بها، فإن حواراً مباشراً بين عون والرئيس بشار الأسد يخفف وطأة الضغوط المناوئة له من المسيحيين الموالين في الدوائر المسيحية، وخصوصاً تلك التي شكلت باستمرار نقاط ضعف للنفوذ السوري في لبنان كالمتن وكسروان وجبيل، ولم تستطع رغم وجود الجيش السوري فيها في أوقات متفاوتة اجتذاب الرأي العام المسيحي، والماروني خصوصاً، إلى تقبّل علاقة ودّية مع دمشق وجيشها. لم تكن زغرتا وبشري والكورة والبترون في حال مشابهة عندما كانت «محتلة»، ولا كذلك زحلة وجزين الواقعتان إما بين فكي الجيش السوري أو فكوك حلفائه. إلا أن زيارة دمشق ستفضي إلى الانتقال بالخلاف مع سوريا من القطيعة والعداء السياسي والشعبي إلى مناقشة جدوى العلاقة معها وربما الحاجة إليها لضمان الاستقرار الداخلي. وسيكون على عون أيضاً، غداة عودته، التوسّع في إبراز مبرّراتها على غرار تلك التي حملته على توقيع وثيقة التفاهم مع حزب الله في 6 شباط 2006، والتحوّل مدافعاً قوياً عن احتفاظ الحزب بسلاحه وتغيير وجهة الحوار من المطالبة بانتزاعه إلى تثبيت بقائه وتشريعه عبر تحديد وظيفته ودوره. أدى ذلك كله، تباعاً، إلى قلب التوازن في السلطة والشارع، بين المسيحيين كما في العلاقة الشيعية ـ السنّية، رأساً على عقب، وخرج به عون، متسلحاً بتحالفاته وخياراته، على أبواب انتخابات 2009 أقوى ممّا كان عليه على أبواب انتخابات 2005.
2 ـ من شأن زيارة دمشق أن تضيف إلى المواجهة الانتخابية بين عون ومسيحيي 14 آذار شعاراً آخر للتصعيد والتشنّج، بعد شعار سلاح حزب الله وانضواء العماد في تحالف 8 آذار والمحور الإقليمي الذي يمثّله. وسواء عاد من العاصمة السورية بمكاسب سياسية وإنسانية مهمة أو لا، ستترك الزيارة آثاراً إضافية على طبيعة الصراع على السلطة في دوائر جبل لبنان الشمالي. ومع أن أفرقاء في الموالاة يجدون أكثر من سبب لتبرير زيارة سليمان لدمشق ويوصدون الأبواب دون مبرّرات مماثلة لزيارة عون، ستؤول هذه في نهاية الأمر، غداة حصولها وإلى ما بعد انتخابات 2009، إلى إرساء توازن قوى جديد داخل مجلس الوزراء في كل شأن يقارب مسألة العلاقات مع سوريا، وفي الشارع عندما يجد عون نفسه في حاجة إلى دعم حلفائه وهو يخوض انتخابات زحلة وبعبدا وجزين والبترون. عند هذا الحدّ يصبح أقرب إلى رئيس الجمهورية من قوى 14 آذار.
3 ـ أن مجرد تحديد موعد زيارة دمشق ووضع برنامج لها على نحو ما تناقله الإعلام السوري يرجّحان نجاحها، على غرار نجاح قمة دمشق بين الرئيسين اللبناني والسوري في آب الماضي، لسببين: أولهما حاجة دمشق إلى الانفتاح على فريق مسيحي تعرف أنه متطلّب ومتقلّب وغير مألوف في تحالفاتها التقليدية مع المراجع المسيحية، وثانيهما تحبيذها اختيار المحاورين المناسبين الذين يتوصّلون وإياها إلى التعاون الذي تريده. لم تتحالف سوريا باستمرار مع الرئيس اللبناني، أي رئيس لبناني، بسبب الموقع الذي يشغله فحسب، بل أحاطت نفسها بحلفاء مسيحيين مضاهين له في أدوارهم يتحوّلون بدائل فورية وقوية متى وقع الخلاف مع الرئيس. كانت تلك حالها مع الرئيس سليمان فرنجيه عندما اختلفت مع الرئيسين الياس سركيس وأمين الجميل. ولم تكتفِ بالتحالف مع الرئيس الياس الهراوي عندما استقبلت باكراً ومراراً قائد الجيش العماد إميل لحود، وكانت تعوّل في الوقت نفسه ـ كما إبّان ولاية الجميل والشغور الرئاسي بين عامي 1988 و1990 ـ على النائب الراحل الياس حبيقة، بوابتها المارونية إلى جبل لبنان الشمالي من غير أن تقلل مع ذلك من أهمية تحالفها وشخصيّات غير مارونية في الدوائر الثلاث.


عدد السبت ٢٩ تشرين ثاني ٢٠٠٨