العدد ٧١٧ الجمعة ٩ كانون الثاني ٢٠٠٩

بين الرواتب والخلوي، قصّة انهيار حريري كامل

جان عزيز
ليس تفصيلاً أن يصاب فريق قريطم ـــــ السرايا، بنكستين متتاليتين في خلال يومين، في مجالين أساسيين، لا بل حيويين له، وفي مكانين محوريين ومعبّرين جداً، بالنسبة إلى حركة النظام، وموازين القوى فيه.
النكسة الأولى، كانت في مجال السياسة العامة المالية للدولة، عبر قضية الأجور والرواتب وفروقات السلسلة المجمّدة منذ عام 1996. أما مكانها، فكان مجلس النواب. والنكسة الثانية جاءت في مجال قطاع الهاتف الخلوي، وسجّلت في مجلس الوزراء.
دلالات النكستين ومجالاهما ومكاناهما، كبيرة جداً، كما يشرح المراقبون والمعنيون. ففي الأولى، هناك أكثر من إشارة سلبية. أولاها تظهير نوع من الإدانة لسياسة قريطم المالية منذ عقد ونصف عقد. وثانيتها الإدانة الشخصية لسيّد السرايا، المسؤول المباشر عن إقرار سلسلة الرتب والرواتب، ومن ثم تجميد مفاعيلها، منذ 12 عاماً.
وثالثة الإشارات السلبية المذكورة، هي ترجيح كفّة القطاع العام والإقرار بحقوقه. وهذا الأمر يمثّل في حد ذاته صفعة كبيرة للفلسفة الحريرية ـــــ السنيورية تجاه الدولة ومفهومها. ذلك أن هذه الفلسفة كانت منذ البدء تسعى إلى تهميش القطاع العام، لحساب القطاع الخاص الأكثر طواعية. وخصوصاً لحساب إدارة رديفة تعزّز فرص هذا الفريق، وتضعف فرص خصومه. إذ مَن سواه قادر على الإتيان بجيش خاص من المستشارين والموظفين والخبراء، للقيام بما تكون الإدارة العامة قد مُنعت من إنجازه، أو أُفرغت من الطاقات اللازمة للقيام به.
وهذه الفلسفة معروفة منذ مطلع التسعينات، و«دولة السادات تاور» في شارع الحمرا، وظاهرة الرواتب المزدوجة ونغمات الخصخصة وتركيبات الشركات «الناظمة».
وفي هذا السياق، ثمّة إشارة إلى صفعة أخرى، ذات مغزى خاص، في سياق الصراع نفسه. إذ إن إقرار الفروقات المذكورة يعدّ، من ضمن إعادة الاعتبار إلى القطاع العام، إعادة اعتبار إلى أفراد المؤسسة العسكرية تحديداً وخصوصاً. وهو ما كانت الحريرية السياسية تتوجّس منه دوماً. منذ مقولات الصراع بين مشروعي «الدولة المدنية» و«الدولة العسكرية»، إلى محاولات إنشاء «الجيش الرديف»، عبر قوى الأمن الداخلي حيناً، أو عبر شركات الأمن الخاصة أحياناً...
هذه «المصالح» الحريرية، كلها سقطت قبل أيام في مجلس النواب، فاضطر فريق قريطم إلى تهريب النصاب. لكن خطوته التنصّلية هذه، أشّرت إلى نكسة جديدة أكبر، مفادها الانسحاب من مكان يفترض بهذا الفريق أنه يملك الأكثرية فيه. وهو ما يشي باعتراف الحريريين بأن أكثريتهم دفترية، لا فعلية، وورقية لا واقعية، فتعوزها الشرعية الشعبية اللازمة للصمود والمواجهة، فكان الهروب هو الحل.
النكسة الثانية لم تتأخّر، أول من أمس، في مجال الخلوي، وفي مجلس الوزراء بالذات. سياق النكسة مماثل للأولى في أدّق التفاصيل. فالقطاع المذكور، هو «الدجاجة الذهبية» للحريرية المالية وشركائها وأنسبائها منذ 14 عاماً. وتاريخية القطاع مرتبطة عضوياً بكل المواجهات السياسية الكبرى لهذه التركيبة، كما بكل تنفيعاتها من تمويل وتوظيف، وصولاً حتى إلى إفراز طبقة سياسية خلوية الرحم والمنشأ. ليس أدلّ على هذا الواقع، من الحملة الشرسة التي شنّها الحريريون على جبران باسيل قبل أسبوعين، ليفاجأوا هم أنفسهم لاحقاً بعجزهم عن الاستمرار في المعركة. فخسروا الجولة الثانية، بعد محاولات مستميتة لتحقيق «التعادل»، استمرت حتى الدقائق الأخيرة التي سبقت جلسة الخميس. وإذا كانت أرض الخسارة في النكسة الثانية، مجلس الوزراء، حيث ظهرت الأكثرية الحريرية مفكّكة أيضاً، فإن أقسى ما فيها أنها كانت على يد «عونية» مباشرة، في ذروة حرب الحريرية على عون، وعشية استحقاقات كبيرة مؤثّرة في نتائج هذه الحرب.
ما هي الأسباب العميقة للنكستين؟ بكل بساطة، ثمّة مشروع كبير قد انهار. أما ظواهره، فستتجلّى تدريجياً، في كل يوم آتٍ.


عدد السبت ٢٩ تشرين ثاني ٢٠٠٨
أرسله زائر (لم يتم التحقق) يوم أحد, 2008-11-30 09:27.

ما هي الأسباب العميقة للنكستين؟ بكل بساطة، ثمّة مشروع كبير قد انهار. أما ظواهره، فستتجلّى تدريجياً، في كل يوم آتٍ.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ __ _ _ _ _ _ __ _
"السنة امة"..... يا جان عزيز .... لا تنسى هذا .....

أرسله ابو هادي (لم يتم التحقق) يوم أحد, 2008-11-30 03:49.

كل اتباع الفريق الحريري يلقبونه بمعمر لبنان!,المشكلة ان كلمة "عمر لبنان" كبيرة جدا اذا اردنا مطابقتها على الواقع الفعلي على الارض, فالاعمار اذا كان مقصود به الحجر فقط وليس الاقتصادي او الاجتماعي , كان محددا فقط ببيروت واكثر من نصف ما تعمر تم استملاكه من قبل الحريري الاب, والاعمار الذي لحق ببقية المناطق كان محاذي لاملاك للسيد الحريري, ولكن المشكلة اننا نشاهد كل يوم بؤس العائلات والاطفال اللذين يموتون بسبب ان عائلاتهم ليس لها القدرة على شراء الدواء, بالاضافة ان المواطن لا يستحوذ على اي من خدمات الدولة, الا اذا كان نائب او وزير, وانا اتحدى اي حريري الهوى ان يثبت ان السيد الحريري كرئيس حكومة سابق قد فعلا شيئا ينفع ولمصلحة المواطن فقط, بالطبع ليس هناك شيئ يذكر, لان رجال الاعمال يبقون رجال اعمال مهما تنقلت مناصبهم ,الاولوية لهم هي جني المال ,وليس لاي شيئ اخر اي حيز يذكر من وقتهم العام, ومثال على ذلك حكومة مصر فهل المواطن هناك يستفيد من دولته بشيئ منذ ما يزيد على 28 عاما؟؟