إبراهيم الأمين
كشفت مصادر فلسطينية واسعة الاطلاع، أن أبرز الأسباب التي دفعت القيادة الفلسطينية إلى التعجيل في إنجاز مصالحة، ولو مؤقتة داخل قيادة حركة «فتح» في لبنان، تعود إلى وجود معلومات لدى الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومعاونيه عن نشاط غير عادي لمسؤول الأمن السابق في قطاع غزة محمد الدحلان في مخيّمات لبنان، وأنه شكل فريقاً يضم قياديين في الحركة في لبنان، وأنه يسعى إلى نفوذ قوي داخل الحركة قبل موعد مؤتمرها العام، وأن الأخير يتعاون في هذا الأمر مع جهات عربية ولبنانية ويعمل بقوة مع تيارات داخل فريق 14 آذار.
وحسب هذه المصادر، فإن عباس يخشى أن يستفيد الدحلان من الخلافات القائمة للدخول طرفاً، وخصوصاً أنه يملك الأموال الكافية لتشغيل عدد كبير من المجموعات، وقد وجد عباس في بعض القيادات الفلسطينية حلفاء له في هذه المعركة. وهو لذلك أخذ بنصائح مساعدين بأن على عباس زكي العمل على مواجهة الدحلان وليس مواجهة القيادات الميدانية.
ونقلت المصادر عن مسؤول أمني يُعرَّف عنه وظيفياً بأنه أحد المسؤولين في سفارة فلسطين في بيروت، أن زكي أخطأ في تقديره لحجم نفوذ سلطان أبو العينين داخل فتح، وأن الأخير يتمتع بشعبية حقيقية بناها خلال عقدين على الأقل. وأخذ المسؤول على زكي أنه كان يستمع أحياناً إلى ما ينقله خصوم أبو العينين ولا سيما كمال مدحت دون أن يدقق، ما دفعه إلى التوجه نحو العنوان الخطأ، إذ بينما يجب العمل على مواجهة جماعة دحلان في لبنان صار اهتمامه يتركز على تحجيم أبو العينين.
وبحسب هذا المسؤول، فإن «الخطر الأكبر سوف ينجم عن تعاظم نفوذ محمد الدحلان على الساحة اللبنانية وخصوصاً أنه بات لديه كوادر لها نفوذها». واتهم المسؤول ذاته خالد عارف وإدوار كتّورة بأنهما يعملان لمصلحة الدحلان وينسقان الأمور مع تيار «المستقبل» حتى إن أجهزة أمنية لبنانية تلقّت تقارير بهذا الشأن وقاطعتها مع معلومات مصدرها أجهزة عربية في الأردن والقاهرة.
ووفق الوضع الخاص هذا، كان عباس قد سرع في الخطوات الآيلة إلى تحقيق المصالحة الفتحاوية، وبعدما زار لبنان كل من مدير الاستخبارات العامة الفلسطينية وأعضاء من اللجنة المركزية لفتح عزام الأحمد وأحمد غنيم ويحيى خلف وعدنان سمارة، طلب رئيس الحركة محمود عباس من مساعديه العمل بكل الوسائل لإنهاء الصراع الذي تركّز بين زكي وأبو العينين، وخصوصاً بعد ورود تحذيرات من توترات قد تؤدي إلى انفجار مسلح داخل الحركة.
وبعد فشل الآخرين في المهمة نتيجة نقص في الصلاحيات كما قال بعضهم، نجح عضو اللجنة المركزية أبو ماهر غنيم في انتزاع تفويض شامل من عباس قبل انتقاله إلى لبنان حيث عقد لقاءات طويلة مع جميع القيادات بحضور زكي وأبو العينين. وفي جلسات المصارحة، سمع غنيم إقراراً من زكي بأنه أخطأ في بعض المحطات. كما أقرّ أبو العينين بأنه ردّ على الخطأ بخطأ. وأعرب زكي عن استيائه من الحملة التي قادها أبو العينين ضده، وقال إنها انعكست سلباً على دور السفارة الفلسطينية وحضور منظمة التحرير في لبنان. وقال زكي إن صدقيّته الشخصية اهتزت بقوة أمام الشخصيات اللبنانية. أما أبو العينين فقد ألقى بالمسؤولية على عاتق اللجنة المركزية «لأن القرارات والإجراءات التي اتخذت باستقدام ضباط وإجراء تعيينات والتضييق المالي أثرت على موقفه وجعلته يفكر ويتصرف على أساس أن قضية اللاجئين وسلاح المخيّمات هما في خطر».
وبعد مناقشات طويلة انتهى غنيم إلى:
أولاً: على سلطان أبو العينين الإقرار بوجود مشرف عام على فتح والمنظمة في لبنان هو عضو اللجنة المركزية عباس زكي.
ثانياً: على عباس زكي أن يعترف بوجود أمين سر للحركة في لبنان هو سلطان أبو العينين، وليس عليه التدخل في الشؤون اليومية وأن لا يطلب المتابعة المباشرة إلا عند الضرورة.
ثالثاً: على الجميع التصرف على أساس أنه لا وجود لمنصب «المفوّض العام» وهذا العنوان القيادي ليس له وجود في الأنظمة الداخلية للحركة وليس له سابقة. وبالتالي فإن كمال مدحت لم يعد مفوّضاً عاماً للحركة.
رابعاً: تشكيل قيادة عمل يومي مؤلفة من: أبو العينين (رئيساً) وأديب الحصان (مندوب القوات العسكرية) ومنير المقدح (مندوب الكفاح المسلح) وآمنة جبريل (مندوبة اتحاد المرأة) وفتحي أبو العردات (مندوب الاتحادات الشعبية).
ومع أن القرارات احتاجت بعد النقاش إلى تصويت، فقد حصلت أولاً على موافقة زكي وأبو العينين قبل أن ينقل الملف إلى الرئيس الفلسطيني للتصديق. إلا أن المناقشات التي سبقت التوصل إلى هذه الخلاصات أظهرت حرص أبو العينين على ضمّ القيادي خالد عارف إلى قيادة العمل اليومي، لكنه لم ينجح، فيما عبّر أديب الحصان عن انزعاجه من قرار تحويله إلى عضو في هذه الهيئة القيادية لكونه ينظر إلى موقعه بطريقة مختلفة لأنه عيّن بقرار صادر عن الرئيس عباس، وبالتالي فإن علاقته تظل مباشرة بالرئيس، ما اضطر زكي إلى تذكيره بأن «لديك مهمة تستمر شهرين فقط في لبنان وبعدها تعود من حيث أتيت». أما منير المقدح فقال إنه لا يريد «أن يكون عضواً في هيئة يترأّسها أبو العينين» باعتبار أنه «المسؤول عن الكفاح المسلح الذي يتبع مباشرة لرئيس منظمة التحرير ولحركة فتح».