العدد ٧١٧ الجمعة ٩ كانون الثاني ٢٠٠٩

لهذه الأسباب رحّب السنيورة بزيارتَي بارود وقهوجي... لكنْ بشروط

نقولا ناصيف
مرّتين تدخّل رئيس الحكومة فؤاد السنيورة رداً على تحفظات أبدتها قوى 14 آذار حيال زيارتَي وزير الداخلية زياد بارود وقائد الجيش العماد جان قهوجي لدمشق. في المرتين أيّدهما وجدّد ضمناً دعمه السياسة التي ينتهجها رئيس الجمهورية ميشال سليمان حيال تصويب العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. بعض ردود الفعل أوحت أن السنيورة أربك حلفاءه الموالين بعدما أربكوه بتصريحاتهم، وبعضها عدّ موقفيه ترجمة تعاونه مع سليمان، وهو يضع الموقفين إياهما في خانة قرار مجلس الوزراء: ترحيبه بزيارة دمشق سعياً إلى إزالة مبرّرات التوتر بين البلدين، بيد أن لا إجراءات تنبثق من زيارة أي مسؤول رسمي سياسي أو عسكري تشق طريقها إلى التنفيذ قبل موافقة مجلس الوزراء.
تلك هي خلاصة آراء المحيطين برئيس الحكومة في معرض إبراز مغزى موافقته على الزيارات المتتالية لدمشق التي دون نتائجها ضوابط ومعايير. ويضعون موقفه تبعاً لمعطيات منها:
1 ـــــ مذ رشّحه تيار المستقبل وحلفاؤه لرئاسة الحكومة، ميّز السنيورة بين ترؤسه حكومة ما بعد اتفاق الدوحة والتي ترأسها بعد انتخابات 2005 عندما وجد نفسه في واجهة الأحداث وكان قد حدّد مهمتين رئيسيتين له: حماية التحقيق الدولي وإقرار المحكمة الدولية رغم شعار طرحه لحكومة 2005 هو الإصلاح والنهوض، بات رأس حربة الصراع المتداخل المحلي والإقليمي الذي انفجر أولاً بالاغتيالات والتفجيرات ثم بانقسام حكومته واستقالة وزرائها الشيعة. في حكومة الوحدة الوطنية تبدّلت المهمات انسجاماً مع التوازن السياسي الذي أفضت إليه أحداث 7 أيار واتفاق الدوحة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وأضحى عليه إعادة ترتيبها وفق أولويات: نقل الصراع من الشارع إلى المؤسسات لحصر الخلافات بها، وإجراء انتخابات ربيع 2009 في ظروف طبيعية، ومعالجة الأزمة المعيشية والاقتصادية. لكن الملف السوري كان الأكثر حضوراً من غير أن يتردّد السنيورة في إيلاء ثقته في الإدارة الحصرية لسليمان له، فسلّم بخيارات الزيارات والحوار مع دمشق من خلالها.
2 ـــــ مذ ترأس حكومة الوحدة الوطنية دار نقاش مستفيض بين معاوني السنيورة حيال الطريقة التي يقتضي معها التعامل مع الرئيس ميشال عون ووزرائه فيها، آخذين في الحسبان التساؤل عن الدور الذي سيضطلعون به حياله، وأنهم سيقفون عقبة في طريقه في مجلس الوزراء وخارجه على السواء، ولم يكن هو بعيداً عن هذا التوقع، لكنه قرّر أن لا ينخرط في السجال مع هذا الفريق تفادياً لتبادل الاتهامات والردود المتبادلة بما يدفع إلى انفجار الحكومة من الداخل وعودة الصراع من ثمّ إلى الشارع، واستطراداً تعطيل انتخابات 2009، إحدى أبرز أولويات حكومة الوحدة الوطنية. وبحسب هؤلاء المعاونين تيقّن السنيورة من جدّية المواجهة في الخلافات التي اندلعت مع الوزراء عصام أبوجمرة وماريو عون وجبران باسيل، إلا أنه اختار تجاوز القطوعات تفادياً للسجال معهم لتجنيب الانتخابات النيابية التعطيل من خلال تعاونه مع سليمان. ولعلّ سرّ هذا الخيار أن الرئيسين، مذ باشرا العمل معاً انطلاقاً من 11 تموز الماضي، لم يختلفا ولا تباينت آراء أحدهما مع الآخر في أي من الملفات الشائكة وأخصّها العلاقات مع سوريا والسياستان الخارجية والأمنية. وهي الأسباب التي حملت السنيورة على تأييد زيارتَي بارود وقهوجي لدمشق ما دام يثق بمقاربة رئيس الجمهورية هذه الملفات ولا سيما منها علاقات البلدين الجارين.
3 ـــــ فور عودته من دمشق مساء السبت أجرى قائد الجيش مكالمة هاتفية مع رئيس الحكومة استمرت ثلث ساعة أطلعه فيها على نتائج زيارته بعدما أطلع رئيس الجمهورية أيضاً. قبل ذلك كان أعلم الرئيسين بتلقيه دعوة رسمية لزيارة العاصمة السورية، سرعان ما تشاورا في شأنها واتفقا على حصولها، أضف أن رئيس الحكومة ظلّ على اطلاع كامل على التنسيق الذي دار بين الرئيس والقائد حيال جدول الأعمال. وهكذا عندما صدر موقف السنيورة على أثر ردود فعل سلبية منها أطلقها حلفاؤه، أكد معرفته بالزيارة. وخلافاً لموقفه من زيارة بارود، لم يتطرّق إلى نتائج زيارة قهوجي لأن لا نتائج ملموسة أو إجراءات حسّية اتفق عليها في دمشق كما حصل مع وزير الداخلية بالإعلان عن تأليف لجنة متابعة، بل أصدرت قيادة الجيش بياناً ذا مضمون عام تناول جوانب التنسيق العسكري الثنائي من غير أن يلحظ إجراءات محدّدة، مما لا يسع السنيورة رفضه، إلا أن مناقشة التفاصيل تصبح عندئذ في عهدة مجلس الوزراء على غرار ما تلا زيارة بارود. بعد عودة قهوجي لم يتعمّد رئيس الحكومة الإدلاء ببيان يعرض وجهة نظره منها، ولا توخى الردّ على حلفائه الموالين المعترضين، بل أجاب عن سؤال صحافي في السرايا مكتفياً بعبارة مقتضبة هي أنه كان على علم بزيارة دمشق، محاذراً اتخاذ موقف من نتائجها العارف بها.
تالياً، بحسب المطلعين على موقف السنيورة، يخضع البحث الجدّي في نتائج زيارة قهوجي لدمشق لمناقشة مجلس الوزراء عندما تُعرض عليه، إلا أنه لا خطوات إجرائية على صعيد التعاون العسكري بين الجيشين بمعزل عن المرجعية الدستورية المعنية، أولاً وحصراً، بإقرار التطبيع بين البلدين وفق معايير الندّية والمصلحة المشتركة واحترام كل من البلدين سيادة الآخر واستقلاله بدءاً من التبادل الديبلوماسي. وهو المكان الذي ينقل إليه رئيس الجمهورية باستمرار حصيلة تحرّكه في الخارج ومع سوريا.


عدد الخميس ٤ كانون الأول ٢٠٠٨