العودة إلى ماركس... أيّ عودة؟

عادت كتب كارل ماركس إلى واجهات المكتبات، وبات اسمه يُذكر كلّما جرى تناول الأزمة المالية العالمية. لكن غالباً ما ترتبط عودة ماركس بما لا علاقة له به... أشبه بعودة فولكلوريّة أو عودة نبيّ أو مجرّد حنين إلى نظام التخطيط السوفياتي

خالد صاغية
ما إن بدأت الأزمة المالية العالمية تلوح بالأفق، حتّى عادت صورة كارل ماركس إلى ‏الأذهان. وهي عودة ارتبطت تارةً بسؤال عن انهيار النظام الرأسمالي، وطوراً بعودة الدولة ‏إلى التدخّل في الأسواق.‏
والواقع أنّ ماركس والماركسيّة لا يتحدّثان عن أزمات اقتصادية ينهار معها النظام القائم. فأي ‏تجاوز للرأسمالية يرتبط أساساً بوجود قوى تدفع في هذا الاتجاه، وهي قوى لا يخفى على أحد ‏أنّها غائبة أو ضعيفة اليوم. والأزمات التي تنشأ وسط موازين كهذه، تعيد إنتاج الرأسمالية ‏وفقاً لقواعد جديدة، بدلاً من دفنها. ولسوء الحظ، فإنّ لإعادة الإنتاج هذه ضحايا ليسوا طبعاً من القوى ‏المهيمنة على السلطة.‏
يأتي دور الدولة وتدخّلها السافر للمساعدة على إعادة الإنتاج هذه. لذلك، ليست المسألة ‏بالنسبة إلى التحليل الماركسي مدى تدخّل الدولة، بل تأثير هذا التدخّل على المسارات الطبقية. ‏لمصلحة من هذا التدخّل؟ كيف أثّر على إنتاج فائض القيمة؟ وكيف أثّر على توزيعه؟
والواقع أنّ الرأسمالية لم تعرف اقتصاداً لا ‏تتدخّل فيه الدولة، لا بصيغتها النيوليبرالية ولا بصيغتها الكينزية. حتّى آدم سميث الذي يُزَجّ باسمه لتبرير نوع متوحّش من الرأسمالية ‏تحت شعار «دعه يعمل، دعه يمرّ» قد مدح اليد الخفية للسوق، إلا أنّه أشار بوضوح إلى ‏حالات عديدة ينبغي أن تتدخّل الدولة فيها. وغالباً ما يتناسى دعاة كفّ يد الدولة أنّ سميث حين كتب آيات مديحه في السوق، لم يفعل ذلك في وجه الدولة التي كانت تحاول الحدّ من حريته، بل في وجه المحتكرين الذين كان يرى سميث تعارضاً بين مصالحهم ومصالح المجتمع. هؤلاء المحتكرون الذين صبّ سميث جام غضبه عليهم، هم المتحكّمون بالاقتصاد العالمي اليوم، وهم الذين يتواطأون مع السلطات لتقرير ما إذا كان على الدولة أن تتدخّل هنا، أو أن تنسحب من هناك.
هكذا أدّت الدول دوراً هامّاً في دفع النيوليبرالية إلى الأمام. هي التي خصخصت، وهي التي استملكت الأراضي لمنحها لشركات كبرى بذرائع مختلفة، وهي التي استدانت وحوّلت مواطنيها إلى عبيد في خدمة فوائد الدين، وهي التي سمحت للمضاربات العقارية بأن تتمدّد في أحيان كثيرة على حساب الإرث الثقافي، وهي التي وقفت تتفرّج حين بدأ نجم رأس المال المالي بالصعود من دون أي رادع.
وحين كانت الفقاعة المالية تكبر داخل الولايات المتحدة الأميركية، كانت الإمبريالية تتجلّى في حلّة جديدة ـــــ قديمة عندنا. إمبرياليّة اتّخذت شكل التراكم الأوّلي الذي تحدّث عنه كارل ماركس في الفصل الأخير من الجزء الأوّل من رأس المال. فبعد استفاضته في شرح القيمة وفائض القيمة وعملية الإنتاج في النظام الرأسمالي، انتقل ماركس في آخر الكتاب ليصوّر كيف جرى الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية. يومها، فُصل المنتجون عن وسائل إنتاجهم. طُرد المزارعون من أراضيهم، وهاموا على وجوههم قبل أن يأتي الرأسمالي الطيّب ويعرض عليهم فكرة جديدة: ستعملون عندي لقاء أجر، لكنّ كلّ ما تنتجونه سيكون ملكاً لي. هكذا دارت عجلة الرأسماليّة، وبدأ عصر تراكم رأس المال القائم على استغلال العمّال. عملية الاستغلال هذه التي شرّحها ماركس مطوّلاً، ما كان يمكن لها أن تبدأ لولا «الخطيئة الأصلية»، لولا تراكم أوّلي قام على الطرد والاستملاك بالقوّة.
كان علينا أن ننتظر روزا لوكسمبورغ لنكتشف أنّ هذه الخطيئة الأصليّة مستمرّة معنا، وأنّ رأس المال كثيراً ما يغريه الشيطان فيعود إلى عاداته الأولى «ما قبل الرأسمالية». ثمّ جاء دايفيد هارفي ليشرح لنا تجلّيات هذه العادات في عالمنا المعاصر، وعلى رأسها عملية «التمييل» (FINANCIALIZATION) وتدخّل الدولة بأساليب مختلفة لإعادة توزيع الثروة من الأكثر فقراً إلى الأكثر ثراءً والخصخصة و...
اختلف الماركسيّون في تحديد الإمبريالية. هل هي حتمية؟ منهم من رأى فيها أعلى مراحل الرأسمالية، ومنهم من رآها ضرورية للعبور إلى الاشتراكيّة. لكنّ الأرجح أنّ الإمبريالية ليست إلا خياراً تتّخذه البورجوازية لحلّ أزمتها في لحظة معيّنة، وهي ليست الخيار الوحيد المطروح على الطاولة. هذا ما تؤمن به حنة أرندت، وما أخذه عنها دايفيد هارفي.
إذا كان من عودة مفيدة إلى ماركس فهي في هذا السياق، في تحليل تجلّيات الإمبرياليّة، وفي تحديد ماهيّة الأزمات التي تعترض عمليّة تراكم رأس المال، والتي دفعت نحو الخيار الإمبريالي، وأخيراً في دراسة تأثير السياسات المتّبعة، لا على المؤشّرات الاقتصادية العامة، بل أيضاً وأساساً على الطبقات المختلفة.
لكن عن أي أزمات نتحدّث؟ عن الأزمة التي تعترض التراكم الرأسمالي، وهي أزمة متعدّدة الوجوه. وهنا دور ماركس الذي شرّح مسار رأس المال، وحدّد الأماكن التي يتعطّل فيها هذا المسار (راجع محاضرة دايفيد هارفي المنشورة في هذا الملحق). هكذا يمكن الماركسيين محاولة استخدام التحليل نفسه لفهم ما يجري اليوم. أمّا أنصار النيوليبرالية والاقتصاد النيوكلاسيكي فيقفون أمام الركود من دون القدرة على تحريكه، ويصبّون جام غضبهم على طمع المضاربين الماليّين، وكأنّ الطمع صفة مستجدّة على البشريّة.
كان الخبراء الاقتصاديون يتباهون في السابق بأنّهم ينطقون باسم عِلم يسمّى الاقتصاد، يمتلك معادلات تسمح لهم بحلّ المشاكل الطارئة: إذا انخفضت الاستثمارات وساد الركود، ما عليك إلا خفض سعر الفائدة لتحفيز الاستثمار. لكن ما العمل اليوم حين يقف الخبراء أنفسهم عاجزين عن تحريك هذا المؤشّر أو ذاك، إذ تعطّلت معادلاتهم «العلميّة». ها هي الفائدة تُخفَض، ثمّ تُخفَض، وتُخفَض... دون جدوى.
طبعاً، يعرف بعض هؤلاء الخبراء أنّ الإجابة تكمن في مكان آخر. لكنّه بالضبط المكان الذي لا يريدون الذهاب إليه، لأنّه مكان ينتمي إلى الاقتصاد السياسي حيث تظهر تأثيرات السياسات على الطبقات الاجتماعية المختلفة. وحين يُلجأ إلى ماركس لمحاولة الخروج من الأزمة، يُصدم كثيرون حين لا يجدون لدى الرجل ما يشفي غليلهم. ذلك أنّ ماركس شرّح أزمات الرأسمالية، وقال إنّه لا دواء لها لأنّها من طبيعة النظام. إنّها أزمات سوف تتكرّر دورياً. وحين تتكرّر، ستدفع العامّة الثمن. نستطيع مع ماركس أن نفهم سبب الأزمة، وتأثيراتها على الطبقات المختلفة. أمّا الخروج من الأزمة «ماركسياً»، فيتطلّب التفكير بالخروج من منطق النظام الرأسمالي، يتطلّب شجاعة القول إنّ ثمّة بديلاً يستحق الحياة.
لذلك، قد لا تكون العودة إلى ماركس وحدها كافيةً. ينبغي، وفقاً لسلافوي جيجاك (راجع ص16 من هذا الملحق)، «إعادة» لينين. إعادته، لا بمعنى إعادة تجربته، بل بمعنى الصراخ في وجه يافطات الـ«لا بديل» أنّ ثمّة بديلاً يجب أن نخلقه. ثمّة بديل يستحقّ أن نحيا من أجله.