لغز رأس المال

عامل أميركي يحمل على قميصه شعار: «نحن ننتخب، نحن نربح» (أرشيف ــ رويترز)عامل أميركي يحمل على قميصه شعار: «نحن ننتخب، نحن نربح» (أرشيف ــ رويترز)
إنها ذروة النيوليبرالية لا نهايتها
يعتبر البروفيسور دايفيد هارفي أنّ الأزمة الماليّة التي نشهدها اليوم هي ذروة النيوليبرالية لا نهايتها، كما يرى البعض. ويشرح رؤيته الخاصة لما يحدث عبر أمثلة من تاريخ الرأسمالية اعتماداً على النظريات الماركسية. النص الذي تنشره «الأخبار» هنا، بإذن من البروفيسور هارفي، متّخذ من تسجيل لمحاضرة ألقاها في الرابع عشر من تشرين الثاني الماضي في مركز الدراسات العليا التابع لـ«جامعة مدينة نيويورك» التي يدرّس فيها مادة الانثروبولوجيا

دايفيد هارفي
يتكرّر السؤال بإلحاح بشأن نهاية النيوليبرالية، لكنّ ذلك مرهون بالمعنى الحقيقي للكلمة. فالنيوليبرالية، برأيي، محاولة لإعادة تكريس السلطة الطبقية. ومن هنا أقول إنّ ما نشهده الآن ليس نهاية النيوليبرالية، إنّما هو في الحقيقة ذروتها. ويعود ذلك إلى أنّ إعادة السلطة الطبقية حقّقت نجاحاً لترافقها مع انتشار إيديولوجية الحرية الفردية وممارسات عدة مثل استخدام السوق لغايات محدّدة. فاستغلّت الأسواق عندما كانت هناك حاجة لها، وأُهملت في الحالات الأخرى. وتزامن كل هذا مع الخصخصة: خصخصة فائض القيمة، وخصخصة كل ما يمكن خصخصته وتسليع كل شيء، حتى موضوع المسؤولية الشخصية، إضافة إلى انسحاب الدولة من عدد كبير من القضايا، وتحديداً التقديمات الاجتماعية.
كان لهذه الاستراتيجية هدف محدد. فإذا نظرت مليّاً إلى الممارسات النيوليبرالية، تجد أنّّها لم تتوافق مع الإيديولوجيا. فلنأخذ كمثال الأزمة المالية في نيويورك في سبعينيات القرن الماضي. كان هناك مسألتان رئيسيتان متناقضتان: رفاهية المؤسسات المالية ورفاهية الأفراد. ولحلّ المسألة، اختيرت رفاهية المؤسسات وتمّ التخلّي عن الناس. واليوم تبدو خيارات الإنقاذ المطروحة مجرّد استكمال لما حصل سابقاً. العامل الآخر في الأزمة المالية في نيويورك كان عدم انسحاب الحكومة من عالم الاقتصاد كلّيّاً. فالحكومة غيّرت وظيفتها وكان من المفترض أن تكون فاعلة في ما يتعلق بتأمين المناخ المناسب للأعمال، وخصوصاً تشجيع الاستثمار، وكان ذلك أساسياً لسياسات الدولة. واليوم ترى الدولة نفسها محتارة مجدداً بين تأمين رفاهية الإنسان وخلق المناخ الجيد للأعمال. فتلجأ مجدّداً إلى خلق المناخ المناسب للاستثمار ورفده بعبارات مشجعة حول كيفيّة «تحمّل السفينة للأمواج» وما إلى ذلك، وهذا ما لا يحصل أبداً. ولكن يجب أن نعترف بأن جزءاً من هذا المناخ مختلف عن السابق، إذ حصل تغيير في طريقة عمل سلطة الدولة وتنظيمها. وتكشف العبارات التي استعملت بعض هذا التغيير. فاستُبدِلت كلمة الحكومة بالحوكمة (gouvernance) وتعني الدمج بين مصالح الدولة والقطاع الخاص معاً. وفي هذه الحالة، يتحمّل القطاع العام المخاطر الناتجة من هذه الشراكة، فيما ينال القطاع الخاص كل الأرباح. وأتحدّاكم أن تنفوا أنّ هذا ما يحصل أخيراً.
أظن أنّ ما يحدث هو الذروة والسؤال المشوّق هنا، من وجهة نظري، هو كيف ستنتهي الأمور، وخصوصاً أنّ كل شيء تقريباً مخطّط له مسبقاً. هذه سياسة تمّ التخطيط المسبق لها. وأعتقد أنّ الخطة تهدف إلى السعي لتكريس أكبر واحتكار أكبر للسلطة الطبقية، وخصوصاً في القطاع المالي، من جانب المصارف المركزية. ومن الممكن أن نكون في طريقنا إلى الدخول في عالم تسيطر عليه دكتاتوريات المصارف المركزية ووزارات المال.
هذا هو المخرج ممّا يحصل الآن، وهو نسخة عمّا كنا نسمّيه «رأسمالية احتكار الدولة» (state monopoly capitalism). وفي هذا النظام الجديد ستشدّد الرقابة عبر تعزيز للسلطة. وبالتأكيد ستراق دماء كثيرين في «وول ستريت». لكن من يبقى واقفاً سيكون أقوى بكثير اليوم مما كان عليه في السابق، وما سنراه هو تكريس إضافي للسلطة الطبقية.
هل هناك من سيقاوم ذلك؟ الإجابة هي أنني لا أرى أنّ تركيبة الطبقات الحالية ستتمكن من المواجهة. لذلك أظن أنّ الصفقة انتهت. ولكن لدينا أزمة شرعنة، لأنّ كل ما تمّت شرعنته في الثلاثين سنة الماضية كان مرتبطاً بمصلحة القطاع الخاص والحرية الفردية والسوق الحرة. وتلقّى كل ذلك ضربة قوية، لذلك سيكون من الصعب الاستمرار في حجج الشرعنة وسنجد أنفسنا في أزمة كبيرة حول ذلك في السنوات المقبلة.
السؤال الذي يطرح هنا هو كيف يستطيع النظام الرأسمالي أن يعيد إنتاج نفسه؟ كيف يستطيع النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي أن يستمر؟ هذه هي الأحجية التي يجب التطرّق إليها. منهجياً، يجب طرح سؤال إضافي عن الشروط التي تسمح للرأسمالية بالاستمرار كنظام اقتصادي، اجتماعي وسياسي.
يمكننا أولاً أن نحدد هذه الشروط، ثم نتساءل ما إذا كانت دائمة وقابلة للتحقيق. أنا شخصياً أحمل آراء أصولية حول عمل النظام الرأسمالي. وكارل ماركس كان يرى أنّ الرأسمالية «مسار» وليست «شيئاً». والطريقة الأبسط للنظر إلى هذا المسار هي اقتباس ماركس في «رأس المال»: «هذا هو المسار ويجب أن ننظر إلى استمرارية هذا المسار». والأمور تجري على الشكل الآتي: يبدأ الرأسماليون بمبلغ من المال، يدخلون إلى السوق ويشترون قوّة اليد العاملة ووسائل الإنتاج، يدمجونها مع وسيلة تكنولوجية في آلية إنتاج، ومن هذه الآلية تخرج السلعة التي تباع لاحقاً بكلفتها الأصلية مضافاً إليها قيمة فائضة أو ربح.
إلى جانب ذلك، هناك شرط الاستمرارية، إذ إنّ جزءاً من القيمة الفائضة يعاد استثماره مجدداً. فتشتري قوة عاملة ووسائل إنتاج جديدة إلى ما لا نهاية. ويمكن هنا طرح السؤال الآتي: ما الذي يسبب إعادة الاستثمار، لماذا هذا الجزء من الفائض يعاد إدخاله في الآلية الإنتاجية كرأسمال جديد؟
مميزات هذا المسار هي أنّه يمكننا أن نعرف مباشرة أنّ النظام سينمو نموّاً كبيراً إذا لم تواجهك المشاكل. وتاريخياً، كان معدّل النمو 3 في المئة منذ بداية «الرأسمالية الصناعىة»، أي ما بين 1850 و1780. ونستخلص هنا أنّ 3 في المئة من رأس المال الذي أنتج البارحة يعاد استثماره في توسّعات جديدة غداً. والنتيجة هي أنّ النظام الرأسمالي يتوسّع باطّراد، إذ بلغت قيمة التداولات في السلع والخدمات 1.75 مليار دولار في 1750 و4 تريليونات دولار في 1950 و40 تريليون دولار في 2000.
يمكننا هنا الاستنتاج أنّ 3 في المئة كنسبة إعادة استثمار في اقتصاد 4 تريليونات دولار مختلفة كثيراً عن إعادة استثمار النسبة نفسها في اقتصاد 40 تريليون دولار. وإذا صدق رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون في كلامه، فإنّه خلال عشرين عاماً سيضاعف حجم الاقتصاد ليصبح 80 تريليون دولار، وبعدها بعشرين عاماً 160 تريليون دولار. هذا يعني أنّ النظام يكبر. وبالتالي نصبح أمام مشكلة أكبر تواجه عملية إعادة الاستثمار ، أين ستذهب الاستثمارات؟ نقارن ببساطة فرص إعادة استثمار نسبة 3 في المئة في محيط مدينة مانشستر مثلاً، أي ما لا يزيد على 50 ميلاً وفرص إعادة الاستثمار في آسيا، الصين، الشرق الأوسط أو أميركا اللاتينية. الوضع سيختلف جذرياً هنا...
وما نستطيع الوصول إليه في النهاية هو سعي حثيث لكسب مزيد من المال لأنّه أحد مظاهر القوة الاجتماعية. وبالنتيجة فإنّ جزءاً من عملية إعادة الاستثمار هو السعي للحصول على النفوذ الاجتماعي أو زيادته، لأنّ من يملك النفوذ يريد الحفاظ عليه، ومن لا يملكه يرغب في الحصول عليه. وتستمر الأمور على هذا المنوال، إذ إن هناك دافعاً نفسياً لاكتساب النفوذ والقوة، ولا حدود لذلك.
لقد كان أمراً مشيناً جداً أن يحصل مسؤولو بعض الصناديق الائتمانية منذ سنوات عدّة على 250 مليون دولار كمكافآت شخصية في سنة واحدة، وزاد الرقم في الحقيقة ليصبح 1.7 مليار لمسؤول واحد فقط العام التالي. ومنذ أيام، أقيمت جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي لخمسة مسؤولين ماليين حصل كلّ منهم على 3 مليارات دولار كأرباح شخصية. هذا ما نقصده بعدم محدودية المال وعملية الحصول عليه. فإيميلدا ماركوس مثلاً امتلكت 6000 زوج من الأحذية، وهناك حدود لذلك ولعدد المنازل التي يمكن أن تملكها، لكن هذا ليس حال المال.
هنا تصبح نسبة 3 في المئة، أي الفائض، في موقف حرج. أين نذهب بكل هذا المال؟ أنت حصلت عليه لأنّه أداة نفوذ اجتماعي، لكن ماذا ستفعل به الآن وكيف ستستخدمه؟
عندما تنظر ملياً إلى هذا النظام تكتشف عدداً من الحواجز المحتملة لعملية تدفق المال. يناقش ماركس هنا أنّ استمرارية التدفق ضرورية لرأس المال. عندما يتوقف التدفق، يبدأ كل شيء بالتداعي ونرى ذلك الآن مع تجميد سوق الإقراض. ورأينا ما حصل بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 عندما توقف كل شيء ليومين. وقتها، طلب عمدة نيويورك رودي جولياني من الناس إخراج بطاقات اعتمادهم والعودة إلى التسوّق مجدداً وإلا ينهار النظام.
يجب أن يستمر التدفّق، وبالتالي يجب تشريح مسار رأس المال، لمعرفة ما إذا كانت هناك حواجز محتملة في النظام. والحديث عن الحدود وتحوّلها إلى حواجز مهم جداً، لأنّ هناك عدداً كبيراً من الحدود المحتملة في هذا المسار. ففي أوقات معينة تنظر إلى هذا المسار المستمر وتسأل «ماذا يحصل الآن؟ أين توجد الحدود المحتملة والحاجز المحتمل؟ وكيف يمكن الالتفاف عليها؟».
النقطة الأولى التي يجب التعاطي معها هي موضوع المال ومن أين يأتي المال الأصلي؟ من أين يأتي الرأسمالي بماله في الدرجة الأولى؟ كان لماركس نظريته حول التراكم الأولي: تذهب وتسرق الناس وتقرصن كلّ ما يملكون.
هكذا تم تجميع المال في البداية. أنا أعتقد أنّها استمرارية لعملية معينة تقوم على العثور على المال وتجميعه بطريقة تسمح للنظام بالاستمرار. ومع مرور الوقت، تتطلع بالتأكيد إلى أن يكون الفائض الذي أُنتج البارحة جزءاً من المال الأصلي. وبالتالي نحن أمام عملية تداول. ستقول بعد فترة إنك لن تحتاج إلى التراكم الأولي بعد الآن أو ما أطلق عليه «التراكم عبر النهب» (accumulation by dispossession).
بكل بساطة يمكنك النجاح إذا أعدت استثمار الفائض المنتج البارحة. لكن هذه ليست القصة الكاملة. فهذا الكمّ من المال يطرح تساؤلاً عن حواجز الدخول إلى السوق (barrieres of entry). في أنواع معينة ومحددة من النشاطات الاقتصادية ما هي هذه الحواجز؟ وما هي كمية المال التي تحتاجها لفتح ورشة تنتج قمصاناً أو لبناء مصنع للسيارات أو سكة للقطارات؟
مع مرور الوقت يتحوّل التساؤل إلى كيفية تجميع المال وليس عن المال نفسه. وهنا يصبح أساسياً، ليس الحديث عمّا سمّاه ماركس «تركُّز رأس المال» (concentration of capital)، لكن عن مركزة رأس المال (concentration of capital). والمَركَزة هي تجميع رأس المال من كل الأماكن في المركز وبكميات كبيرة للدخول في مجالات معينة من الإنتاج، مثل بناء نفق القناة بين فرنسا وبريطانيا الذي يحتاج إلى كميات كبيرة من المال.
في هذه اللحظة، تكون هناك حاجة كبيرة جداً للتجديد المؤسساتي وللمصارف والشركات الكبرى وأسواق المال. وهناك ضرورة للتمعن الجدي في تاريخ التجديد هذا. فقد استطاعت الرأسمالية أن تبقى على قيد الحياة عبر التجديد المستمر الذي يسمح للمال بالتركُّز، ممّا يسمح لأنواع معيّنة من الإنتاج أن تحدث. ودون هذا التجديد تصل الرأسمالية إلى نقطة توقف، لأنّها تصطدم بحدود لها. ومن هنا الأهمية الكبرى للتجديد الدائم، لكن بطريقة تسمح بتجميع الأصول المالية قبل الدخول فعلياً في عملية الإنتاج. لهذا يجب دراسة تاريخ الرأسمالية بحذر. ونجد هنا أنفسنا مضطرين للتركيز على كل العوامل. نحن لا نتكلم فقط على بناء الأرباح، بل عن كيف تعمل الفائدة وكيف يعمل الإقراض. سيتمّ تجميع معظم ذلك من خلال نظام الإقراض. ويعطي البعض دوراً كبيراً لنظام الإقراض وللتجديد المالي في استمرار الرأسمالية وبقائها حيّة. فهي لم تكن لتستمر دون كل هذا. وبالتالي، نسأل كيف يحصل ذلك ومن يقوم به؟
النقطة التالية هنا هي دراسة كلّ من القوى العاملة ووسائل الإنتاج ومن أين تأتي كلّ منها. في ما يتعلق بوسائل الإنتاج، فإنّ كل من يدخل إلى الأسواق يتوقع إيجاد ما هو ضروري ليبدأ مشروعاً ما، كصناعة السيارات مثلاً. المسألة المهمة هي كيف يصل إلى ذلك، وهل هناك مشاكل في التناسب (proportionality). في الحقيقة، سيواجه حواجز دائماً، لكن يجب إيجاد حلّ لآلية الأسعار لأنّها ترتفع بتأثير عوامل عدة، ما يدفع الناس إلى الإنتاج.
وفي النهاية، ثمّة علائقية معينة مع الطبيعة، فهناك ضغوط كبيرة بشأن مصدر المواد الأولية الجديدة ووسائل إنتاجها. هذا يلمّح إلى حاجز محتمل في العلاقة مع الطبيعة، ما يعدّه البعض التناقض الثاني في الرأسمالية. وهو أنّ الموارد الطبيعية تزول ولم تعد البيئة المحيطة بنا تتحمل التلوّث الناتج من الإنتاج. وفي تاريخ الرأسمالية، كان هناك تفكير جدي بشأن الحدود التي تضعها الطبيعة. وما هو مثير في التاريخ أنّه في كل مرة تبرز فيها حدود ما، يتمّ الالتفاف على هذه الحدود عبر تحويلها إلى حواجز يجري تجاوزها. من المشوّق العودة إلى الوراء ودراسة عدد المرات التي قال فيها الناس إنّ الرأسمالية ستنتهي في الخمس عشرة سنة المقبلة لانّ النفط أو أي شيء آخر في أزمة، ولكن ذلك لا يحدث أبداً، إذ يُلجأ دائماً إلى تعديلات كبيرة وجدية.
وعندما لا تحدث هذه التعديلات بالسرعة الكافية، نكون أمام تباطؤ في النظام. ويصبح لدينا حاجز محتمل في التدفّق المستمر لرأس المال لأنّ هذه الحواجز تقف أحياناً في طريق الموارد. والأصح أن نقول إنّ الموارد ليست دائماً طبيعية، بل تكون في حالات عدة تكنولوجية، ثقافية واقتصادية.
وإذا وصلت إلى الحدود التي ستعرقل مسار التدفق، تغيّر كل ثقافتك وتتأقلم مع الوضع الجديد. وهذا ما يحدث منذ وقت طويل. فمثلاً عند الحديث عن نقص الطاقة مع نضوب النفط يمكن البحث عن وسائل بديلة للطاقة. لكن هذا لا يعني أنّ هذا الحل سينجح هذه المرة أيضاً.

متشرّد أميركي في لوس أنجلس (أرشيف ــ  أ ف ب)متشرّد أميركي في لوس أنجلس (أرشيف ــ أ ف ب)

لكن يمكننا القول حالياً إنّ حركية الرأسمالية معرضة للخطر عندما ننظر إلى ميزان القوى. فالضغوط البيئية اليوم كبيرة مثل الأزمة التي تعانيها مدينة مانشستر، ومن المتوقع أن ينفع الضغط على القضايا البيئية. ونرى اليوم في عملية التمدّن (urbanization) في الصين احتمالات لحواجز ومشاكل كثيرة، لكن لا تظنوا أنّها لن تكون بيئية.
القضية الأخرى هي تأمين اليد العاملة. فمن أين ستأتي اليد العاملة الإضافية. وكانت إدارة موارد العمل قضية أساسية ومهمة عبر تاريخ الرأسمالية. وكيفية تنفيذ ذلك تعتمد كثيراً على طبيعة تكنولوجيا الإنتاج وتوفّر الإنتاج.
فإذا كان هناك مشكلة مع توافر اليد العاملة، فستضطر الرأسمالية إلى البحث عن حل لذلك. فالتغيير التكنولوجي يؤدي أحياناً إلى بطالة وهجرة، أو نقل الاستثمار إلى مكان اليد العاملة المتخصصة. وقد مثّل ذلك مشكلة هامة عبر تاريخ الرأسمالية.
البعض كان يتحدث عن «ضغط الأرباح»، ومنها «نظرية الأزمات» في ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، وهي التزاوج بين النقص في اليد العاملة وقلة حراك رأس المال، إلى جانب التحركات العمالية والنقابية التي كانت تضغط على الرأسمالية.
وتحقق ذلك خلال موجة الإضرابات التي انتشرت في أوروبا في نهاية الستينات وبداية السبعينات. وعمدت وقتها الحكومة الفرنسية، لمواجهة الأزمة، إلى استيراد العمالة المغربية عبر برنامج حكومي لمواجهة النقص الحاد في اليد العاملة الفرنسية. عندها، قامت ألمانيا بالمثل مع الأتراك وسويسرا مع اليوغوسلاف. قارنوا ذلك بالنظرة اليوم في أوروبا إلى موضوع الهجرة والمهاجرين.
في تلك الفترة، كانت الفكرة السائدة هي أنّ اليد العاملة قوية جداً ويمكن ضربها مع تشجيع الهجرة. وإذا كانت الهجرة أو التطور التكنولوجي وتصدير رأس المال لم تفعل فعلها، فيمكنك اختراع أشخاص مثل مارغريت تاتشر ورونالد ريغان لتحطيم الاتحادات والنقابات والتخلص من المعارضة.
في بداية السبعينات، كانت هناك مشكلة كبيرة مع التحكم وإدارة اليد العاملة. أما الآن، فلا يعاني الرأسماليون مشاكل على هذه الجبهة. فهم يملكون أعداداً كبيرة جداً وفائضاً من الأيدي العاملة في كل مكان (الصين، روسيا...) كما تساعدهم المرونة في التكنولوجيا والهجرة وتصدير رأس المال.
لذلك لا أرى أنّ ما يحدث اليوم يمثّل حاجزاً في وجه أي تراكم إضافي لرأس المال. بالتأكيد هناك قلاقل ومشاكل في بعض الأمكنة، إذ تأتينا قصص من الصين عن تحركات عمالية يبدو أنّها تزداد قوة وتوسّعاً، إلى جانب زيادة نسبة البطالة، لكنّ هذه الأمور ليست مهمة جداً اليوم في الاقتصاد العالمي كما كانت في الستينات والسبعينات.
المشكلة التالية هي ما يحدث في عملية الإنتاج والتعاطي مع التكنولوجيا. كان ماركس يرى أنّ مفهوم التكنولوجيا أكبر وأوسع من مجرد آلة. وبالتالي فالأشكال الملموسة والتنظيمية لعملية الإنتاج هي التي يشارك فيها العمال ومن هنا التزاوج بين النشاطات العمالية والتكنولوجية المختلفة.
نحن هنا أمام مسألتين: ما هو الحافز، ولماذا اعتماد بعض أنواع التكنولوجيا دون غيرها وكيف؟ ولماذا يجري إحضارها وماذا يعني ذلك في ما يتعلق بالعلاقة بالعمل؟
النقطة الأولى في العلاقة هذه هي سوق اليد العاملة، كيف تعمل وما هو العقد بالنسبة إلى العامل. لدى اليد العاملة بعض القوة إذ يمكنها أن تتوقف عن العمل ورفض التعامل مع تكنولوجيا معينة أو مواد خطرة صحياً. لكن إذا خرجت العلاقات في العمل عن السيطرة فستجد على الأرجح حاجزاً في النظام. ولذلك هناك قلق كبير نراه مجدداً عبر دراسة تاريخ الرأسمالية التي حاولت دمج العامل في مسار العمل بشكل أو بآخر. وهناك أساليب كثيرة لتحقيق ذلك مثل إدخال المرح والتنوّع إلى مكان العمل. ولا يهمّ كيف يتم ذلك: عبر الهرمية في العمل، الإكراه، القمع أو الإقناع.
لقد حصل تجديد كبير في تنظيم العمل. ففي الثلاثين سنة الماضية، كان هناك تركيز على العقود الباطنية أو المؤقتة، وتفتيت مسار العمل إلى أجزاء صغيرة، إلى جانب التغيير في تقسيم العمل.
لا تستطيع القول إنّ ذهاب العمال إلى المصنع وممارستهم عملهم واندماجهم في عملية الإنتاج أمر سلبي، لأنّ هذا لا يحصل في الواقع. شيء آخر يحدث هنا وهو نشوء علاقات اجتماعية معقّدة على المستوى التنظيمي، تتجاوز مسألة الاندماج، ما يشكّل حاجزاً محتملاً للرأسمالية التي عانت مع طبيعة هذا الحاجز لفترة طويلة في أماكن وأوقات مختلفة، واستطاعت إيجاد حلول مختلفة وإمكانات مختلفة.
هذه نقطة مهمة لدراستها من وجهتَيْ نظر معاصرة وتاريخية. فإذا نظرت إلى نظام العمل كما هو الآن في الصين، تجد طرقاً مختلفة يتم عبرها التحكّم بمسار العمل مع وجود عادات ثقافية متداخلة.
نصل هنا إلى خلق السلعة وبيعها، وهي المرحلة الأكثر حساسية لأنّك ستواجه هنا سؤالاً مثيراً عن مصير المال الإضافي في نهاية اليوم، مقارنة مع ما كان موجوداً في بدايته. لحسن الحظ، هناك اختلاف بين المال المستخدم في رأس المال والمال الموجود في المجتمع ككل. فأنا مثلاً لديّ مبلغ من المال في جيبي ولا أستخدمه، وما سيحاول الرأسماليون فعله هو محاولة استخراج المال من جيبي لاستعماله لتغذية رأسمالهم. وهنا يجب أن أكون مستعدّاً لصرف المال. ولذلك يجب التأكد من أنّني سأصرف المال بطريقة عقلانية. لكن العقلانية من وجهة نظر تراكم رأس المال ليست بالضبط العقلانية المناسبة لرفاهيتي الشخصية. فتجد نفسك في هذه الحالة أمام المسألة الآتية: إلى أيّ حد يمكن إقناع الناس بحاجتهم إلى هذه السلعة وضرورتها في حياتهم كي يشعروا بالسعادة؟ فمعجون الأسنان هذا مثلاً سيجعلك سعيداً مع شريكك!
تاريخياً، هناك عنصران آخران هنا. ففي بداية مسار الرأسمالية، كانت هناك كمية كبيرة من المال مجمّدة من قبل الإقطاع الذي كان يملك احتياطي الذهب الذي لا يمكن السطو عليه إلا إذا استطعنا بيع أي شيء لهذه الطبقة. فتبيع الطبقة الرأسمالية السلعة للإقطاع، ثمّ تحرك هذه الطبقة وتجبرها على دفع الضرائب ليشاركوا في الاقتصاد ويصبحوا هم السوق المستهدف.
تشير روزا لوكسمبورغ إلى أنّه، إذا كانت الرأسمالية تعمل بطريقة جيدة في مكان ما يمكنها أن تكون سيئة في مكان آخر، والمثال على ذلك حروب الأفيون، إذ كانت الهند سوقاً كبيراً لتسويق النسيج البريطاني. كيف سيدفع الهنود مقابل ذلك؟ كانوا ينتجون موادّ أولية، لكنّها ليست كافية. وبرزت الحاجة لإيجاد مصدر آخر، فزرعوا الأفيون وباعوه للصين. فوصلت الفضة الصينية إلى الهند وعادت إلى بريطانيا. هذه طريقة إمبريالية للحصول على الفائض. اليوم، اختفت الإقطاعية، وكذلك الأراضي اللازمة «لممارسة الإمبريالية» عليها.
هناك معضلة نجدها في «رأس المال». عندما تعزل كل حجج ماركس تبقى صعوبة معرفة كيف سيتم التصرّف بالفائض بعد أن ينتج. يركز ماركس في «رأس المال» على الاستهلاك. وتدرك في النهاية أنّ فائض البارحة هو استثمار الغد. وبهذه الطريقة يصل النظام إلى الخلود. وهنا يأتي دور التوسع الضروري لاستمرار المجتمع الرأسمالي.
لكن هناك مشكلة توقيت تناولها ماركس في «رأس المال». إذ يجب استخدام المال كوسيلة للدفع، ما يستوجب علاقة بين دائن ومديون، وبالتالي دفع فائدة. نستطيع أن نستنتج بأن الفرق يجب أن تغطيه المؤسسات المقرضة لأنّها الوحيدة التي تستطيع أن تسمح للعملية برمّتها أن تستمر. لاحظ هنا أنّه في بداية المسار لدينا مؤسسات مقرضة تراكم المال، وفي نهايته مؤسسات أخرى متورطة في عملية «تحقيق» الفائض. ويدور النظام الاقتراضي كلّه حول هاتين الوحدتين. كان ماركس في «رأس المال» متردداً في التعاطي مع هذا الموضوع لسبب بسيط جداً، إذ كان يريد الحديث عن موضوع الإنتاج دون الدخول في مسألة توزيع الفائض بين الفائدة والريع والضرائب وما شابه. فهو كان يريد أن يحلل الوضع دون الدخول في متاهة الفائدة. ففي الجزء الأول من كتابه يصل في سرده وتحليله إلى موضوع الفائدة فيوضح أنّه سيرجئ البحث فيها إلى وقت لاحق. أما في الجزء الثاني، فيقول «لا يمكنني فهم الرأسمال الثابت دون فهم الفائدة، لكنني سأتطرق إلى ذلك لاحقاً». وعندما وصل في النهاية إلى موضوع الفائدة في الجزء الثالث، كان النص معقّداً لدرجة أنّه ما من أحد استطاع فهم ما يريد قوله. لقد أثار جنوني وأنا أحاول أن أفهم ما كان يقصده. ما يمكن التوصل إليه بدون تعقيدات أنّ المؤسسات المقرضة هي أساسية في بداية المسار كما في نهايته. وهذا يعني أنّه في نهاية المسار، يجب أن يكون لديك مقدار كبير من التجديد والابتكار في ما يتعلق بعمل المؤسسات المقرضة.
ويمكن اعتبار التمدّن (urbanisation) الوسيلة الأهم لامتصاص الفائض. ففي عهد الإمبراطورية الثانية في باريس كان هناك ابتكار ماليّ عُدَّ أساسياً للطريقة التي يتحرك فيها الفائض. وتكرر الأمر مع العقد الجديد (النيو ديل) عندما ابتكر ما سمّي «اقتصاد الرهونات». فقبل الثلاثينيات، لم يكن بإمكانك الحصول على رهن عقاري لأكثر من ثلاث سنوات إلا مع شروط مالية تعجيزية. أتى فرانكلين روزفلت ووجد في الرهون وسيلة مهمة لتشغيل الفائض. فأنشئت مؤسسات جديدة لتحقيق ذلك مثل «إدارة الإسكان الفدرالية». وكان ذلك مناسباً جداً لأن أصحاب المنازل المثقلين بالديون لا يستطيعون التظاهر والإضراب، ما يجعل الرهون مفيدة جداً.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تطورت هذه المؤسسات وتحسّن تمويلها وأصبحت مشروعاً مدنياً كبيراً، فتحركت العجلة الاقتصادية عبر بناء البيوت والسماح للجميع بشرائها بواسطة الرهون. إذ إنّك تقرض الأموال للمتعهد ليبني البيت ثم تقرض المال لأي شخص كي يشتريه. ويصبح دور المؤسسات مهماً جداً.
ويمكننا الاستنتاج بأنّ التحديث المالي عبر المؤسسات ضروري لمسار الرأسمالية، انطلاقاً من النظريات الماركسية. تظهر في هذه المؤسسات سلطة الدولة. كان ماركس يعتقد بأنّه حتى في التراكم الأولي تكون الديون الوطنية الوسيلة التي يتم عبرها تنظيم كل ذلك. فالمؤسسات ليست دائماً خاصة، بل أحياناً تكون للقطاع العام، وللدولة دور مهم في تأمين المال وتنظيم هذه العملية.
من هنا يمكننا الحديث عن المشاكل والصعوبات التي تظهر داخل النظام الرأسمالي. فهل يمكنك تأمين رأس المال الذي تحتاج إليه بسهولة؟ ثم هناك العلاقة مع الطبيعة، اليد العاملة، التكنولوجيا وتنظيم عملية التشغيل، لنصل إلى كيفية بيع السلعة في نهاية اليوم. كلّ واحدة من هذه النقاط يمكن أن تعتبر حاجزاً، وفي حال حدوث أيّ خلل في أيّ منها تظهر الأزمة مباشرة.
المشكلة أنّ الناس يعتقدون بوجود نوع واحد من الأزمات، لكنني أعتقد بأنّ هناك عدداً كبيراً ومختلفاً من الأزمات التي يجب معالجتها، كلّ على حدة. أحياناً تظهر هذه الأزمات مجتمعة، فعندما تحلّ مشكلة العمالة تصل الأجور إلى مرحلة ركود، فماذا يفعل ذلك للاستهلاك؟ تحلّ أزمة على حساب افتعال أخرى. ما التوقعات هنا؟ ماذا نستطيع القيام به في ما يتعلق بأزمة التملّك، حين يكون الحل الوحيد هو الدخول في دين كبير. لهذا السبب، تضاعف حجم الديون العقارية منذ سبعينيات القرن الماضي.
لدينا كلّ هذه القضايا في ما يتعلق بعملية التدفق، لكن في الوقت نفسه فإن المركزية في النظام الاقتراضي تفضي إلى تناول الموضوع من وجهة الفائض وطريقة عمل الفائدة إلى جانب هوية الجهة التي تستطيع مراكمة الثروة عبر المؤسسات المالية والقطاع المالي.
فالقطاع المالي يتحرك نحو المركزية، وهناك ضغط كبير على المركز لابتكار طرق جديدة لاستخدام الفائض وتحريكه. هذه الطرق الجديدة تؤدي إلى الضغط باتجاه التجديد. اعترفت المصارف والقطاعات المالية المختلفة في السبعينيات بضرورة التجديد المالي. ومن هنا فإنّ التجديد المالي وإزالة القواعد (deregulation) أساسيّ لإنشاء الأسواق الجديدة، بعد مشاكل العمالة والضرائب في السبعينيات. كانت تلك فترة تحدّث فيها الناس عن ضغط الأرباح وأزمة العمالة، وأزمة الدولة الضرائبية. وكان الحل لأزمة الضرائب التجديد كما حصل في 1853 و1854 في باريس ومع «النيو ديل». التجديد في شكل الضرائب أصبح ضرورياً. والمشكلة بعد بدء التجديد هي معرفة طريقة عمله وهذا صعب جداً، وقد خاف الناس بعد حصول ذلك في السنوات العشر الماضية. إذ كان هناك إطار عمل منظّم، لكن العاملين في القطاع المالي وجدوا طرقاً للالتفاف عليه. فابتكروا سلعاً جديدة انطلاقاً من تلك القديمة، أي المشتقات المالية. وتوقّع البعض أن نصل إلى اليوم الذي سيتساءل فيه أحدهم عن جدوى هذه المشتقات المالية. ففي 1990 كانت سوق المشتقات غير مؤثرة فعلياً. وأنا مذهول من معرفة أنّ حجم سوق المشتقات المالية والنقدية يقارب منذ ثلاث سنوات 280 تريليون دولار، قيمتها الحقيقية 40 تريليون دولار. وتعجبت أكثر حين علمت أنّ الموثوقية في هذا السوق هي فقط 10 في المئة. وهذا مطمئن فعلاً!
هذا نوع من التجديد المالي سمّاه ماركس «تكوين رأسمال وهمي» (ficticious capital formation) وهو ليس سيّئاً بالضرورة. ففي البداية لا يمكنك العمل دون هذا التكوين. ومثال بسيط على ذلك أنّني أستطيع التوجه إلى مجموعة مستثمرين وأطلب منهم إعطائي مالهم لأساعدهم على الإثراء. المال ليس موجوداً فعلياً، فهو وهمي. ولكن إذا استطعت إثراءهم في نهاية اليوم يصبح الوهم حقيقة. إذاً هي مسألة البدء مع الوهم والانتهاء مع الحقيقة. ولذلك، فإن الرأسمالية تمارس دوماً نوعاً من المضاربة. وموضوع الخلاف اليوم هو ظهور من يدعو إلى عزل المضاربة عن مسار الرأسمالية. لكنّ المضاربة في قلب الرأسمالية. إذ إنّ الرأسمالية تضارب دائماً حول كل شيء: العثور على سوق أو سحب المال من جيبي لوضعه في جيوبهم. الرأسمالية هي نظام مضاربة من بدايته إلى نهايته. وهذه المضاربة ليست دائماً مؤذية، وخصوصاً عندما تبني شيئاً مفيداً في نهاية اليوم، أو عندما تنتج ثروة حقيقية. لكن يصبح من الصعب معرفة كيف يمكن إنتاج ثروة حقيقية من 28 تريليون دولار في السوق. والمشكلة هي أنّنا نضارب عندما نجزم بأنّ التريليونات هذه يمكن أن تنتج ثروة من السوق، فيما من يدير هذه الأموال يحصل على أتعاب تبلغ مليارات الدولارات في السنة.
فمن جهة، هناك إنتاج لثروة كبيرة من هذا العمل، أي ان المضاربة تترافق مع رأسمال وهمي يدور في السوق. فهل هناك وسيلة للتحقق من كيفية عمل هذا النظام؟ بالتأكيد لا. إذ إنّ هناك خللاً في القواعد الناظمة (regulation). فمنذ نهاية القرن التاسع عشر، برزت مشكلة في هذا الموضوع مع سيطرة يقوم بها من يحاول تطبيق هذه القواعد الناظمة على المؤسسات المسؤولة عن ذلك. والمشكلة اليوم أنّهم جعلوا سوق المشتقات المالية معقّدة إلى درجة أن لا أحد يفهم ما يحصل فيها سواهم. والحديث اليوم عن تنظيم القطاع يشبه الطلب من الذئب أن ينظّم نفسه. كل ما يفعله التنظيم هو تقديم سلسلة جديدة من التعقيدات تساهم في أن تسوء الأمور أكثر، حتى مع وجود أشخاص مستقلين لا ينتمون إلى العالم التنظيمي. الحل الوحيد يكون بإزالة بعض الأسواق المالية للتخلص من تجارة المشتقات المالية. لقد استطعنا العيش دونها قبل 1990.
ماذا يحصل عندما نفعل ذلك؟ بدايةً، سيفقد الأشخاص «التعساء» الذين يقبضون المليارات كمكافآت، الأسواق التي يعملون فيها. ربما سيتوجهون عندها للعمل في السياسة، وهذا مريح أكثر لنا. النقطة هنا هي تحديد المطلوب لإعادة هيكلة المؤسسات والأنظمة المالية. فالكل يشتكي من فشل التنظيم. فلماذا لا نستخدم الفائض في قضايا اجتماعية؟
المشوّق الآن هو أنّ الدولة تؤمّم المؤسسات المصرفية دون ممارسة أيّ سلطة عليها. أي كأنها تأخذ حصصاً وأسهماً دون امتلاكها لحقّ التصويت. هل تظنّ كمستثمر أنّ هذا عمل حكيم؟ هذا يعني «خذ مالي، لكن لن أستطيع أن أتدخل في كيفية صرفك له». هذا جنون مطلق. الوسيلة الوحيدة للعمل هي الضغط على جهاز الدولة ليكون هناك تأميم علني للأنظمة المصرفية. ونحن الآن نطلق عليه أية تسمية لأننا ببساطة لا نريد أن نعطيه اسمه الحقيقي «اشتراكي» أو «ماركسي» أو أي شيء «بغيض» مثل ذلك!
نصل إلى سؤال مهمّ عن الطريقة التي تتمّ عبرها إدارة الفائض والتعامل معه. في الثلاثين سنة الماضية كانت هناك محاولة حثيثة من أبناء الطبقات العليا للتحكم لوحدهم في الفائض، أي لإزالة أي مظهر لسلطة اشتراكية أو شعبية عن مصير الفائض ومن يأخذه.
هذا جوهر النيوليبرالية وما كانت عليه، وما ستستمر في أن تكونه، حتى يتم تناول أساس المشكلة وهو الإنتاج والنموّ الكبير للفائض وقصة 3 في المئة إعادة استثمار. كما يجب البدء بالتفكير الجدي في موضوع اقتصاد «الصفر في المئة نموّ» وهي نسبة غير متجانسة مع استمرار الرأسمالية.
هذه هي المشكلة الأولى، أي التحكم بالفائض وخفض إنتاج الفائض بطريقة أو بأخرى لا تخلق الضغط الذي تخلقه الآن. الأمر الثاني هو التفكير في كيفية استخدام الفائض بطرق تفيد المجتمع، على عكس ما يحصل الآن، أي تخليد السلطة الطبقية. إذ يتم استخدام الفائض واستغلاله وتكثيفه ومركزته في يد طبقة واحدة دون أخرى. ولن يتغير الوضع حتى نتحوّل إلى التحكم الديموقراطي بالفائض، أي عبر احتكار السلطة لوسائل الإقراض أو جعل الربح اشتراكياً. في السابق كانت هناك خطة جميلة اسمها خطة «ران مايدلر» في السويد، حول فرض ضرائب على أرباح الشركات ووضعها في صندوق اجتماعي. وكان من المفترض أن يقوم الصندوق بالاستثمار في هذه الشركات نفسها كي يستطيع بعد فترة التحكم بها للتخلص من الرأسماليين. لكن هذه الخطة فشلت. وقتها منحوا جائزة نوبل لميلتون فريدمان وغيره لأنّهم لم يحبّوا فكرة هذا الصندوق. تخيّلوا كم كان الهجوم الإيديولوجي كبيراً. هنا ما أراه أنا أحجية الرأسمالية التي استطاعت أن تستمر رغم كل هذه التغيرات على مدى السنوات وعبر التجديد التكنولوجي والتنظيمي والمالي وعبر التغيير الراديكالي لعلاقات العمل وتقسيمه.
(إعداد ديما شريف)



من مؤلفات هارفي

الإمبرياليّة الجديدة

صدر عام 2003 عن منشورات جامعة أكسفورد. يستخدم هارفي التحليل ‏الماركسي لفهم صعود الهيمنة الأميركيّة، التحديات الاقتصادية أمام الولايات المتحدة ‏الأميركية، ولماذا جرى اللجوء إلى الخيار الإمبريالي كمخرج من هذه الأزمة. يغرف هارفي من ‏ماركس، غرامشي، حنّة أرندت، وخصوصاً روزا لوكسمبورغ التي كانت أوّل من استعاد ‏مفهوم التراكم الأوّلي لدى ماركس. في هذا الكتاب، يقدّم هارفي للمرّة الأولى مفهوم «التراكم ‏بواسطة النهب» (‏Accumulation by dispossession‏) المستوحى من لوكسمبورغ، والذي ‏يسمح له بالنظر إلى الآليات الحديثة للإمبرياليّة التي قامت على تحالف بين سلطة الدولة ‏ورأس المال المالي.‏

‏تاريخ النيوليبراليّة

صدر عام 2005 عن منشورات جامعة أكسفورد. ينظر هارفي إلى ‏السياسات النيوليبراليّة كوسائل لإعادة السلطة الطبقيّة، ويستعيد تاريخ نشوء الفكر النيوليبرالي ‏الذي ربط بين فتح الأسواق والحرية الفردية، عارضاً الظروف التي سمحت بهيمنته من ‏كتابات فريدريك فون هايك إلى الريغانية، مروراً بتجربة تشيلي تحت حكم بينوشيه التي ‏شكّلت حقل التجارب الأوّل للسياسات التي روّج لها تلامذة شيكاغو. يفضح هارفي تناقضات ‏النيوليبرالية، متوقّفاً طويلاً أمام التجربة الصينية التي جمعت بين نيوليبرالية الخصخصة ‏والسلطة الطبقية وبين الحكم المستبد والإنفاق الحكومي الأقرب إلى الكينزيّة.‏

حدود رأس المال

صدرت طبعته الأولى عام 1982 عن دار «فرسو». يعتبر هذا الكتاب أهمّ ‏مساهمة في فهم الاقتصاد الماركسي خلال القرن العشرين. جهد جبّار قام به هارفي معيداً ‏تنظيم أفكار ماركس الاقتصادية، معتمداً على مجلّدات رأس المال الثلاثة و«الغروندريسه» ‏و«نظريات فائض القيمة»، وكذلك على كتابات اقتصاديين ماركسيين آخرين. يمكن القول إنّه ‏إعادة كتابة لرأس المال الذي لم يتسنّ لماركس أن يكمله، من أجل تقديم نظرية ماركسية بشأن ‏أزمات الرأسمالية، بدءاً من انخفاض معدلات الربح إلى الأزمات المالية كالتي نشهدها اليوم.‏