لماذا الآن؟ نكايةً باليساري التائب

عرف العالم بعد الانهيار السوفياتي طفرة في الأدبيات المحتفلة بـ«موت» ماركس ومدرسته «غير المأسوف عليهما». حتّى إن عدداً من أشدّ المتحمّسين السابقين لأطروحات الرجل انقلبوا عليه تحت شعار موت الإيديولوجيات. غير أنّ المتفائلين لم ينقرضوا، وقاوموا بأساليبهم حملة الهجاء، حتّى انهارت أسواق المال والبورصات، وباتت كتب ماركس من الأكثر مبيعاً في معرض فرانكفورت العالمي للكتاب. المجلة الفرنسية «لو نوفال أوبسيرفاتور» استبقت الانفجار، وتنبّأت عام 2003 بأنّ ماركس قد يكون مفكّر الألفية الثالثة

أرنست خوري
قبل تاريخ 15 أيلول 2008، كان الحديث عن «عودة كارل ماركس» أو عن صوابيّة قراءته التفكيكية للنظام الرأسمالي، وحيوية اعتماد مقاربة ماركسيّة منقّحة لرأسمالية القرن الواحد والعشرين ولمستقبل الاشتراكيّة (لا بنسختها الاجتماعية الأوروبية)، يندرج في واحد من سياقات عدّة:
ـــ إما تُقرأ على أنها كتابات تحاكي الترف الفكري المليء بـ«الينبغيّات» والتحليلات التي لا تخرج من الأوراق والمؤلفات عمّا يجب أن يفعله العمال ومضطهدو العالم المنضمّين حديثاً إلى نادي المستغَلّين.
ـــ إما توصَف على أنها جزء من كتابات تغذّي معجم «اللغة الخشبية البائدة» التي تنازع، رافضة الاعتراف بالقاموس الجديد للعالم الجديد، القائم على سرعة الربح وسرعة الموت وسرعة الاستغلال وسرعة اختراع سياسات خلق الحاجات والتسليع الاستهلاكي.
ـــ أو توضع أخيراً، في خانة تبذير الحبر على مجموعة أدبيات تبكي الزمن الضائع وأمجاده، وأثبتت عقمها بالتجربة بعدما مرّ عليها الدهر، رغم أنها لا تزال تثير شهية البعض (أو حنينه) ممن لم يعودوا قادرين على منافسة «قوانين السوق الخفيّة» و«روح العصر» بأدواتهم القديمة، فكرياً وتنظيمياً واجتماعياً وتقنياً وسياسياً.
لكن 15 أيلول 2008 حلّ على العالم كـ11 أيلول تماماً، ولن يعود بمقدور أحد محوه لا من الذاكرة ولا من التاريخ.
وقعت الواقعة، وانهارت تريليونات من التوظيفات والاستثمارات الوهمية، والحسابات الدفتريّة والأوراق المالية التي تكوّن عناصر الاقتصاد الوهمي الذي سرق وهج الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج. ومذاك التاريخ المفصلي، باتت عناوين الصحف والمجلات والدراسات، أشبه باعترافات تسلّم بصوابيّة ما أرساه «ماركس وشركاؤه» وخلفاؤه، من مدرسة ومناهج لتفسير الرأسماليّة على أنها حاملة تناقضات بنيوية ووظيفية، انفجارها حتمي، بالتالي لا بدّ من البحث عن البديل... الاشتراكي.
انفجرت الفقاعة المالية وامتدّ مفعولها كأثر الدومينو من «وول ستريت» إلى طوكيو ولندن فدبي، حاطّة رحالها في موسكو التي لم تعد أبداً حمراء.
وبسحر ساحر، أصبح جورج سوروس، أحد يعاقبة النيوليبرالية بشكلها الأكثر فظاظة، لا يخجل من أن يسرّ لإريك هوبسباوم، ذاك المؤرخ الماركسي البريطاني التسعيني، أنه في كل مرة يقرأ فيها ماركس، «يستنتج كم كان الرجل محقّاً»!
على الأرجح كلام حقّ يراد به باطل، واعترافات متأخّرة باتت تترجم على صفحات صحف ومجلات العالم الذي كاد ينسى ذلك الذي، عندما «باع» أوراق «رأسماله» إلى ناشره، تنبّه إلى أن البدل المادي الذي ناله، لا يعوّض كامل ثمن السجائر التي نفّخها على مدى سنوات كتابته لهذا المؤلّف الضخم الذي تركه ومات قبل أن ينجز فصله الأخير.
أصبح عادياً جداً أن نقرأ على صدور صفحات «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«نيويوركر» و«وول ستريت جورنال» و«فورين أفيرز» وشقيقاتها في الغرب الأوروبي، عناوين «غريبة» تشيد بماركس وتتخوّف من عودته في آن. كما أن «الوقاحة» وصلت بأصحاب القرار السياسي والاقتصادي (في الغالب يمثّلان فريقاً واحداً)، إلى اعتماد حلول (مؤقتة ترقيعية بالضرورة) تنتمي إلى معجم كان حتى الأمس القريب، بغيضاً و«شريراً» يذكّر بمآثم كبرى: التأميم، مشاركة الدولة في رساميل كبريات المصارف وشركات التأمين والمؤسسات المالية، وفرض رقابة حكومية على سياسات الإقراض والمضاربات المالية، إعادة توزيع فتات من الأرباح على قاعدة شعبية أوسع، فرض القيود على أرباح المدراء العامين والمساهمين في صناديق الائتمان...
لكن حتى قبل انفجار الأزمة المالية، كان التخوّف يرعب فئة ولو كانت أقلية، بعد سقوط جدار برلين. ومن أبرز من وضعوا يدهم على قلبهم حتى بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، مارسيل ميرل، وهو أحد أبرز الأساتذة «الليبراليين جداً» لمادة العلاقات الدولية في جامعات فرنسا. فميرل، وفي تقديمه لكتابه المرجعي «علم اجتماع العلاقات الدولية»، كتب ما يشير إلى «أسف» بما أن المستقبل «سيكون ملكاً للماركسيين بعدما ظننا أنهم انتهوا».
وفي المقلب الآخر، أي في معسكر من ظلّ مصراً على أن سقوط التجربة السوفياتية ونماذج «اللحاق» (كما يسميها سمير أمين)، من تجارب منظمة باندونغ إلى الاشتراكية الصينية والأنظمة «الثورية الوطنية» في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية... لا يعني عقماً في الفكر الماركسي أو منهجه. وهكذا بقي الاستسلام والتسليم بالواقع الذي تفرضه العولمة بشكلها النيو ـــ ليبرالي، بعيداً عن التحقق عند هذه الفئة.
كثيرة هي الأقلام والأسماء التي لم تستسلم. الفيلسوف الجزائري ـــ الفرنسي جاك ديريدا كان أحدهم. ففي عزّ مرحلة الانهيار الكبير، وتحديداً في عام 1993، وقبل أن يقتله السرطان بـ11 عاماً، اختار فيلسوف التفكيكية عنواناً يحمل جرعة كبيرة من التحدي لمؤلفه: «أطياف ماركس». عنوان لا يحمل شيئاً من البراءة، كونه مستوحىً من الفكرة التي استهلّ بها ماركس مقدمة بيانه الشيوعي في عام 1848: «شبحٌ ينتاب أوروبا، هو شبح الشيوعية. ضد هذا الشبح اتّحدت قوى أوروبا القديمة كلها: البابا والقيصر، مترنيخ وغيزو، الراديكاليون الفرنسيون والبوليس الألماني. فأيّ حزب معارض لم يتهمه خصومه في السلطة بالشيوعية؟...».
في هذا الوقت، كانت المجلّة الفرنسيّة «لو نوفيل أوبسيرفاتور» في تشرينَي عام 2003، تقرر السير بعكس التيار المهلل لنهاية التاريخ ولأفول عصر العقائد والأيديولوجيات ورسو البشرية على نموذج أوحد وأكمل لتنظيم علاقات ناسها: الرأسمالية بصيغتها النيوليبرالية.
عدد خاص بصيغة ملحق تصدره المجلة بعنوان استفزازي بالنسبة للبعض: «كارل ماركس، مفكّر الألفية الثالثة». عنوان مرفق بعلامة استفهام تحاكي النقدية التي اتّسمت بها دراسات الصفحات المئة التي كوّنت مواد الملحق عن «كل» ما يتعلق بماركس في الاقتصاد والسياسة والفلسفة والدين والأخلاق والمجتمع وعالم العمل وعلاقاته الإنتاجية...
صورة تنبّئيّة لوجه ماركس على غلاف العدد الخاص أضحكت لا شكّ الكثيرين. ففي خلفية الصورة، تظهر أوراق من الدولارات تطير، في مشهد كان سوريالياً في 2003، لكنه اكتسب واقعيّته بعد 15 أيلول 2008 عندما بات الجميع يفهم كيف يمكن أن تطير أمواله فعلاً... أو بالأحرى كيف يمكن أن تتبخّر أمواله لأنها لم تكن موجودة أساساً إلا اسمياً.
الصورة الضخمة المذيّلة بعنوان فرعي «كيف يمكن النجاة من تسليع العالم» تنذر بنوعية المحتوى. أبرز أسماء من لم يخجل من أنه «لا يزال يسارياً» في الغرب الرأسمالي، يكتبون عن ماركس. كل بحسب اختصاصه: يشيدون، ينتقدون، يدحضون، يدمّرون، وفي النهاية يجمعون على أن للرجل قيمة أكبر بكثير من معنويّة وفكرية تنتمي للتاريخ وكتبه... قيمة علمية حاليّة تصلح أكثر من أي وقت مضى لتكون خطّاً مسيراً لطرح بديل يضرب أساس فكرة أنه «لا بديل عن الرأسمالية».
ولمّا كانت «لو نوفيل أوبسيرفاتور» تشعر بضرورة تبرير توقيت صدور ملحقها، تولّى مؤسسها جان دانيال المهمّة؛ إنها أشبه بـ«نكاية» بميشال روكار، اليساري السابق التائب، ورئيس الوزراء الفرنسي في عهد الرئيس «الاشتراكي» فرانسوا ميتران.
فروكار كتب في ذلك العام: «كل مآسي اليسار تُختَصَر بأنه لم يفهم بعد أن ماركس مات وأن الرأسماليّة انتصرت: اليساريون يرفضون الاعتراف بالحقيقة». مطلِق تلك «النظرية» هو نفسه «الذي دأب طيلة شبابه (وقبل أن يتخلّى الحزب الاشتراكي الفرنسي عن مشروعه الاشتراكي)، على إعلان موت الرأسمالية لا ماركس» على حد تعبير دانيال. عبارة رئيس الوزراء الأسبق كانت كافية ليستنهض فريق عمل المجلة الفرنسية قواه، ويؤمّن مداخلات أبرز الأساتذة الجامعيين ليكتبوا عن فكر ماركس وماذا بقي منه اليوم. وقد حمل الملحق قيمة مضافة ملحوظة، عبّرت عنها مجموعة من الكادرات التي أتت بنبذة عن أهم الماركسيين الذين أتوا بعد ماركس، وذلك في أسفل صفحات أعطت للصورة الملوّنة المساحة الكافية لتقول ما تعجز عن قوله الكلمات أحياناً: تشارلي تشابلن حاضر وهو تأكله آلات المصنع في فيلمه الشهير «الأزمنة الحديثة»، وماركس صارخاً في وجه البشرية كلها وهو يرفع الـ«داس كابيتال» بيده اليسرى طبعاً، إلى جانب عمّال العالم المسحوقين في مصانعهم والمزارعين في حقولهم، ومناضلي الحركة البديلة للعولمة في شوارع بورتو أليغري وسياتل، وذلك الجورجي الضخم الذي يطبع وشم لينين وستالين على زنده العريض وبمقربة منه صورة إباحية...
ولم يفت مسؤولي المجلة تخصيص صفحات واسعة لـ«الجمالية الماركسيّة» (اسم كتاب لهنري آرفون)، مع 4 صفحات تحت عنوان «عمّال الفن» للوحات رسّامين مع تعليقات تتمحور حول العنصر غير المثار على نطاق واسع في اللوحة الفنية، وهو كيف تتكون اللوحة بعناصرها وظروف الفنان المعيشية وأبعاد المصير الذي تلقاه في ما بعد في بورصات المزادات العلنيّة حيث تباع بالأسعار الخيالية كأي سلعة يجري تبادلها في السوق.
ويشير دانيال في مقالته الاستهلالية تحت عنوان «حاجة غريبة إلى ماركس»، إلى أن تبويب المقالات والدراسات الواردة في متن العدد الخاص، تنطلق من خطّ مسيّر واضح، هو التعريف المعتمد لماركس عن العناصر الأربعة التي جعلت من المواطن الألماني كارل هاينريخ ماركس، أحد أبرز مفكّري التاريخ، ومن يدري فقد يكون مفكّر الألفيّة الثالثة. (يراجع هنا الكتيّب الذي وضعه لينين بعنوان الأسس الأربعة للنظرية الماركسيّة).
1ـــ من دراسته للفلسفة الألمانية على يد أستاذه هيغل، كتب المساهمون في العدد الخاص عن كل الجوانب الفلسفية عند مفكّرنا.
2ـــ ومن نقد الفيلسوف الألماني فيورباخ للدين، خرج ماركس بنظريته الإلحادية، التي راجعها عدد من الكتّاب والفلاسفة في العدد نفسه.
3ـــ ومن اشتراكيّة روّادها الأوائل، وأبرزهم سان سيمون الفرنسي، كتب ماركس ما كتبه عن الرأسمالية والجدلية المادية وعن ثقافة البورجوازية وصراع الطبقات وعن آليات الإنتاج وعلاقاته... وهي العناوين التي وجدت من يعالجها بجديّة تفسح المجال واسعاً أمام النقد العلمي الذي لا يصل إلى حدّ اعتبار أن الماركسيّة انتهت لأنّ «ماركس مات» (فكرياً) كما أراد روكار.
4ـــ ومن الاقتصاد الرأسمالي الذي وضع لبناته الأولى البريطاني آدم سميث، استوحى ماركس تفكيكه للرأسمالية المحكومة بحتمية انهيارها، وهو ما سيكون موضوع المقالات التي امتدّت على صفحات الملحق المذكور.
الخطّ المسير لمواضيع المقالات محكومة إذاً بالمصادر الفكرية الأربعة التي كوّنت عقل ماركس، رغم أن ريمون آرون (غير الماركسي) يفضل اختصار الرجل بجانبه الاقتصادي، على اعتبار أنه «النبي الفاعل» الذي لا يزال «أفضل من فهم آليات عمل الرأسمالية على الإطلاق». في المقابل، فقد فضل ألبير كامو وضع ماركس في خانة أوسع: إنه «نبي بورجوازي ونبي ثوري» في الوقت عينه.
إذاً، الجدل حول ما إذا كان ماركس فيلسوفاً وعالم اجتماع وعالم أنثروبولوجيا ومؤرخاً وعالم سياسة واسعاً. وهو موضوع أبحاث ودراسات شغلت العالم، ولم يغب عن بال من كتب عن الرجل في العدد الخاص للمجلة الفرنسية.
وينقسم العدد الخاص إلى قسمين رئيسيين:
الأوّل يحمل توقيع كتّاب عالجوا قضايا الماركسيّة وأرضيتها في الولايات المتحدة (أنطوني أرنوف وهوارد زين)، ونظرية المساواة في فكر ماركس (روسانا روساندا)، وكيف لا يزال يحوم طيف أو خطر احتمال إعادة الأخذ بنظريات ماركس في الاقتصاد (جورج لابيكا)، والحركة البديلة للعولمة ومدى حملها نهجاً ماركسياً في التحليل من عدمه (تحمل مقالة لوران جوفران موقفاً سلبياً للغاية من حركة المنتدى الاجتماعي العالمي، من ناحية أنه لا يحمل الكثير من فكر ماركس ولا من مشروعه ولا من نهجه في التحليل).
ويتضمّن هذا الجزء الأوّل، مساهمات عن علاقة ماركس بالدين (يانيس كوستانتينيديس) وكيف تأثّر عدد كبير من المثقفين المسلمين بأفكاره، حتى باتت الأصولية الإسلاميّة بنسختها الوهّابية «شكلاً من التجذير لفشل الاشتراكيّة والتيارات القومية في العالم العربي» على حدّ تعبير بول بالفانات.
وأفرد بول زاريمبكا مساهمته لتبيان الفوارق الموجودة بين ماركس ولينين من نواحٍ عدة، أبرزها في تحديدهما شروط الثورة ومدى توافر الأرضية لقيام رأسمالية في روسيا وفي نظرتهما للمسألة الزراعيّة وفي تبرير «الحروب العادلة» والحروب «غير العادلة».
ولأنّ «تلامذة» ماركس من الجيل الأوّل، طبعوا تاريخ حقبة طويلة من عمر البشريّة، خصّص دومينيك كولاس مساحته للحديث عن الصراعات المزمنة بين تروتسكي ولينين وكاوتسكي وبرنشتاين وباور وستالين على مختلف قضايا معلمهم، في مسألة الحزب الواحد ومعضلة القوميات وشروط الثورة وتلك «الدائمة»...
و«الأخلاق» الغائبة نوعاً ما عن أدبيات ماركس، كانت موضوع مساهمة إيفون كوينيو الذي ذكّر بنظرة ماركس إلى الأخلاق على أنها غالباً ما تكون بورجوازية، والنقلة التي أدخلها ستالين إلى «الأخلاق» عندما شرّع توسّل المكيافيلية في السياسة بينما كان ماركس يرى العمل في سبيل الشيوعيّة «واجباً أخلاقياً».
والقضايا النظرية المطبوعة بختم الماركسية، عالجها فرانك فيشباخ الذي أعاد الاعتبار للمادية التاريخية لا على أنها نظرية تنتمي إلى التاريخ، بل أداة تحليل صالحة اليوم مع مراعاة كامل التغيرات التي طرأت على البنى المجتمعية وعلى طبيعة العمل وأدواته الإنتاجية. وتولّى أندريه توسيل الكلام على «هواية» النقد ونقد النقد عند ماركس، بينما أخذ نيكولا ترتوليان منحى تفصيل «فلسفة ماركس» التي لم تعرف تطبيقاً لأن هناك إشكالية حول ما إذا كانت أصلاً فلسفة بحسب المعايير العلمية. على الأرجح لم يكن ماركس ليعبأ بهذا النقاش، لأن موقفه من الفلاسفة أصبح مضرب مثال: «الفلاسفة لم يفعلوا سوى تفسير العالم، بينما المطلوب هو تغييره».
فلسفة أو لا فلسفة، الأكيد أن ماركس تأثّر في جدليّته بصورة واسعة بهيغل، ولذلك، يضيء أوليفييه تينلاند على الموضوع لمحاولة تقدير «الدَّين» الذي تركه الأستاذ على تلميذه في نظرية الجدلية التي دفع بها ماركس إلى حدودها القصوى لتكون السند النظري الأساسي لدعوته الثورية.
و«درس ماركس» هو أنه لم يقرأ جيداً حتى من أكثر المتحمّسين لادعاء الانتماء إلى الماركسيّة، بحسب ما يخلص إليه أندريه بورغويار في مساهمته.
بدوره، يجهد أوليفييه باسكو في توضيح ومناقشة ما كان يقصده ماركس عن الفنون التي تشوب تطوّرها وتطوّر المجتمع أزمة تفاوت بالسرعة، وهو ما جعله يصنّف الفنون كما الأخلاق والقوانين... فئتين: فنون بورجوازية وأخرى للبروليتاريا.
ولأن ماركس ورفيق دربه فريديريك انغلز لم يقرآ سوى مؤلّف واحد لداروين، هو «جذور الأجناس» (الصادر في عام 1859) بحسب تأكيد باتريك تور، فإن الباحث يحاول إعادة وصل ما انقطع بين فكري ماركس وداروين.
أما الجزء الثاني من العدد الخاص بالمجلة الفرنسية بعنوان «العالم بحسب ماركس»، فيحمل قيمة أكثر آنية على اعتبار أنه ينطلق من إشكاليّة رئيسية: كيف نفهم العالم الرأسمالي اليوم من خلال المفاهيم السبعة المفتاحيّة للفلسفة الماركسيّة؟: صراع الطبقات، الأمة، الاغتراب، الأزمة الدائمة، الأيديولوجيا، السلعة، واليوتوبيا.
وبالنسبة لأوستاش كوفيلاكيس، فإنّ واقع صراع الطبقات في يومنا، (سـ) يبقى مفهوماً من الصعب مناقشة مدى حقيقته، لأنه كان ولا يزال محرّك التاريخ، حتى في دول كفرنسا عاد الحديث مقبولاً جداً عن «مجموعة اجتماعية عمالية» صاحبة مصالح وحقوق، لدرجة أن الكاتب يتوقّع مزيداً من الوعي الطبقي (غير الزائف) وخصوصاً عند الفئات الآخذة في التمدّد والتوسّع، من دون أن يبقى كوفيلاكيس واثقاً من فكرة أنّ الثورة العمالية تبقى بمفهومها الذي بلوره ماركس قابلة للتطبيق.
تطبيق في «أمّة» يعرض برنار بيلوال الاختلافات النظرية الكبيرة التي شابت الكتابات الماركسية واليسارية عموماً حولها: هل هي نقيض للمصالح الطبقيّة للبروليتاريا باعتبار أنها مرحلة تاريخية كرّست مصالح البورجوازية؟
يبدو كل من المفكّرين نيكوس بولانتزاس وإميل سيكار اللذين يُعدّان من أهم من ناقش هذا المفهوم عند ماركس، واثقين من أنه «لا وجود لنظرية ماركسية عن الأمة». في المقابل، يسير «النيوماركسيان» طوني نيغري ومايكل هارت، في مؤلّفهما «امبراطورية» (الذي يوصَف بأنه إنجيل الحركة البديلة للعولمة) في خطّ «متشدّد» في إشارتهما إلى أن مفهوم الأمة لا يكون رجعياً إلا عندما يُطرَح على أنه «ثوريّ». وهنا يطول النقاش عن دقّة تلك الملاحظة، وخصوصاً في أدبيات اشتراكيي القرن الواحد والعشرين، الذين يصبّون أهمية استثنائية على مفهوم التكتلات الإقليمية التي تبدو شبيهة في بعض عناصرها، بما كانت «الأمة» ـــ كمفهوم تاريخي ـــ تتمتع به من خصائص «تقدمية» في مرحلة وستفاليا في القرن 17 (تراجَع هنا أدبيات أبرز من كتب عن القوميات في أوروبا إريك هوبسباوم).
فهل السعي في أميركا اللاتينية إلى توحيد قوى دول القارة الجنوبية على الطريقة البوليفارية يندرج في إطار رجعي شوفيني يتناقض ومصالح الطبقات المضطهدة في العالم، أم هو عكس ذلك، يمثّل سياقاً مطلوباً لمواجهة الامبريالية الثلاثية الأميركية ـــ الأوروبية ـــ اليابانية؟
أما «الأزمة»، فهي عند غي كار، المصطلح الملازم بالضرورة للرأسمالية بسبب التناقضات البنيوية التي تحملها آلياتها وعلاقات الإنتاج التي تولّدها. فالأزمة (المالية اليوم)، تحصل بنتيجة التناقض الحاصل بين الطابع الاجتماعي للإنتاج من جهة، والطابع الخاص لوسائل هذا الإنتاج وللقرارات الاقتصاديّة من ناحية أخرى. هكذا لا تعود الأزمة عنصراً غريباً على الرأسمالية بمختلف مراحلها، بل على العكس، عنصراً مكوّناً لها.
وفي ما يتعلق بالأيديولوجيا، فإن ماركس اختصرها بمجموعة ثرثرات وأفكار وحجج تُجمع في أنساق فكروية تؤلف بنية فوقية للطبقة البورجوازية لتبرير تحكّمها بالإنتاج وبوسائله (بالتالي بالسلطة السياسية). بيد أن إيزابيل غارو تبدو مشككة في قدرة استمرار تسلّط هذه «الأفكار الروحية» للرأسمالية.
وبين الأيديولوجيا واليوتوبيا، شبَه كبير، على الأقل في اعتبار ماركس أن اليوتوبيا خطر حقيقي على مصالح الطبقات الشعبية، وسببه في ذلك موجب: «اليوتوبيا استطاعت أن تحوّل مسألة الملكية إلى قضية أخرى عن طريق الاغتراب الفكري (الذي ناقشه أوليفييه باسكو في مداخلته)، وهي علاقة العمل المرتبط بمسار تطوّر البشرية». وهكذا، فإن اليوتوبيا موجودة في كل ما نرغب في تغييبه، من هنا يُفهَم رأي ماركس ليس بالفلسفة والفلاسفة فحسب، بل أيضاً في الاشتراكيين الأوائل المثاليين (سان سيمون وفورييه...) كما يوضح ميغال أبانسور.