المثقفة السعودية تبحث عن مكانها في عالم للرجال
علاء اليوسفي
رجاء الصانعلطالما شكّلت المرأة السعوديّة حدثاً إعلامياً في المملكة رغم إقصائها وتهميشها. ولعلّ هذا التهميش كان وراء دفعها إلى الواجهة الإعلامية. آخر تلك الأحداث كان القرار «الثوري» بتعيين أول امرأة في تاريخ السعودية في منصب نائب وزير. ثريا قابل من الأديبات اللواتي حوربن في السبعينيات ووُصفت بأنّها «متحدّثة بلسان إبليس» لأنّها كتبت بعض أغاني طلال مداح ومحمد عبدو باسمها الصريح. وقد عدّ ذلك خرقاً للأعراف السائدة. لكنّ 11 أيلول (سبتمبر) 2001 شكّل نقطة تحوّل في المملكة، طاول قضية المرأة وأنتج تجاذباً خفياً بين السلطة السياسية التي سعت إلى إحداث القليل من التغيير والتيّار السلفي الذي رأى في التغيير تهديداً للنسق الاجتماعي القائم. هكذا بدأت المرأة تشكّل مادةً إعلاميةً تُقرأ على أنّها حدث، فكانت المرّة الأولى التي تشارك في مهرجان المسرح، ولو لم يُسمح لها باعتلاء خشبته، والمرة الأولى التي تُعيّن فيها أول امرأة في مجلس إدارة جمعية المسرحيين السعوديين، وتشارك في الأندية الأدبية...
تغيّر الزمن لكن القضية لم تتغيّر. بعدما كان مستنكراً أن تكتب باسمها الصريح، صار مستنكراً أن تُنشر صورها في الصحف حتى لو (خصوصاً إذا؟) كانت من الأسرة الحاكمة... وهذه حال التشكيلية الأميرة نوف نبت بندر التي منعها أمير منطقة الرياض من نشر صورها بعدما ظهرت في مقابلات صحافية!
لكنّ الجدار الاجتماعي في وجه «نصف المجتمع» لم يكتمل. سرعان ما وجدت المرأة ثغراً دخلت عبرها إلى التجارة، وإن فُرض عليها توكيلها إلى رجل، وعبر الفنون والرواية. إذ شكّلت محركاً في الطفرة الروائية التي حدثت في السنوات الأخيرة، وطغت عليها معاناتها. وهذه حال روايات «ملامح» لزينب حفني، و«جاهلية» ليلى الجهني، و«بنات الرياض» لرجاء الصانع...
هذه الانتفاضة النسويّة بيّنت صحة ما تنبأ به الطيب صالح منذ عقود بأنّ الرواية في السعودية ستكتبها المرأة. إذ شهدت السنوات الأخيرة صدور 150 رواية أغلبها لكاتبات وجزء منها بأسماء مستعارة. وهذا يدل على أنّ الأدب كان وسيلة للتفريغ. هذا المعدّل لم يشهده الأدب السعودي قبلاً، إذ ظهرت أول رواية تكتبها امرأة عام 1963، مع «بريق عينيك» لسميرة خاشقجي. وطوال الستينيات والسبعينيات، لم تظهر سوى 13 رواية نسويّة مقابل 39 رواية للرجال. وكشفت دراسة حديثة شملت 45 رواية نسوية قام بها الباحث منصور المهوس أنّ صورة الرجل في الرواية النسوية السعودية هي صورة المتسلّط والعابث.
لكن الطريق ما زالت طويلة. منذ شهرين فقط، ألغيت أمسية كان يُفترض أن تحييها الشاعرة والإعلاميّة السعوديّة حليمة مظفّر. وكان يُفترض أن تلقي قصائدها بمشاركة عبد العزيز الشريف ومحمد الغامدي، بدعوة من «نادي الجوف الثقافي»، أمام جمهور مختلط من النساء والرجال... واحتجّ متزمتون على هذا «الاختلاط» المشين، فما كان منهم إلا أن أحرقوا الخيمة التي كانت ستؤوي اللقاء.





