الهروب من المراجعة

خالد صاغية
صناديق لم تُفرَز... خلل في تنظيم اليوم الانتخابي... إنفاق مالي سياسي ضخم... أعداد هائلة من المغتربين... تدخّل الدول الغربيّة تدخلاً سافراً لدعم فريق معيّن... هذه عيّنة من التفسيرات التي أعطتها المعارضة لفشلها في الانتخابات النيابيّة. ثمّة من أضاف أيضاً: دور رجال الدين... تدخّل رئيس الجمهوريّة... ولم يغفل البعض عن إلقاء اللوم على الإقطاع! كأنّ هذه المكوّنات لا يحقّ لها العمل في السياسة، أو أنّ تأثيرها الانتخابي ما كان ينبغي أخذه بعين الاعتبار قبل بدء المعركة.
لعلّ أسوأ ما يمكن أن تقدّمه المعارضة بعد هزيمتها الانتخابيّة هو هذا النوع من التسويغات التي لا تعني إلا هروباً من المراجعة المطلوبة لخطابها السياسي. ورغم أنّ من واجب المعارضة رفع معنويّات جمهورها، فإنّ ذلك لا يمكن أن يجري عبر التمييز بين الأكثريّة الشعبيّة والأكثريّة النيابيّة، لأنّ ذلك من نوافل الديموقراطيّة. فما بالك إن كانت الانتخابات قد جرت وفقاً لقانون حاربت المعارضة من أجله، ووافق عليه الآخرون على مضض؟
ينبغي التوقّف عند مجموعة من الأمور:
أوّلاً، في المذهبيّة: صحيح أنّ الانقسام السنّي الشيعي في البلاد ليس إلا فرعاً من انقسام مذهبي على صعيد المنطقة ككلّ، وصحيح أيضاً أنّ الموالاة كانت تخيّر المعارضة بين الفتنة والانصياع، وصحيح أنّ حزب اللّه كان يعرف أنّ مقاومته هي الخاسر الأكبر من مسألة الفتنة، إلا أنّ الصحيح أيضاً أنّ من السهل تفكيك «كودات» الخطاب السياسي للمعارضة لينفضح طابعه الطائفي. أضف إلى ذلك أنّ حزب اللّه بدا في سلوكه يائساً من استمالة شرائح واسعة من الجمهور السنّي (راقبْ معاملته لرموز المعارضة السنّية)، وفضّل خوض التحدّي عبر الرهان على الحصان المسيحي، مع ما يعنيه ذلك من حصار للطائفة السنّية، بدلاً من البحث عن أرضيّة مشتركة معها.
ثانياً، في اليوم المجيد: صحيح أنّ الموالاة خاضت حملة شنيعة ضدّ جزء من الشعب اللبناني وحاولت عزل واحدة من كبريات طوائفه، إلا أنّ السلوك الأرعن في السابع من أيّار لم يكن ردّاً موفّقاً. فما حدث بقي راسخاً في الذاكرة الجماعيّة لجماهير وجدت في صندوق الاقتراع فرصتها للانتقام. ولعلّ أحد أبرز الوجوه الإيجابيّة لنتائج الانتخابات هو تنفيسها للاحتقان الذي كان سائداً لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، وخصوصاً لا حصراً لدى أبناء الطائفة السنّية.
ثالثاً، في قانون الانتخابات: رغم اعتراض بعض أجنحة المعارضة، قرّرت هذه الأخيرة دعم خيار فصيلها المسيحي في اعتماد قانون انتخابات 1960 الذي يعتمد على النظام الأكثري والدائرة الصغرى (القضاء). وقد تصوّرت أنّ قانوناً كهذا يحمي «الصوت المسيحي»، وأنّ إقراره يزيد من شعبيّة العماد ميشال عون لدى المسيحيّين باعتباره هو من «أعاد الشراكة للوطن». وأهملت المعارضة كلّ التحذيرات من العودة إلى قانون كهذا في ظلّ الانقسام المذهبي الحادّ. لا بل عمد التيار الوطني الحر إلى النفخ في النار الطائفية عبر التشديد خلال حملاته الانتخابية على «تحرير» الأشرفيّة وسائر المناطق ذات الثقل المسيحي. وحرب التحرير هنا موجّهة طبعاً ضدّ أبناء البلد من الطوائف الأخرى.
رابعاً، في وثيقة التفاهم: لم تحسن المعارضة تسويق مضمون وثيقة التفاهم لدى الجمهور المسيحي. ورغم الجهد الهائل الذي بُذِل لكسر الجليد بين الجمهورين المسيحي والشيعي، فإنّ هذا التقارب بقي مبنيّاً على «تحالف» في وجه الآخرين أكثر منه «تفاهماً» على نقاط سياسية ووطنية مشتركة. هكذا اكتشف العونيّون في حملاتهم الانتخابية أنّ جمهورهم لم يستوعب بالضرورة مسألة سلاح المقاومة، وأنّ نقاط التفاهم ليست إلا حبراً على ورق.
خامساً، في الاقتصاد: رغم فداحة السياسات الاقتصادية التي اتّبعها تيار المستقبل منذ انتهاء الحرب الأهليّة، جاء خطاب المعارضة مائعاً في هذا المجال، وكاد يُختصَر بأناشيد مكافحة الفساد التي كان يطلقها العماد عون كلّما سنحت له الفرصة، مهدّداً بفتح الملفّات، كأننّا أمام حرب بوليسيّة. وإن كان ذلك يدغدغ مشاعر بعض أبناء الطبقة الوسطى، فإنّه لا يمثّل مطلباً لدى الفئات الشعبية المستفيدة مباشرة من قنوات الفساد والهدر.
سادساً، في بناء الدولة: رفعت المعارضة شعار «بناء الدولة القوية والقادرة والعادلة». إلا أنّ سلوكها في معظم وزاراتها، وطريقة اختيارها لمرشّحيها، وفقر برامجها، جعلت من هذا الشعار كلاماً في الهواء. أضف إلى ذلك أنّ الدولة لا يمكن أن تبنى مع إحساس طائفة كبرى بالقهر، وقد كرّرت المعارضة في هذا المجال خطيئة الموالاة. وما توزُّع الأصوات السنّية في الانتخابات إلا دليل على أنّ المعارضة، في حال فوزها، لم تكن مؤهّلة لبناء دولة جامعة. أمس، أعلن الأمين العام لحزب اللّه أنّ فرصة بناء الدولة لا تزال موجودة. لندع شعار بناء الدولة الفضفاض جانباً. ما يمكن قوله في هذا السياق هو أنّ العودة إلى الحدّ الأدنى من الاستقرار الذي كان موجوداً قبل أربع سنوات، باتت ممكنة. فالمقاومة خرجت أكثر تواضعاً، والموالاة فازت في ظلّ سياق دوليّ يجعل فوزها غير قابل للصرف في سوق إلغاء الآخرين.


عدد الاربعاء ١٠ حزيران ٢٠٠٩
أرسله Alnauras (لم يتم التحقق) يوم جمعة, 2009-06-12 15:09.

من المحزن أنه بعد تجربة العقودالماضية أن يعود لبنان لحضن الطائفية, طائفية الإنتخابات لن تنتج ديمقراطية ولا يمكن لقوى غير متجانسة في توجهاتها العامة الجلوس معاً في برلمان واحد. لا أقصد في التجانس التطابق في الرؤيا السياسية بل اللقآء على أرضية المصلحة الوطنية العامة. التنافر واضح والتباعد في الممارسة واضح, ليس هناك ما يجمع من يفرط بالمصلحة الوطنية والتعامل مع الدبابات الغازية ومع من يقف بوجه هذه الدبابات, المصالحة الوطنية تقتضي المصارحة الوطنية أيضاً والتلاقي على خدمة الوطن, وهذا لن يتم من خلال قبول التدخل الخارجي في الشأن الوطني لحد إغراق البلد بالمال الذي يدفع لشراء ذمة الناخب. ليس هناك بلد في العالم يحتوي على طبقة "سياسية" شبيهة بما هو الحال عليه في لبنان, كما ليس هناك بلد في العالم يصل فيها التدخل الخارجي في الحياة السياسية إلى الحد الذي تصل فيه في لبنان, سفراء ووزراء دول أجنبية يتدخلون بشكل سافر وقبيح ويحاولون فرض تصورات وسياسات بلادهم على (سياسيين لبنانيين)!! لقد أنتخب اللبنانيين نواباً للمجلس منهم " 20 للسعودية و 10 لمصر و 20 لإيران و 15 لأمريكا و...". بالله عليكم, كم إنتخبتم من هؤلاء للبنان!!

لهذالا يمكن محاكمة المعارضة بشأن مراجعتها لل "الهزيمة بالإنتخابات" لأن المعارضة كانت تواجه فعلياً كل من رحب وهلل لنتائج هذه الإنتخابات, بدأً من مصر ومروراً بالسعودية والدول الأوربية وإنتهاءاً بأمريكا وإسرائيل.
أنا أنتمي لبلد عربي تتحكم فيه ديكتاتورية عسكرية أتمنى أن تزول, لكن لا أتمنى أن يكون ما بعد الديكتاتورية زعماء طوائف وتجار شعوب والكلمة لمن يدفع أكثر.

أرسله زائر (لم يتم التحقق) يوم خميس, 2009-06-11 16:58.

فعلا حصلت اخطاء من المعارضة ،ولكن لا ارى اين "الكودات" التي تفضح طابعها المذهبي؟ الا اذا كانت الاضاءة على سياسات الحكومة السنيورية والمستقبلية هي كود طائفي وممنوع الحديث عنهم كونهم ممثلين للسنة ، دائما لازم نتفادى قول الحقيقة لكي لا تتسبب بفتنة طائفية، تغاضينا عن العملاء عام 2000 اكراما للبطرك لكي لا تحدث فتنة اسلامية مسيحية ،وايضا في حرب تموز كانت عمالة وتعاون السلطة السنيورية مع اميركا وتوابعها واضحة للاعمى وبيكفي "فضحية مرجعيون" وحدها تستدعي محاكمتهم جميعا ولكن بردوا غضوا النظر لان السلطة الفاجرة واتباعها قاموا الدنيا وصارت القصة الشيعة عم بتخون رموز السنة ولك حتى صار ممنوع تنتقد السعودية لانها رمز السنة. مين يلي اجتاح بيروت في 7 ايار ؟ يلي اجتاح بيروت هم ابناءعكاراما من نزل من المعارضة بالسلاح هم ابناء بيروت الا اذا كنت من الذين يعتبرو ان ابناء بيروت هم فقط من الطائفة السنية . ماذا عن احداث الجامعة وعن مجزرة حلبا؟ منن عالم هول مع انن من الطائفة السنية ، ام لانهم ذبحوا على ايدي السنة فلا مشكل ؟ حضرتك مصر ما تفهم كلام سماحة السيد بعد سنة رجعوا يطبلوا ويزمروا في هذا اليوم دون خجل . قلي اليس يوما مجيدا يوم قطع دابر الاستنزاف والاستفزاز الطائفي اما ان الذين سقطوا بالمفرق ليس لهم سعر؟؟ جمهور المعارضة فاض فيه من كثرة صبر قادة المعارضة على عهر وفجور 14 الشهر ومشكلة سماحة السيد هي انه صادق وشفاف مع نفسه ومع جمهوره اكثر من اللزوم ولا يمكن ان يلجا الى اساليبهم القذرة.

أرسله زائر (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-06-10 23:51.

استاذ خالد اذا فيك تقرص هالحزب الشيوعي، الله، بلكي ولنو بيكحلوننا عيونا بشي بيان على القليلة، بلكي بيان شوي واضح وما في ضربة عالحافر وضربة علمسمار، ويكون شوي واضح اذا بتريدوا لأنو الحزب ضايع ومضييعنا بمواقفو الغريبة. معليش عم نطلب منك هل شي، بس كان أملنا صغير بهالحزب هلق بطل في أمل أبداً... فالله يخليك شي قرصة صغيرة بلكي بيحركو "ط..." شوي. انو البلد عا كف عفريت، والتفاوت الطبقي عم يضوي ويطفي، والمذهبية عم تلعلع، فخليهن يحطوا شوي مركزيتن الديمقراطية الفاشلة عجنب، وبلكي خالد حيادي كمان، وخليهن يكمشو شوي مصالحن الخاصة ويطلعوا على هالشباب الضايعين واللي ما حدا عم يتلقفن الا الأحزاب الطائفية.
شي قرصة وحياتك بلكي بينهزوا

أرسله زائر (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-06-10 12:14.

يسلم بقّك يا أستاذ
لو انك بس اترشحت ع الانتخابات...
يعني في محدلة المراجعة الوطنية
كان الوطن، يا سيدي والمنظقة، بكونو ممنونين

أرسله زائر (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-06-10 10:09.

السبب الاول لخسارة المعارضة هو الحملة التسويقية التي نفذت من قبلها معتبرين ان لبنان بلد حضاري و شعبه لديه حس الوطنية, بالمقابل كانت الموالاة تذكر ب 7 ايار الذي يعتبر نتيجة حتمية لمحاولة تغيير هوية لبنان.sois belle et vote كان يجب ان تكون لا تنسى السبت الاسود, لا تنسى حاجز البربارة,لا تنسى الخوات في الشوف و المجازر التي حصلت, لا تنسى الضرائب و من هو السبب الاول للوصاية السورية,لا تنسى من اهدى مفتاح بيروت لغازي كنعان,لا تنسى من يرفض تخفيض سعر صفيحة البنزين, لا تنسى من قال لك يوما "البس نصف نعل اذا انت متوسط الدخل او على حافة الفقر" خطاء المعارضة انها تعاملت باخلاق مع فريق يشتري الاصوات ويههدد الشعب. نحن ايضا لن ننسى هذا ما نسيت المعارضة ان تقوله.

أرسله زائر (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-06-10 08:10.

كوننا نحترم بعض الموضوعيه التي تتحلى بها نرجو أن تخبرنا بمقال كامل عن الوسائل والطرق المتاحه التي كان يمكن لحزب الله أن يتبعها للرد على قرارات /5/ ايار المشؤومه بحيث لا يتهمه مثقف مثلك بهذه المجانيه المرفوضه بأنه تصرف تصرفا أرعن . ترى هل عشعشت الطائفيه فينا الى الحد الذي يمكن من خلاله أن نراها في لا وعي علماني مثلك ونستشفها في كتاباته مهما حاول أن يتصنع الموضوعيه ولكنه يفشل عندما يكتب عن أمر لطائفته علاقة بها

أرسله معارض علماني (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-06-10 19:33.

رداً على المواطن الذي طلب وسائل بديلة عن السلاح

هنالك طريقة العصيان المدني وهنالك أن يستقيل جميع نواب المعارضة من مجلس النواب

لم تكن طامة كبرى موضوع إقالة موظف في المطار ولا تستحق بالتأكيد إشعال حرب أهلية

أما موضوع الشبكة السلكية فكان يمكن للمعارضة بالتأكيد الرهان على أن الجيش لن ينفذ هذا القرار الذي يتعارض مع عقيدته الوطنية

ولكن الحسم العسكري السريع بهذه الطريقة يؤكد بأن المعارضة كان لديها هذه الخطة المسبقة

أما في موضوع مقاتلي عكار فقد أثبتت الوقائع أن المعارضة بالغت في توصيف الموضوع

أما ما قاله السيد حسن بخصوص خطة من فبل الموالاة لتقسيم بيروت مذهبياً وعسكرياً فيحتاج إلى دلائل

وتبقى نظرية الإتفاق على افتعال 7 أيار من قبل الطرفين للوصول إلى إتفاق الدوحة بدون إحراج أمام جمهوريهما قائمة

أرسله إسكندر (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-06-10 04:01.

شكراً يا خالد:

لقد وضعت النقاط على الحروف . و أكرر بأنك كنت دائما من أصحاب هذا الرأي الذي عبرت عنه سابقا في مقالات عديدة ؛ و بصراحة بعكس كثيرين في "الأخبار" الذي حملوا لواء المعارضة دون أي كلمة نقد لنهجها حتى أنهم نظروا بأن المعارضة عندها برنامج تغييري و أن مستقبل لبنان متوقف على فوزها.