ليس دفاعاً عن فاروق حسني، ولكن...
محمد خير
فاروق حسنيينسى بعضنا أحياناً أن إسرائيل خطر وجودي، فتأبى الدولة الغاصبة إلا أن تذكّرنا بهذه الحقيقة. من هذا المنطلق فقط، يمكن فهم المعركة التي شنّتها الدولة العبرية ـــــ ويستكملها أصدقاؤها ـــــ على فاروق حسني. على الرغم من أنّ الوزير الأقدم في الحكومة المصرية لم يخل ملفّه يوماً من انتقادات عنيفة، ولم ينل قط إعجاب الطيف الواسع من المثقفين المصريين، وظل الشك حائماً باستمرار حول صفقاته الخاصة وعلاقته بالآثار، وحقيقة مواقفه من التطبيع والأصولية، فهو لم يحسم ــــ حسماً نهائياً وواضحاً ــــ مواقفه من القضيتين الأكثر إلحاحاً على الضمير الجماعي المصري...
رغم كل ذلك، يبدو أن إسرائيل تجد فيه خطراً ما، أكبر مما يتوقعه الذين يعرفونه فعلاً. إنه خطر عروبته أولاً، مصريته ثانياً، الأمر الذي يمسّ خطوطاً حمراً لدى الأمن القومي الإسرائيلي. خطوط لا تعنيها كثيراً شخصية المرشّح في حد ذاته ولا تاريخه الشخصي والمهني. هناك دوائر في مواقع الدفاع، تتحرك لتوفير محيط استراتيجي للدولة العبرية خالٍ من أي أعداء مفترضين، فلم يكن بطرس غالي بهذه الخطورة على إسرائيل عندما انتخب أميناً عاماً للأمم المتحدة، لكنه مع ذلك كان الوحيد تقريباً الذي لم ينتخب لدورة ثانية، لمجرد أنه جعل من تقرير مذبحة «قانا» أقل كذباً.
مع ذلك، كان ممكناً أن يمتلك فاروق حسني، بدوره، خطوطه الدفاعيّة. لكنّ مشكلته أنّه ابن نظام ممتد، يحمل معه ويحمّله الكثير من الخطايا. بل هو أحد أقدم وجوه هذا النظام على الإطلاق... حتى مع كونه أكثر زملائه إثارة للجدل. إنجازاته ونشاطاته بحجم كوارثه بالضبط، في عهده (الطويل) تحولت وزارة الثقافة إلى كيان ضخم، متشعب، شبه سيادي. وفي إطار جهوده لإدخال المثقفين إلى «الحظيرة»، وجد آلاف المبدعين فرصاً غير مسبوقة للنشر في الإصدارات الحكومية المتعددة، ووجدت مشاريع الترجمة والمسرح ومنح التفرغ وغيرها لنفسها عناوين متعددة، أفصح من خلالها موهوبون كثر عن إمكاناتهم... لكن عجز الوزير ـــــ ابن نظامه ـــــ عن مواجهة المعارك الجذرية لحماية الثقافة، وتراجعه السريع في وجه الهبّات الأصولية، وتراجعه المتقطع في وجه الهبّة الصهيونية، ثم التراجع «الرسمي» الإسرائيلي عن الهجوم عليه بطلب «رئاسي» مصري... كل ذلك لم يترك أثراً طيباً في دواخل من كان يفترض بهم أن يخوضوا معه الآن معركة «الأونيسكو»... فإذا بهم موزعون بين المرارة والشماتة، يتفرّجون وفي فم كل منهم ماء، وفي ذاكرة كل منهم مصيبة: حريق أو محرقة، منع أو رقابة، سيف أو ذهب أو الاثنان معاً.







