ذلـــــك كـــــان المكســـــب
أنسي الحاج
■ نَمْل حول بئر
يواجه الخلاّق فكرةَ العدمِ بفكرة المطلق. (الخلاّق أو الهدّام، قلّة فَرْق من هذه الزاوية). العدم ليس الموت وحده، بل كل ذبول أو وهم يتبخّر. والمطلق ليس دوماً تجريديّاً، بل غالباً ما يتلبّس بمظاهر الجمال البشري أو الفنّي والشعري.
المصاب بسراب المطلق لا يعرف السلام. وقد ترفّه عنه تسلية، لكنّه لا يلبث أن يعود إلى صحرائه وسرابها.
وطالِبُ المطلق لا يشبع، إذا انتصب العائق في وجهه زاده اضطراماً، ولا يتورّع عن بذل أمانه وعافيته في سبيل غايته، متجرّداً من حيائه، وقد انطبق عليه قول يشوع بن سيراخ «في فم الوقح يحلو الاستعطاء، وفي جوفه نارٌ مشتعلة». والمطلق كالحبيب، لا بدّ من إغرائه، والإغراء لا يتوقّف، ومشغوفُ المطلق يأتي في أعلى هَرَم المدمنين.
في الأدب الهندي الفارسي العربي حكاية شهريار، وقد غلبت عليها شهرة شهرزاد، مع أن البطل المأسوي فيها هو شهريار، دون جوان الشرق. الرواية تقول إنه كان يؤتى له كل يوم بامرأةٍ يقتلها بعد قضاء حاجته منها ويعاود سيرته مع الوصال والقتل حتى كادت البلاد تقفر من الصبايا، فتطوّعت شهرزاد لشفاء غليل الملك بسحر الحكاية: جاذبيّة الفنّ وإيحاءاته عوضَ محدوديّة الجسد وصدماته. في الخيال لا تنتهي المرأة ولا الرغبة، والمسافة بين المدّ والجَزْر مردومة بالنوم والنوم مردوم بالأحلام.
قلنا إن الخلاّق يواجه العدم بالمطلق، والصحيح أن الخلاّق يبلور هذه المواجهة بآثار عينيّة أو سمعيّة أو ذهنيّة، غير أن هذه المواجهة لا تقتصر عليه. فبالإضافة إلى العاشق الشهرياري أو الدونجواني هناك المؤمن والمتصوّف، والمعتنق قضيّة سياسيّة مثاليّة، وسائر هواة التفرُّسِ في الهاوية. فضلاً عن الانتحاريّين. لقد جعل الإنسان رفضه لفكرة الزوال أساساً لتشييد حياة رديفة شكّل مجموع مبانيها ما يُعرف بـ«الحضارة»، وبات معها أيّ مستسلم لفكرة الزوال يبدو بطلاً. وذروة المفارقة هنا هي خلّاق الجمال القانع بزواليّته، كأن تقول متصوّفٌ ملحد أو ساحرٌ غير مؤمن بالسحر. ذروة المفارقة، وبرهان على كون الطاقات الإبداعيّة لدى الخلاّق لا تعبأ بمواقفه الواعية...
على أنه من الممكن تَلَمُّس ملامح المطلق حتّى في حياة البسطاء والعاديّين. تكفي مراقبة قناعتهم الظاهريّة. كيف يمكن أن تكون هذه الوداعة مجرّد نهر يتابع سيره بلا شعور؟ مَن يصدّق هذه الكذبة؟ وعلى افتراض ذلك، ألا تكون مثل هذه القناعة المخيفة نوعاً من أنواع الأبديّة المسبقة؟
من بعيد يبدو البشر نملاً ينغل حول بئر، حول الفجوة التي لا مفرّ منها، ولا مُطْلَق ولا ما يَحزنون، بل مجرّد انجراف مع وقت يُعار لنا. وما نصنعه منه وبه لا يُحسب لنا أو علينا إلاّ بعد فوات الأوان.
■ ذلك كان المكسب
سئلتُ كيف قفزت فوق موضوع الانتخابات. الواقع أني منذ عقد الستينات وأنا أدعو إلى الورقة البيضاء. (أعادتني إليها أخيراً رواية خوسيه ساراميغو «الوعي» وقد أهداني إيّاها صديق كبير). ولم أجد في نفسي الشجاعة لتكرار الدعوة، فاستدرت صوب شؤون أخرى.
لا شك أن البلاد تجتاز أزمات، والانتخابات فرصة يمكن اغتنامها للمساعدة. لكنّي أفضّل التخلّي عن هذه الأدوار للأجيال الشابة المتحمّسة، فجيلي، أو أنا وليس جيلي، سئمت محاولات بثّ الآمال الوطنيّة. لستُ ممّن يدعون الشباب إلى اليأس ـــــ مع أنهم لو فعلوا لكان في ذلك كسرٌ لرتابة الفصول ـــــ لكنّه العمر. بالكاد لا أزال أتوسَّم خيراً في المعجزات، وصرتُ أنظر بضيق نَفَس إلى قضايا مررنا بمثلها وتباطحنا وإيّاها قبل أن نكتشف أن شيئاً واحداً حقّقناه عليها وليس هو الانتصار ولا التغيير، بل تسجيل مساحة جديدة للحريّة في نهاية الصراع.
هذا كان مكسب معاركنا المتأرجحة بين السذاجة واليمين واليسار والأنارشيّة. حتى أسخف حروبنا ما كنا نخرج منها إلاّ بقطعة حريّة.
لم نخترع هذه الخصلة بل هي جزء من تراث شعبنا. مساحةُ وداعة حين تُترك لعاداتها، ومساحةُ شغب حين تُمسّ عاداتها، ومساحةُ عصيان تراجيدي عندما يُمسّ قدس أقداسها وهو الحريّة. تستطيع أن تتفاوض مع شعبٍ اكتسبَ حريّته بأبحاثه الفلسفيّة والسوسيولوجيّة والاقتصادية أو نتيجة حرب عالمية. تستطيع أن تتجادل وإيّاه في بديل مؤقت، كالفاشيّة أو النازيّة أو الشيوعيّة الستالينية، أو أن يقنعه نابوليون بالتنازل عن نمط عيشه لقاء حلم الإمبراطورية. لكنك لا تستطيع أن تقدّم إي إغراءٍ كافٍ للتنازل عن الحريّة إلى شعبٍ تشكّل الحريّة جزءاً أساسياً من جيناته وقانوناً يومياً لعادات معيشته ومتنفّساً وحيداً يفرّج عبره عن مأساة كونه مغامراً كونيّاً في وطنٍ أصغر من قفص وجميع المحيطين به يحاولون «إقناعه» بإعلان الطاعة.
■ زئبق
أُنْتَقَدُ على ما لم أقُل أو أُمْتَدح على ما لم أقصد إليه. ليس القارئ هو دائماً المسؤول عن ذلك بل أيضاً تعثّري في إيصال فكرتي. مثلاً: كلمة قلتها حول سوء حظ أدباء العرب مع الآلة الإعلامية الغربيّة. كان المقصود أننا مُهْمَلون لأنّنا نكتب بلغة لا تنتمي إلى الهيئة الحاكمة، لا لأننا لا نقدّم نتاجاً كغيرنا قد يستحقّ الاهتمام. فُهمَتِ الكلمة دعوة ضدّ العربيّة وإشادة بالحرف اللاتيني. وقبل أيام، في حديثي عن أسطورة اليهودي التائه، فُهم أنّي أتبنّى الخرافة القائلة إن المسيح تلفّظ بما يُزعَم أنه قاله للإسكافي والخادم، بينما المقال هو لرفض هذا الادّعاء المناقض تماماً لدعوة الناصري ولقضيته.
خصبٌ هو موضوع سوء التفاهم، وابتداءً من أصغر تفاصيله كالتي نحن في صددها، إلى أكبرها.
مرّة جمعتنا مقابلة تلفزيونية أنا والفنان الكبير ريمون جبارة فأخذ يتحدث عن «سوء التفاهم الخلاّق». كان ذلك قبل رواج عبارة «الفوضى الخلاّقة» بسنين. كان يتحدث عن إيجابية في خلل التواصل أو تبلبله بين الكاتب والقارئ. عن برج بابل ما قد يفضي إلى لغة أفضل ممّا كان سائداً قبل البلبلة.
التفاهم رضى، سوء التفاهم قلق. الرضى ارتواء، القلق زئبق.
الزئبق رسول الآلهة.
■ حريّة العلاقة بالغيب
تُحتمَل فكرة الدين في حالة واحدة هي أن يكون، بفضل بذور باطنيّة فيه، سبيلاً إلى النفاذ نحو فضاء اللادين، نحو حريّة الاختيار المطلقة لنوع العلاقة بالغيب.
كما كان مفترضاً في الشيوعيّة أن يكون تطبيقها في الدولة سبيلاً إلى زوال الدولة.
■ إلى السيّد اسبر نصر الله ــ أوتاوا
عذراً أيّها القارئ، مشكلتك معي هي مشكلتي معك. من جهتي حللتها بكوني لا أكتب لك، من جهتك، الحلّ هو أن لا تقرأني. لعلّ هذه هي إحدى حريّاتنا القليلة.
عابـــرات
لم تقع عيناي على أوراق الشجر المتساقطة إلاّ سمعتها تنادي بشيء قريب من: «ارفعني!».
■ ■ ■
أنتَ أقلّ من إبداعكَ إلى أن تتباهى به فتمسي أقلّ من الأقلّ.
■ ■ ■
ندعو بحرارة إلى الصدق والتخلّص من التمثيل. هل توقّفنا لحظةً وفكّرنا أنَّ ما لا يداخله التمثيل بتاتاً هو كارثة؟
■ ■ ■
ما يحصل يموت فوراً والعين لا تحبّ إلاّ البعيد.
■ ■ ■
ما الذي يسكن أيضاً في النور؟ الأشباح. وفي صميم النور.
■ ■ ■
من زمان تولّى قيادة الدفّة رجلٌ قليلُ الألمعيّة، فقال لي أحد الأصحاب: بعد الآن، واجبُ الجميع وطنيّاً أن يكونوا أكثر «مديوكريّة» منه.
■ ■ ■
غيرُ صحيحٍ أن الحياةَ تحبّ مَن يلعنها، إنما هي تُواصل تعذيبه حتّى ينتقل من لعنها إلى تمجيدها. حينئذٍ ترتاح، ثم تبدأ بالضجر منه ومن وداعته.
■ ■ ■
قد تجتهد لتتخيّل الآخر، أما نفسك فإنك تغرق في تخيّلها من اللحظة الأولى حتى الأخيرة.
اللا الهجينة ؟
لا جدل في الحقائق المطلقة! هي تركيبة ممزوجة بغرابة الموضوع ذاته فنفسك التي تغرق في تخيلها من اللحظة الأولى حتى الأخيرة وتبقى عاجزا عن قراءة تلوناتها تأرقك في السؤال وتصتدم معك بكم كبير من المسلمات العليا والدنيا إذا صح التعبير فكل ما قيل قابل للتفكير وإن كان التفكير هو الحل إذا فالعقل أداته وإذا عمل العقل ثارت الشكوك الإيجابية تارة والسلبية تارات فأنت تجادل في مُسلماتٍ حياتية يجب على عقلك تبنيها فطريا وهذا مناقض للتركيبة الفزيولوجية وحتى السيكولوجيا له ولتواصله مع محيطه الجسدي العامل فكل ما ذكر وجاء حتى يومنا هذا يقبل وجوها عديدة يحق لعقلك نقاشها ووضعها تحت المجهر في عتمة الليل والنفس معا لكي لا ينساق إلى سوء التفاهم الخلاق أو فوضى النفس الخلاقة .. ما نحتاجه اليوم معرفة لا عن قرب لنعرف لماذا نحن أكثر شعوب العالم لاأات رغم أن غيرنا تبناها أسفاراً لكننا فقنا أسفاره بلاأتنا الدنيوية بأسماء وأشكال مختلفة فمرات مدموغة بوصمة آلهية ومرات حياتية اجتماعية عقائدية فلسفية ومرات بأوبئة مرضية نفسية.
يجب أن ننعم بملكة تعدد الآراء فكيف تتعدد أرائنا ولا نجادل .. هل يجب أن نؤمن بأن الشمس تدور حول القمر والأرض حتى تنهض لا وتنتشي بحماقة المخلوق المخدوع أم يجب أن تنتصب لااتنا نحن بدوراننا حول الشمس بتوافيقة القانع الراضي بحقيقة مطلقة لا تحمل لا نفسها ...
يجب أن نمنح الأخرين حريتهم ونأخذ ما تبقى لنا من حريتنا مرات ومرات فنحن الذين نتأمل الحياة بقلب وعقل غارقين بأعماق نفوسنا التي لم تمنحنا لحظة أولى أو أخيرة لأنها لا أخرى تحتاج الوقوف عند محرابها مرات مرات
هذه مقاطع من مجموعة (برشاقة ظل)
التي أرسلت الشاعر الأردني
إسلام سمحان إلى السجن:
أنت مشكاة السرير
تضيئين
ولو لم تمسسك نار
من أرسل الحمائم
كي تؤنس فراغ القبر
آخر ما تشتهين موتي
فحلّقي في فضاء
جسدي كحية تسعى
تلقفتني
رموش عينيك
ذبتُ
أنا العابد النافر
من أزيز رصاص
ما تبتُ
تعودت كل مساء
أن اشرب حليب الذئبة
حين تحرث بمخلبها فضاء جسدي
وأسمع طقطقة الرغبة العمياء
حبيباتي
يأكلنني في العتمة
بلا ملح
ويشربن الرائب الطالع
من عيني
علّمي الملائكة
اسمك
يمرّ قطيع من الساجدين
على قدميك
الشفة السفلى أبهى من وجه
إله
يرفل بالحكمة
كان اتساعي دليل
ضياعي
مشنوقا من
سرتي
أتدلى في البئر
واحدا كنا
يوسف وأنا..






كنت في العاشرة من عمري حين أجبرني مرض ما على ملازمة الفراش، وكانت المطالعة سلواي نهارًا، وبرامج تلفزيون لبنان بالأبيض والأسود رفيقتي ليلاً.
في أمسية من أمسيات الألم والأرق، تابعت حوارًا بين المطران جورج خضر وغسّان تويني وأنسي الحاج، وكان الموضوع عن الله وعلاقته بالإنسان وعلاقة الإنسان به، واذكر أنّ أنسي الحاج كان غاضبًا على الله الذي يترك الإنسان وحيدًا في مواجهة المرض والموت. ولأنّني كنت مريضة انحزت فورًا إلى أنسي الحاج.
في اليوم التالي، تابع كلّ منّا نحن الأربعة مشواره في الحياة ومع مواجهة المرض والموت وأسئلتنا عن الله. ولسبب ما نجونا كلّنا من الحرب والقصف والخطف والمرض ولا نزال نتابع البحث عن الأجوبة. حاصرنا الموت من كلّ مكان، وبقينا شهودًا على موت الآخرين. وكم أرغب في لقاء جديد يعيد جمعنا نحن الأربعة: الثلاثة يتابعون الحوار حول المواضيع نفسها، وأنا أحاول أن أجد احتمالات أجوبة. ولسبب ما أكاد أجزم أنّ كلاّ منّا لا يزال مقتنعًا بما راحت إليه أفكاره في تلك الليلة، التي يخيّل إليّ مرّات أنّها لم توجد فعلاً وليست إلاّ من نتاج مخيّلة طفلة تريد أن تنسى أنّها مريضة.
هل من يستطيع تحقيق هذا اللقاءالفكريّ في زمن الفراغ والغباء؟