الكاثوليك: سقط سكاف عاش فرعون... زعيماً

الوزير الياس سكاف (بلال جاويش)الوزير الياس سكاف (بلال جاويش)كرّست الانتخابات الأخيرة الزعامة بالنسبة إلى معظم ممثلي الطوائف، فيما تركت طائفة الروم الكاثوليك في حيرة من أمر زعيمها، مع العلم بأن تمثيل الطوائف، سواء كان في الحكومة أو على طاولة الحوار يتأثر بما أفرزته صناديق الاقتراع على صعيد الزعامات

غسان سعود
ثبّتت صناديق الاقتراع أقدام الكراسي في المجلس النيابي أو على طاولة الحوار بالنسبة إلى سعد الحريري ووليد جنبلاط ونبيه بري وحسن نصر الله وميشال عون وسمير جعجع وأمين الجميل، وفي المقابل، هزّت الصناديق كراسي إيلي سكاف وميشال المر وحزب الطاشناق، وجعلت هؤلاء عشية تأليف الحكومة والاتفاق على ممثلي الطوائف على طاولة الحوار في حيرة من أمرهم، لا يعرفون كيف سيستعيدون كراسيهم. وفي وقت يبدو فيه المر مطمئنّاً إلى غياب المنافس الحقيقي له واعتبار الطاشناق أنه يمثّل أرجحية أرمنية لا يمكن أبداً تجاوزها، تبدو أمور سكاف أصعب، وخصوصاً أن زعامة آل سكاف ارتبطت دائماً بزعامة آل فرعون، تعلو الواحدة فتنخفض الأخرى. وفي الانتخابات الأخيرة خسر سكاف في زحلة، فيما حقق فرعون انتصاراً مهمّاً في حياته السياسية.

فتوش يفوز بالنيابة لا بالزعامة

رغم تواضع خبرته، نجح الياس سكاف، وريث أحد أبرز الزعماء الكاثوليك جوزف سكاف، في الحفاظ على الإرث السياسي. ولم يستطع الرئيس الياس الهراوي، ابن زحلة، ولا الاستخبارات السورية التي خاصمته حتى عام 2002 (نجح السوريون بعد دخولهم لبنان عام 1976 في إبعاد جوزف سكاف الذي توفي خارج لبنان، ولم يسمح بدفنه في زحلة إلا بعد جهود مضنية)، ولا الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي تأرجحت علاقته به، أن يخلعوا عنه العباءة الكاثوليكية، حتى ليل الثامن من حزيران.
فبعد مشاكل مع مطران الكاثوليك في زحلة أندريه حدّاد، عمد الأخير إلى استقبال رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع في دارة المطرانية التي سبق لجعجع نفسه أن فجرها، وأغدق المطران على ابن بشري الأيقونات في ظاهرة فسّرت بأنها عفو كاثوليكي وزحلاوي عن جعجع والقوات اللبنانية. ونتيجة تجاهل سكاف للملاحظات الزحلاوية المحتجّة على تبعيته المطلقة لعون وذهابه أبعد من مسؤولي حزب الله في الدفاع عن حزب الله رغم «الخصوصية الزحلاوية التي تعتبر أن الزعامة تنطلق من أرضها»، بموازاة تراجع كرمه الخدماتي رغم الكمّ الهائل من الأموال التي يصرفها منافسوه في المدينة بهدف إقصائه، سقط سكاف وأعضاء لائحته الستة. وحل بدلاً من سكاف في المجلس طوني أبو خاطر (على اعتبار أن النائب نقولا فتوش حافظ على كرسيه النيابي) وهو من بلدة تربل لا من مدينة زحلة (وعائلة أبو خاطر تناهض آل سكاف منذ عقود).
هكذا تعرّضت زعامة آل سكاف لضربة موجعة، وخصوصاً أن صناديق المقترعين الكاثوليك أظهرت، كما يقول أحد المتابعين الزحلاويين، افتقاد الياس سكاف للغطاء الكاثوليكي الشعبي بعدما فقد غطاء جزء كبير من الإكليروس الكاثوليكي.
لكن، في المقابل، لم تذهب زعامة زحلة الكاثوليكية إلى منافس سكاف زحلاوياً، النائب نقولا فتوش، لثلاثة أسباب يوردها المتابع الزحلاوي كالآتي:
1ـــــ ظهور فتوش في مرحلة ما قبل الانتخابات بمظهر مستعطي المقعد النيابي، وهو كان مستعداً للذهاب إلى منزل سكاف لو قَبِل ضمه إلى لائحته.
2ـــــ مسارعة 3 من نواب «زحلة في القلب» إلى الانضمام إلى كتلة القوات اللبنانية من دون أخذ موقف رئيس لائحتهم (فتوش) بعين الاعتبار.
3ـــــ تواضع حيثية فتوش وانحسارها ضمن رقعة زحلاوية محددة، والنظرة العامة إليه بصفته تابعاً إما للسوريين أو لتيار المستقبل أو لمصلحته الخاصة.

فرعون يتطلّع أبعد من الأشرفية

بدلاً من الاستيقاظ عند العاشرة صباحاً، كان النائب ميشال فرعون يضطر قبل بضعة أسابيع من 7 حزيران إلى الاستيقاظ نحو الساعة السادسة صباحاً ليبدأ العمل الانتخابي في دائرة الأشرفية التي قِيل إن معركتها ستكون الأهم. وقد نجح فرعون في احتواء هفوات نديم الجميل وبراءة نايلة تويني والمشاكل بشأن شغل المقعدين الأرمنيين، حاملاً اللائحة بماكينته إلى انتصار شكّل إحدى المفاجآت في الانتخابات. وقد أكّدت صناديق الاقتراع فوز فرعون بأرجحية كاثوليكية، مثبتاً حيثيته البيروتية، مع العلم بأن معركة بيروت لم تمنع فرعون من مواكبة الانتخابات في جزين، حيث ترشح عجاج حداد، المقرب منه عن المقعد الكاثوليكي وحاز مجموع أصوات تجاوز ما ناله المرشح الكاثوليكي على لائحة النائب السابق سمير عازار. وفي رأي المقرّبين من فرعون، فإنه يعمد إلى توسعة نشاطه السياسي من خلال أربع وسائل:
1ـــــ الفوز بثقة الناخبين الكاثوليك في بيروت.
2ـــــ تثبيت علاقة إيجابية متينة مع الإكليروس، الذي غالباً ما يطمئن إلى زعامة آل فرعون. والعلاقة اليوم بين فرعون ومعظم مطارنة الكاثوليك في لبنان مستقرة.
3ـــــ السعي إلى التمدّد خارج بيروت. وقد سبق قبل بضعة أشهر لأهل بلدة روم في جزين، بلدة المطران حداد، أن ألبسوا فرعون عباءة الطائفة. وهو يهيّئ لحدث شعبي في زحلة، حيث تعزز في السنوات القليلة الماضية عدد أصدقائه. كما أن النائب عن المقعد الكاثوليكي في الشوف نعمة طعمة لا يعارض زعامته، مع العلم بأن ثلثي أبناء الطائفة الذين يقترعون في الجنوب والبقاع يعيشون اليوم في بيروت وجبل لبنان، وعلاقة غالبيتهم بالمكاتب الخدماتية لفرعون متينة.
4ـــــ اطمئنان فرعون إلى ثقة تيار المستقبل والقوات اللبنانية به ودعمهما له، سياسياً وإعلامياً ومعنوياً.
النتيجة، يقول أحد أعضاء المجلس الأعلى لطائفة الروم الكاثوليك إن صورة زحلة تؤكد أن فتوش فاز في النيابة، لكنه لم يفز في الزعامة. وتالياً، يمكن سكاف، إذا أحسن العمل واستعاد ثقة حلفائه، وخصوصاً العماد ميشال عون، استرجاع الهالة التي فقدها آل سكاف بخسارة الوزير سكاف المدوّية في أقلام اقتراع الكاثوليك وفي سائر الأقلام. لكن استعادة الهالة في زحلة لا تعني استعادة الزعامة التي بات فرعون يقترب منها. وبحسب المصدر نفسه، يستحيل بناءً على حجم طائفة الروم الكاثوليك أن يُسمح بوجود زعيمين: إما سكاف أو فرعون. لا مكان على رأس الطائفة سياسياً لاثنين، مشيراً إلى أن إيلي سكاف حرّك صراعاً عائلياً على الزعامة، بين آل سكاف وآل فرعون، عمره من عمر الاستقلال، إذ قرّر زيارة الأشرفية ليقول بطريقة غير مباشرة إنه بصفته زعيماً كاثوليكياً يدعم المرشح المناوئ لفرعون، نقولا الصحناوي. كأنه لم يقرأ مذكرات قريبه ألفرد سكاف الذي كتب أن «لائحتنا خسرت الانتخابات في زحلة (عام 1943) بسبب أموال هنري فرعون الطائلة التي اشترى بها زعماء من زحلة ومقترعين». ولم يتّعظ إيلي سكاف من مبادرة والده إلى نقل ترشحه عام 1947 إلى الجنوب تجنّباً من مواجهة هنري فرعون الذي أصر على الترشح في زحلة لإثبات زعامته لكاثوليك زحلة.
هكذا تبدو حالة طائفة الروم الكاثوليك التي تمثل في الحكومة بثلاثة وزراء، عشية بدء النقاش في تقاسم الوزراء والاتفاق على ممثلي الطائفة على طاولة الحوار، كالآتي:
• يتوزع نواب الطائفة الثمانية، أربعة للأكثرية (نعمة طعمة، ميشال فرعون، نقولا فتوش وطوني أبو خاطر) وأربعة للمعارضة (إدغار معلوف، عصام صوايا، ميشال موسى ومروان فارس)، وفرعون الوحيد بين هؤلاء الذي يرأس كتلة نيابية ترشّحه إلى الجلوس إلى طاولة الحوار.
• أدّى فرعون الدور الأساسي بفوز الأكثرية في معركة الأشرفية. وتمثل الأشرفية عادة بوزير في الحكومة يعني ذهاب المقعد الوزاري أيضاً إلى فرعون، وسط كلام عن بحث المعارضة في إمكان توفير الفرصة لتوزير سكاف على اعتبار أنها الوسيلة الوحيدة ليبقى لها موطئ قدم في زحلة.
إذاً، مع خسارة سكاف، تنفرد الأشرفية بزعامة الروم الكاثوليك، الأمر بالنسبة إلى فرعون نفسه مرتبط بالقوة الهادئة. أما بالنسبة إلى أحد وجهاء المجلس الأعلى للطائفة فيرتبط بطبيعة أبناء الطائفة أنفسهم: الكاثوليك لا يحبون التحزب والزراعة. هم أصلاً عائليون بامتياز ورجال أعمال، من يراعِ هاتين الخصوصيّتين يفز بالزعامة. يضيف: في كل الدوائر فاز المرشح الكاثوليكي الأكرم.


عدد السبت ٢٧ حزيران ٢٠٠٩