الجماعة تزاحم المستقبل وميقاتي والخطر الأصولي

طرابلس ـ عبد الكافي الصمد
الرئيس ميقاتي (أرشيف)الرئيس ميقاتي (أرشيف)مع أنها عادت إلى المجلس النيابي بعد غيابها لدورتين متتاليتين، فإن الجماعة الإسلامية ترى أنها مُنيت في الانتخابات النيابية الأخيرة بخسارة قاسية، ما دفع قيادتها السياسية إلى أن تعكف على دراسة أوضاعها من كل الجوانب، تمهيداً لاتخاذ خطوات سيكون أبرزها خطابها السياسي الذي ينتظر أن يتبلور قبل نهاية العام الجاري، بالتزامن مع إعادة ترتيب البيت الداخلي للجماعة.
فالانحدار التدريجي للجماعة على صعيد تمثيلها النيابي منذ صعودها المدوي في دورة 1992، لم يوقفه حصولها على مقعد لها ناله مرشحها في دائرة بيروت الثالثة النائب عماد الحوت، لأن ذلك ما كان ليحصل لو لم يكن ضمن لائحة تيار المستقبل، إضافة إلى انسحاب 3 مرشحين آخرين لها في 3 دوائر مختلفة تحت ضغوط تحالفها مع المستقبل، فضلاً عن حصول مرشحيها المنفردين في دائرتي طرابلس والمنية ـــــ الضنية على نسبة أصوات متدنية، ما عدّته أوساط الجماعة حينها «مفاجأة غير سارة أبداً».
قراءة الجماعة وتحليلها لما واجهته في الانتخابات الأخيرة، الذي ما زال محل دراسة ومتابعة داخلية عميقتين لاستخلاص العبر، لخصته أوساطها بأنه «يتمحور حول 3 نقاط أساسية، هي: ترتيب وضعها الداخلي بهدوء، علاقتها مع القوى السياسية والإسلامية على الساحة السنية، ونظرتها إلى المرحلة المقبلة وكيفية تعاملها معها في المرحلة المقبلة».
ففيما تُجري قيادة الجماعة هذه المراجعة، تسود قواعدها وكوادرها الشابة أجواء استياء بالغ بسبب ما رأوا أنه «انكفاء تدريجي لخطاب الإسلام السياسي ومواجهة إسرائيل ودعم المقاومة، يرافقه تراجع بارز لأعداد الملتزمين وانحسار ملحوظ لتأثير رابطة الطلاب المسلمين، في مقابل تصاعد نفوذ يأكل من رصيدنا لكل من تيار المستقبل والرئيس نجيب ميقاتي».
مصادر مسؤولة في الجماعة الإسلامية لم تنف وجود أزمات كهذه تواجهها داخلياً وخارجياً. ولفتت هذه المصادر في ما يتعلق بالانتخابات إلى أن «الجو العام تغيّر، فكل انتخابات لها ظروفها، ما يتطلب إعادة صوغ خطابنا السياسي بعدما خسرنا الانتخابات في دائرتي طرابلس والمنية ـــــ الضنية بطريقة قاسية، لكننا لم نخرج من الحلبة، وستكون كارثة إذا لم نستفد من التجربة».
وعن مزاحمة تيار المستقبل وميقاتي لها داخل الساحة الإسلامية، بل داخل بيت الجماعة، توضح المصادر أن «جمهورنا وجمهورهما مشترك ومتداخل نتيجة تقارب خطابنا معهما في السنوات الأخيرة، ما يجعلنا غير محبذين ولا قادرين على التصادم معهما سياسياً أو انتخابياً، لكننا نسعى إلى التمايز عنهما كي لا نفقد هويتنا، وكي لا يكون دورنا مقتصراً على أن نبني لهما جمهوراً ورأياً عاماً، ثم يعملا على استقطابه نظراً لقدرتهما على ذلك».
وفيما يوضح بعض كوادر الجماعة أن «قسماً من جمهورنا الذي وقع تحت تأثير المستقبل وميقاتي لم نستطع «المونة» عليه في الانتخابات الأخيرة، بسبب وقوعه أسير الإغراءات»، تشير مصادر الجماعة إلى أن «دخول المستقبل وميقاتي على جمهورنا يستدعي منا إنتاج خطاب جديد للحفاظ عليه ولمنعهما من استقطابه واسترجاعه، فهناك من ذهب وعاد».
وإذ تدور في أوساط الجماعة أنه «عندما أنشأ ميقاتي قسماً دينياً في جمعية العزم والسعادة التابعة له، زرعت فيه عناصر مؤيدة لها، لكن هذه العناصر بفعل الإغراءات نقلت ولاءها السياسي من كتف إلى أخرى»، تعلق مصادر الجماعة بأنه «ليس بهدف ملء الفراغ يبني ميقاتي ما يبنيه، فالقطاع الديني يستقطب شرائح أساسية في طرابلس والشمال، وهو يفعل ذلك لأهداف سياسية ليست خافية على أحد، ومثله يفعل تيار المستقبل، لكنه يصطدم بعوائق أساسية عنده متمثلة في علمانيته، وفي ارتباطات داخلية وخارجية تجعله غير قادر على حمل الإسلاميين معه مثل ميقاتي، لكنه يعمل على استقطاب مجموعات ورموز إسلامية، فالمستقبل لا يبيع الساحة الإسلامية ولا يطلقها أبداً».
غير أن مصادر الجماعة تنبّه من أمر تراه «بالغ الخطورة»، فتشير إلى أن «مزاج الناس لا يميّز، بل ينقاد وراء خطاب تعبوي غرائزي طائفي ومذهبي، ما يحتّم على الجميع إنتاج خطاب سياسي جديد يمنعهم من الانقياد ويستعيدهم إلى موقعهم الطبيعي، وخاصة أنهم ينقادون وراء الشعارات انقياداً أعمى».
وترى المصادر أن «تعبئة الناس بخطاب كهذا، وتصوير كل طرف خصمه أنه أسوأ منافس، وأنه عميل لإسرائيل وأميركا أو لسوريا وإيران، سيأتي لاحقاً من يستفيد منه ويسخّره لمصلحته، وخاصة المتطرفين وتنظيم القاعدة».
وأوضحت المصادر أن «الفئات التي جرت تعبئتها لن تتراجع بسهولة، بل ستترك من شحنها مذهبياً ثم تراجع أمام مصالحه بسبب الواقع السياسي المعروف، وستبحث عمّن يملك الخطاب نفسه وتسير خلفه، كتنظيم القاعدة مثلاً، لأنه بنظرها أصدق، وهذه مشكلة ستؤسس لنشوء فكر مذهبي متطرف عواقبه وخيمة على البلد، وخاصة أن الساحة السنية مهيّأة لنشوء حالات متطرفة كهذه، ما يتطلب التعاون مع جميع الأفرقاء لدفع خطرها».


عدد الاربعاء ١ تموز ٢٠٠٩