دمشق تفضّل في حوارها مع باريس حرارة غيّان على انفعال كوشنير
نقولا ناصيف
بعثت الزيارة الثالثة، منذ توقيع تسوية الدوحة، للأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيّان لدمشق، الثلاثاء الماضي، الحرارة مجدّداً في العلاقات الفرنسية ـــــ السورية. ومن دون تنسيق، تستبق زيارة وزير الخارجية برنار كوشنير لبيروت ودمشق في 9 و10 تموز. وتنطوي هاتان الزيارتان للعاصمة السورية على معطيات:
أوّلها، أنها تعيد تأكيد انفتاح باريس على دمشق واستئناف الحوار معها على أعلى مستوى، منذ آخر زيارة لغيّان في 30 تشرين الثاني 2008. لكن المطّلعين على ملف علاقات البلدين، يرون أن مناقشة الزائرين الفرنسيين للموضوع اللبناني، وخصوصاً الانتخابات النيابية الأخيرة وتأليف الحكومة الجديدة، جاءت في سياق خوضهما مع محدّثيهما في بضعة ملفات إقليمية وثنائية، لأن الزيارة كانت مقرّرة سابقاً، إلا أن الإدارة الفرنسية ارتأت تأجيلها إلى ما بعد إمرار انتخابات حزيران بسلام، وتلمّسها جدّية التعهّدات السورية لها بعدم التدخّل في الشؤون اللبنانية، الأمر الذي أبرَزَه غيّان إثر مقابلته الرئيس بشار الأسد ومعاونيه، عندما تحدّث عن إيجابية الدور السوري في لبنان وجدّية التعهّدات.
وتبعاً للمطّلعين أنفسهم، فإن الإيجابية التي لمسها المسؤول الفرنسي لا تقتصر على حياد سوريا نهار الانتخابات فحسب، وإنما أيضاً في الأسابيع والأشهر التي رافقت الحملات الانتخابية. ويشير هؤلاء، في ضوء الحوار الذي تبادله غيّان مع الأسد ووزير الخارجية وليد المعلم ومعاونه السفير فيصل المقداد ـــــ إلى اجتماعه بسفيرة دمشق في باريس لمياء شكور التي حضرت كي تكون على مقربة من المحادثات ـــــ إلى أن باريس كرّرت ضمناً اعترافها بالتأثير السوري في لبنان، سلباً أو ايجابياً، وكذلك في استقرار المنطقة، على نحو جعل الإدارة الفرنسية تتّبع دبلوماسية واقعية توازن بين تمسّكها بسيادة لبنان واستقلاله، وتسليمها بدمشق لاعباً مهماً في النزاعات الإقليمية.
في هذا النطاق أيضاً يندرج قلق كانت باريس قد عبّرت عنه قبل أشهر من الانتخابات النيابية، حيال تصاعد التوتر في علاقات دمشق بالرياض وانعكاسه على الاستقرار في لبنان، ولاحقاً على الانتخابات، وسعت مراراً إلى محاولة استيعابه بإبداء استعدادها الاضطلاع بدور يقلّل وطأة خلاف البلدين.
ثانيها، رغم أن دمشق وافقت على اعتماد اريك شوفالييه سفيراً جديداً لفرنسا لديها، كانت تفضّل تعيين شخصية فرنسية قريبة من الإليزيه، اكثر منها الكي دورسيه، لأسباب تتصل بالالتباس الذي يطبع علاقة القيادة السورية بكوشنير، مذ استؤنفت علاقة البلدين، وعدم ارتياحها إلى الحوار معه. ناهيك بنعتها إياه بأنه كثير الانفعال. ولأن علاقة البلدين لم تشهد على مرّ تقاليدها الدبلوماسية امتناعاً عن اعتماد سفير، أولت دمشق العلاقة مع باريس أهمية متقدّمة.
وترتّب هذا التحفّظ على العلاقة المتوترة بين كوشنير والمعلم، في حين نجحت مراحل الحوار بين البلدين مذ خاضه غيّان الذي كانت قد جمعته بالمسؤولين السوريين، ولا سيما منهم الأمنيون، صلات وطيدة عندما كان مدير مكتب الرئيس نيكولا ساركوزي إبان وجود الأخير في وزارة الداخلية. وقد تعاون مع مسؤولين أمنيين سوريين، ولا سيما في ذروة التوتر الذي شاب العلاقات الفرنسية ـــــ السورية وتدهورها بين 2004 و2007، على جمع معلومات تتعلق بالأمن والاستخبارات الداخلية في فرنسا، وتعقب متشدّدين قدّمت عنهم سوريا معلومات وفيرة. فأبقى التنسيق المتبادل صلة اتصال لم تتلفها المواقف المتصلّبة للرئيس السابق جاك شيراك من نظيره السوري. أما شوفالييه الذي يشغل منصب الناطق باسم الخارجية والمستشار صاحب الكلمة المسموعة لدى كوشنير، المتوغّل في كثير من القرارات الصعبة للدبلوماسية الفرنسية، فهو لا يحظى بعلاقات مماثلة، ويتأهب لخلافة السفير الحالي ميشال دوكلو الذي ينهي، منذ تعيينه صيف 2006، ثلاثة أعوام من الخدمة في سوريا.
بيد أن ذلك لم يحجب قرار الإليزيه إبقاء نظره على ملف العلاقات الفرنسية ـــــ السورية اعتقاداً من ساركوزي، وفق المطّلعين، بأن تعزيز الثقة مع الأسد يحتاج إلى إشراف رئاسي مباشر وعلى أعلى مستوى.
ثالثها، ان رغبة كوشنير في ترؤس اجتماع السفراء الفرنسيين في مصر وسوريا والأردن ولبنان وإسرائيل والقنصل العام في القدس الشرقية الذي يرعى المصالح الفرنسية في فلسطين، أوجد مبرّراً ـــــ لا بل ذريعة ـــــ لزيارة رسمية لدمشق، يتحدّث خلالها مع المسؤولين السوريين في العلاقات الثنائية وأوضاع المنطقة. وكان قد أصرّ على ترؤس الاجتماع الذي يعقد يومي 11 و12 تموز، والذي غالباً ما ترأّسه مدير دائرة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في الكي دورسيه باتريس باولي. ويستمد التئام الاجتماع في دمشق، بعدما كان قد عقد العام الماضي في القدس، أهميته من جدول أعمال متشعّب يقع تحت بند رئيسي هو مآل الوضع في المنطقة بعد الانتخابات النيابية اللبنانية والرئاسية الإيرانية، ترجمة لانشغال باريس بشؤون الشرق الأوسط، وتوطئة لانعقاد المؤتمر السنوي لسفراء فرنسا في العالم الذي يلتئم بدوره في الأسبوع الأخير من آب المقبل برئاسة الرئيس الفرنسي، ويلقي فيه ساركوزي خطاباً يحدّد فيه مقوّمات الدبلوماسية الفرنسية في علاقاتها بالدول ومشكلات العالم.







