أزمة «النهار»: العجز المالي لماذا يصيب الصحف دون أصحابها؟

ابراهيم الأمين
رغب زميل في «النهار» اعتبار ما يحصل الآن عندهم شأناً داخلياً، أي إنه أمر لا يخصّ أحداً، ويجب أن لا يكون محل اهتمام أحد. وإذا قرّرت «الأخبار» متابعة الحدث، وهو حدث حقيقي، فذلك يقع في باب الإثارة!
قد يشرح هذا النمط من التفكير جانباً أساسياً من أزمة «النهار»، وهي جزء من أزمة الصحافة اللبنانية، والعربية، وهي بالتأكيد ليست أزمة مالية فحسب، بل إنها ناجمة عن كون الصحافة لم تعد تعرف ما هو المطلوب منها، وخلقت لنفسها قواعد وقوانين، من بينها أن يكون للصحافي الحق في متابعة أخبار كل المؤسسات العامة والخاصة، الجماعات والأفراد، الأحزاب والشركات والعائلات بتفاصيلها وحميمياتها، لكن الصحافي عينه يريد أن يمنع الآخرين من متابعة أخباره ودواخله. وهو بالضبط، «الميثاق غير الأخلاقي» الذي نجح كثيرون في فرضه من غير كتابة قانون للعلاقة بين الزملاء أنفسهم.
بهذا المعنى يمكننا أن نوضح أن مواكبة ما يحصل في «النهار» ليست شماتة، وحال الجميع ليست بأفضل من حالها. كما أن هذه المواكبة ليست عنواناً يمكن خلاله النيل من أشخاص أو مؤسسات لم تهزّها أحداث جسام وجرت فيها أنهار من الدماء والدموع. بل إن متابعة ما يحصل في «النهار» تعبّر عن حاجة لمساءلة جهة تولّت لسبعين سنة خلت، ولا تزال، دور الرقيب على سائر الناس. وهي متابعة تصحّ على الآخرين العاملين في هذا الحقل، حتى لو لم يحصل عندهم ما يحصل في «النهار» اليوم، أو هم استعانوا على قضاء حوائجهم بالكتمان.

باب الصحافة بات يحتاج إلى مَن يقرعه دون استئذان ... والأقنعة إلى مَن يزيلها

وبناءً على ذلك، ثمة حاجة إلى التوقف عند نقاط لها صلة بالموضوع، وما سوف يليه في المقبل من الأيام، ومنها:
أولاً: لا يزال الإطار القانوني المتحكم في عمل الصحافة في لبنان يخضع لتشريعات تعود إلى زمن القبائل. فنقابتا الصحافة والمحررين تنشطان فقط في مواسم الاحتفالات والاستقبالات وصار فيهما من يريد منافسة الصحافيين على استصراح المسؤولين، فيخرجون مرة كل شهر أو أكثر بتصريحات كبار القوم عندنا. وليس في هاتين النقابتين أي شيء يغري صحافياً أو محرراً أو موظفاً أو قارئاً للتوجه إليهما، طلباً لرفع ظلم، أو شعوراً بأنهما من حصون المهنة أو حتى من أهلها. فتكون النتيجة أن على العاملين في المؤسسات الصحافية الارتهان لأصحابها أو النافذين فيها، وعندها لا سؤال عن حال ولا عمّا يحزنون.
ثانياً: تداخل المحررون الكبار بأصحاب الصحف، وتوافق الجميع على تثبيت «قانون العار» الذي يكرّس حق الحصول على امتياز صحافي بفئة معينة هي الفئة «القادرة»، مما يعني عملياً أنه لا مجال لتشغيل امتياز من دون الاستعانة برجال السلطة والمال. حتى يصبح الخيال مأسوياً إذا افترضنا أن جبران خليل جبران لو عاد اليوم وقرّر إصدار صحيفة فسوف يضطر للوقوف على خاطر مموّل أو مؤسسة سياسية ـــــ مالية لشراء الامتياز. وهو القانون الأكثر قمعاً في العالم والأكثر تناقضاً مع حرية الصحافة وحرية التعبير. وبالتالي يصبح الساعون إلى العمل في هذه المهنة أسرى إقطاع أين منه الإقطاع السياسي أو المالي، فتكون النتيجة الارتهان لمَن يعطى مسبقاً حق التصرف بعقول الصحافيين وجيوبهم.
ثالثاً: نفخر نحن في لبنان بأننا الأقرب إلى العقل الغربي المنفتح في إدارة العمل الصحافي، ونحن على بعد مسافات ضوئية من هذا الادّعاء، ولكننا، وحالة «النهار» ماثلة اليوم، لا نسمح بنقابة محررين وموظفين داخل الجريدة تفرض على الإدارة مناقشتها في أي إجراء. ولا نترك للمحررين حق تشكيل إطار يدافع عن حقوقهم المعنوية والمادية سواء بسواء، والنتيجة أن رئيس التحرير يصبح مثل أي موظف في المؤسسة، لا علم له بما يجري، ولا من يسأله عن حال هذا أو ذاك من المصروفين إلى حالهم، وإذا سئل فمن باب الشكليات.
رابعاً: تتمتع «النهار» دون سواها من الصحف، بحصة إعلانية كبيرة يوفّرها إمبراطور الإعلانات في لبنان، وفق قاعدة عمل لا تستند إلى السوق الفعلية، وهكذا يتاح للزميلة الحصول على حصة إعلانية مضافة إلى عائداتها الممكنة من المبيع وغيره، إلى جانب عمليات رفع رأسمال وسواها من أبواب الدعم، ثم يخرج من يقول، على مدى سبعين عاماً، إن المؤسسة تواجه عجزاً مالياً، وهي نكتة معمّمة على كل وسائل الإعلام في لبنان، بأن الصحافة لا تعيش من عائداتها فقط، وأنها لا تسير من دون دعم مالي ـــــ سياسي، ولكن النتيجة هي أن الحديث يستمر عن العجز، فيما لا أحد يشير إلى عجز أصاب يوماً أصحاب هذه المؤسسات في ما خص أكلهم وشربهم وملبسهم ومسكنهم ومطارح راحتهم. ثم عندما يجري توزيع المسؤولية إزاء أيّ تحدٍ من هذا النوع، يُستثنى فوراً أبناء العائلات الحاكمة في هذه المؤسسات من أي إجراء إداري، فيما تخفي الدراسات حجم النفقات الخاصة بهؤلاء من هنا أو هناك.
صحيح أن الأزمة المالية توجب إعادة الهيكلة، ولكن هل لأهل البلد أن يسألوا صباح كل يوم، وهم يقرأون هذه الجريدة أو تلك، وفي مقدمها «النهار»، عن الأزمة الحقيقية التي أدّت إلى ما نحن فيه؟ ولماذا ينجح خبيث في ملاحظة أن ما يجري الآن في «النهار» سوف ينتهي بخطوات لا تنال من فريق معيّن من العاملين الذين هم ـــــ ويا للصدفة ـــــ يقفون في فرقة سياسية سافرة الوجه، ثم يخرج علينا من يدّعي الاستقلالية والحياد والموضوعية.
ما يجري في «النهار» مناسبة لمواجهة حقيقة كون الصحافة في لبنان باتت تحتاج إلى من يقرع بابها دون استئذان، وأن يزيل كل ما تراكم من أقنعة جعلت لونها الحقيقي باهتاً أكثر مما يعتقد أهل المهنة أنفسهم.


عدد الثلاثاء ٢٩ أيلول ٢٠٠٩ | شارك
أرسله مارون (لم يتم التحقق) يوم خميس, 2009-10-01 01:30.

أزمة الصحافة أزمة عالمية. لم تعد الوسيلة الإعلامية تعمل لتنوير الناس عما يحدث في عالمهم بل أصبحت تملي عليهم ما يجب أن يؤمنوا به.

يا ناس، الصحافة والإعلام بشكل عام هي وسيلتكم الوحيدة لتتبصروا في خياراتكم التي سوف يعيش نتائجها أولادكم وحتى أحفادكم. انها إلى هذه الدرجة مهمة ، فكيف إذا كانت فاسدة بمعظمها و مرتهنة للممول الذي لديه أجندة خاصة به وبأحسن الأحوال هي سخيفة وتحقن سخفاً في عقولكم؟

اهتموا، واهتموا جيداً بمتابعة أزماتها. لأنها إماأن تتحول إلى شيءٍ أقل مصداقية تهمل عند قراءة أول جملة من الإفتتاحية، إما أن تتحول إلى شيءٍ أكثر ضراوةً.

أرسله بيار أبي صعب (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-09-30 00:50.

حبذا لو تكون فسحة النقاش المشرّعة في موقعنا، فرصة للتفاعل بدلاً من تفريغ الحقد الأبله والاتهامات المجانيّة. يا Elias، التفريغ المجاني لا يفيد قضيتك مهما كانت، وإني لمحترمها وهذا واجبي، ولا يساعد على التقدّم إن كان هذا هاجسك فعلاً.
كل ما أتمناه عليك هو أن تعيد قراءة مقالة ابراهيم الأمين بتروّ،
وأن تجادلها بعقلانيّة وانصاف: من أين أتيت بليبيا وإيران يا صاح؟
وهل تعتبر أنك تقدّم اضافة عبقريّة إلى السجال الذي يفتحه الأمين حول غياب الهيئات النقابيّة التي تدافع عن المحررين، على مستوى «النهار» وسواها، وعلى مستوى البلد ومؤسساته؟ قال زميلنا إن الصحف لا تعيش من مبيعها، حتى حين تتمتّع بامتيازات «النهار»، وسلبطة تايكون السوق الاعلانيّة بطريقة مناقضة لمنطق السوق (انتشار = اعلانات)... ولم يستثن «الأخبار» من أي شيء قاله عن وضع الصحافة في لبنان والعالم العربي (علماً انني أناقضه في ما يخصنا: فأي تدخّل فوقي بسيط في غير مكانه، يولّد حملة احتجاج عارمة في التحرير، على قلّة ما واجهنا هذا الامتحان! ).
الاتهامات التي لا تستند الى برهان لا تجدي يا للوس... ناقش المقالة في حيثياتها، لا في الخفايا الميتافيزيقية التي تشغلك. مطلوب اعادة نظر صحيّة في أوضاع الصحافة اللبنانيّة - التي تعيش على وهم الطليعيّة والتفوق والحريّة - مهما كانت، والى أي موقع انتمت. لا اعتقد أن في هذا الكلام تجريحاً بأحد. مجرّد أن تكون لك سلطة استعمال الكيبورد، لا تحوّلك إلى مدّع عام يا صاح. العشوائيّة لا تفيد «سياديّاً» مثلك، وبلا ليبيا بلا ايران بلا بلّوط...

مع الاحترام رغم الاختلاف - بيار أبي صعب

أرسله عنكبوت الكتروني (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-09-30 21:42.

المناقشة رائعة حول مقال رائع. مع كل امكانات النهار، فموقعهم الالكتروني تعيس ولكن الأهم ان معظم محتواها موجه ولا أعرف لماذا لا اتعنى الآن في فتح أي صحيفة غير الأخبار يومياً والسفير من وقت لآخر. وعن العديد من الصحف الاخرى لا تعليق. اللوريان مهزلة حقيقية وانا كفرنكوفوني أخجل من الواجهة التي تعطيها لبلدي من خلال تجنيها وعنصريتها وتعميماتها المكررة في كل إصدار.

أرسله بشار جنوب (لم يتم التحقق) يوم ثلاثاء, 2009-09-29 19:55.

تألق و أبدع يا أستاذ ابراهيم؛فللابداع أهل
و أنت سيده

أرسله زائر (لم يتم التحقق) يوم ثلاثاء, 2009-09-29 17:23.

ما أجمل الحقيقة عندما تأتي من قلم حر . شكراً لك رفيق على هذا المقال , لو كانت كل الأقلام حرة كالذي تكتب به , لكانت الصحافة في لبنان بألف خير . تحية إحترام وإجلال

أرسله ماهر (لم يتم التحقق) يوم ثلاثاء, 2009-09-29 17:11.

تسلم يدك ياإبراهيم، مقال جريء وحقيقي ينتصر للمحررين والصحافيين المظلومين جدا في لبنان وفي البجرين حيث أنا.

أرسله زائر مستمر (لم يتم التحقق) يوم ثلاثاء, 2009-09-29 16:21.

يذكرني ما يقال أن ما يحصل فالنهار هو "شأناً داخلياً" يذكرني بالنظام المصري عندما لايردون ألتكلم عن شيء يزعجهم (كحقوق المواطنين مثلاً)
كيف يمكن أن يكون "شأناً داخلياً" وهو حدث في المجال العام Public Domain

أرسله زائر (لم يتم التحقق) يوم ثلاثاء, 2009-09-29 11:28.

تعليق على مقالت "ازمة النهار".

كل كلمة تخرج من الفكر تعبر عن مستوى الافكار وبالتالي عن مستوى الوعي ، لذا جميع الافكر والمفردات التي ينتجها الفكر هي صفات وعي هذا الفكر.

أرسله وليد عون (لم يتم التحقق) يوم ثلاثاء, 2009-09-29 10:31.

كوني إبن شقيقة ألراحل ألصحافي ألراحل ميشال أبو جوده وأحد ورثته نحن كعائلة نملك 2500سهم ولكن تأكد أن لا أحد من ألمساهمين يعرفون ما يجري داخل ألصحيفةولا جمعيات عمومية تعقد إلا بما ندر و لتبليغنا فقط بألخسائر .
بعض ما ورد في صحيفتكم هو صحيح ولكن ألقصة ألحقيقية لتدهور ألنهار لاعلاقة له بألموضوع ألمادي بل منذ أن أقدم عبد ألحليم خدام و مروان حماده على ألإطاحة بألحرس ألقديم وعلى رأسهم ميشال أبو جوده لأسباب سياسية وأكتفي بهذا ألقدر من ألكلام في ألوقت ألحاضر. 

أرسله elias (لم يتم التحقق) يوم ثلاثاء, 2009-09-29 07:23.

اتمنى ان يكون كانب المقال اليوم وبالامس ممن يطبقون الشفافية التي يطالبوا بها النهار على الصحف الثورية والممانعة والتي لا يخى على احد مصدر تمويلها من ليبيا منذ السبعينات الى ايران اليوم...وكذلك تطبيق الديمقراطية ضمن التحرير...التنظير جميل ومحاسبة الاخرين سهلة باسم حرية التعاطي بالشأن العام. فهل يقول لنا السادة الامين والناصيف والعرير من اين تمويل الاخبار وعلى من تتكل للاستمرار؟ هذا السؤال لا يعني التهليل لصرف العاملين في التهار ولكن فليبدأ كل بالتنظيف امام بيته...

أرسله نار ونور (لم يتم التحقق) يوم ثلاثاء, 2009-09-29 05:51.

اضافة الى الشؤون المالية والمهنية النقابية والتنظيمية الداخلية التي طرحها الاستاذ ابراهيم الامين في مقالته عن "النهار" والصحافة بوجه عام، أحب ان اجد صحافيا واحدا جريئا يجيب عن هذا السؤال:
كيف يحصل في لبنان ان معظم العاملين في صحيفة المستقبل (اليمينية ... اذا لم نقل اكثر) قد تخرجوا وعملوا سنوات طويلة في صحيفة السفير (غير اليمينية... ان لم نقل أكثر)... حتى ان شقيق ناشر السفير نفسه انتقل منها الى المستقبل بعد اكثر من ثلاثين سنة!!
وقبل ان يتسرع احد بالقول ان حرية الفكر والصحافة تسمح بذلك اقول انني لا اقصد الانتقال الجسدي من مكتب هنا الى مكتب هناك بل الانتقال الفكري الذي يتجلى في ان هؤلاء يهاجمون الان ما كانوا يدافعون عنه في السابق ويدافعون عما كانوا يهاجمونه.
اعتقد انه موضوع يستحق البحث لان فيه الاجابة عن الكثير من الاسئلة حول الاسباب الذي جعلت اكثر من 70 "اعلاميا" يتضامنون مع مقال قائد حركة الوعي السابق ضد العماد عون... والذي كانت "أرقى" العبارات فيه من نوع "عو... عو... عو...)
وهل سيصل هذا الكلام الى قراء "الاخبار"؟


General