«تبرئة» إسرائيل لحزب اللّه خدمة لجيشها الممتنع عن المواجهة
يحيى دبوق
جملة من الإشارات صدرت من إسرائيل، في أعقاب سقوط صاروخ الكاتيوشا في الأسبوع الماضي بالقرب من مستوطنة كريات شمونة، من شأنها أن توضح وتؤكد، إضافة إلى إشارات أخرى، حقيقة موقف القيادة الإسرائيلية حيال لبنان. في أعقاب سقوط الصاروخ، قصفت مدفعية الاحتلال منطقة مفتوحة بالقرب من قرية حولا الجنوبية، المكان الذي انطلق منه الصاروخ، وبعدد قليل نسبياً من القذائف، مع حرص واضح على أن لا تسبب وقوع خسائر بشرية أو مادية في الجانب اللبناني، وهو ما أكدته تقارير إسرائيلية عديدة، منها ما نقل عن مصادر عسكرية قولها إنه «لا أحد في إسرائيل يريد في هذه المرحلة التسبّب بتصعيد على الحدود مع لبنان، بل يمكن القول إنه لا يوجد أحد، بالمطلق، يريد التسبّب بتصعيد»، بينما أشار أحد المراسلين العسكريين إلى أن «الجيش أطلق عشر قذائف باتجاه منطقة مفتوحة، كي لا يصيب أحداً. ومن الواضح أن الجانبين لا يريدان كسر قواعد اللعبة، وهما معنيان باستمرار الهدوء على الحدود الشمالية».
حرصت إسرائيل، على غير عادتها، على «تبرئة» حزب الله، وسارعت إلى «اتهام» منظمة فلسطينية «صغيرة»، مشيرة إلى أنها إحدى منظّمتين فلسطينيّتين عاملتين في لبنان ومرتبطتين بتنظيم القاعدة و«الجهاد العالمي»... وذلك خلافاً للرواية الإسرائيلية التقليدية في أحداث كهذه، إذ كانت تشدد على أن حزب الله هو المسيطر على الجنوب، وبالتالي يتحمل المسؤولية بصورة غير مباشرة، وكانت إسرائيل تشدد على أنه «لا يمكن أي جهة أن تعمل في جنوب لبنان من دون علم الحزب أو تغاضيه عنها». حرصت إسرائيل هذه المرة على القول إن «حزب الله لم يعلم مسبقاً بالحادث، بل لم يكن بمقدوره أن يعلم، وما كان بإمكانه منع إطلاق الصاروخ حتى إن توافرت لديه الإرادة لذلك».
في اليوم التالي لحادثة إطلاق الصاروخ، وتزامناً مع عثور القوى الأمنية على أربعة صواريخ إضافية كانت معدّة للإطلاق باتجاه شمال فلسطين المحتلة، تحدثت مصادر أمنية إسرائيلية عن أن الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، «بدأ يفقد سيطرته تدريجاً على جنوب لبنان»، وهي محاولة إسرائيلية إضافية لتأكيد عدم مسؤولية حزب الله عن أحداث إطلاق الصواريخ، سواء كانت مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة.
وجاء الرد الإسرائيلي على إطلاق الصاروخ غير متناسق بالمطلق مع تهديدات صدرت أخيراً عن ضباط في الجيش الإسرائيلي، ومنهم قائد اللواء 300 في فرقة الجليل العسكرية، العقيد رونن مرلي، الذي شدد في مقابلة صحافية قبل أسابيع، على أن لديه كل الصلاحيات والإمكانات للرد بشدة على إطلاق صواريخ على إسرائيل، مضيفاً أنه «انطلاقاً من صلاحيتي، يمكنني تشغيل نار مضادة في حال وقوع حادث كهذا، وأنا أفضل أن أرد بشدة وأن اعتذر لاحقاً، على أن أطلب إذناً. ومن أجل إزالة التهديد سأقوم بكل شيء، بل سأقدم على دخول أي قرية (في لبنان) وتدميرها، إذ يجب إزالة التهديد عن سكان الشمال».
يظهر فعل إسرائيل وقولها، في الظاهر، متباعدين... من جهة تواصل تهديدها، ومن جهة أخرى تسحب أي سبب من شأنه الدفع باتجاه تنفيذ هذا التهديد. لكن من ناحية عملية وفعلية، لا تعارض كبيراً بين قول إسرائيل وفعلها، بل هما متكاملان، إذ إن كل ما تريده في هذه المرحلة هو أن تردع أعداءها، وتحديداً حزب الله، وأن تحول دون تفعيل قدراته العسكرية ضدها، وهذا يدفعها إلى إطلاق التهديد والتذكير به بين الحين والآخر، لكن في الوقت الذي لا تريد فيه المواجهة مع حزب الله، تسحب أي سبب من شأنه استيلاد الظروف المؤاتية للمواجهة، الأمر الذي يلزمها بتغيير روايتها التقليدية عن مسؤولية الحزب عن كل ما يجري ضدها، انطلاقاً من الجنوب، ومنها إطلاق صواريخ على المستوطنات بين الحين والآخر، رغم أن تحميل حزب الله المسؤولية عن ذلك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يخدم أهدافاً إسرائيلية أخرى، غير مرتبطة بهذه المرحلة.
انطلاقاً مما ورد هنا، يتبيّن أن «تبرئة» حزب الله، والتشديد على فقدانه السيطرة على الجنوب، والحديث عن عدم قدرة الحزب على منع إطلاق الصواريخ، وكونه مشغولاً عنها في الساحة الداخلية اللبنانية، وغير ذلك، هي مقدمات ضرورية ولازمة يطلبها جيش إسرائيل كي يتجنب مساءلة الإسرائيليين أنفسهم، قبل غيرهم، عن امتناعه عن مواجهة حزب الله، وخاصة أن الرواية الإسرائيلية الأخيرة تشدّد، لأهداف دعائية داخلية، على ارتداع حزب الله و«خوفه» من إسرائيل، وتشدد أيضاً على أن جيشها قادر على إرجاعه إلى «العصر الحجري» إذا أقدم على أيّ فعل أو اعتداء ضد الدولة العبرية.
لن يخدم تهديد إسرائيل أي مصلحة إسرائيلية إذا لم يفهم أعداؤها أنها قادرة وتريد بالفعل أن تنفذ هذا التهديد، الأمر الذي لا يستقيم مع تحميل حزب الله مسؤولية حوادث إطلاق الصواريخ وغيرها، ما دامت لا تقدم على حراك فعلي عدائي ضد حزب الله، كما يظهر من أفعالها، لا أقوالها، ما يعني المجازفة بإفراغ التهديد من مضمونه، ويسحب منه قدرة الردع المطلوبة إسرائيلياً.
على ذلك، تؤكد الإشارات الإسرائيلية على الضابطة العامة التي تحكم الأداء الإسرائيلي حيال حزب الله والساحة اللبنانية في هذه المرحلة، والتي لا يبدو أنها تغيّرت: إسرائيل لا تريد و/أو غير قادرة، على شنّ اعتداء على لبنان، خشية من تبعاته، وتجنباً لمجازفة غير معلومة النتائج.







