بين التكليف الأوّل والشهر الخامس: 3 لاءات لتأليف الحكومة
نقولا ناصيف
منذ أسابيع يتبادل الموالون والمعارضون، ومن خلالهما الرئيس المكلف سعد الحريري والرئيس ميشال عون، كلاماً عن تنازلات قدّموها لتسهيل تأليف حكومة الوحدة الوطنية، وأنهم أضحوا في موقع يحول دون بذل مزيد منها. واقع الأمر أن أحداً من الطرفين لم يُقدِم على تنازل للآخر، بل بكّر في وضع شروط لتفاوضه معه منذ ما قبل التكليف الأول، إلى حدّ أصبحت معه عبئاً على كليهما، ومأزقاً طبيعياً أمام تأليف الحكومة.
على النقيض من التنازلات والشروط، كان ثمّة ما ألقى بثقله على الفريقين في آن واحد تبعاً لقواعد رسمت سلفاً مسار تأليف حكومة ما بعد الانتخابات:
أولها، تأليف حكومة وحدة وطنية تستعيد تجربة حكومة 2008 في إرساء توازن قوى داخلي لا ينبثق من نتائج انتخابات 2009، وإنما من واقع ما أفضت إليه أحداث 7 أيار 2008، على أساس أنها المعيار الوحيد لقياس التوازن السياسي. بذلك لا تستطيع الحكومة الجديدة إلا استيحاء المرتكزين الأساسيين لحكومة تصريف الأعمال برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، وهما إعطاء الغالبية النيابية النصف +1 في مجلس الوزراء، في مقابل الثلث +1 للمعارضة. وبتمويه مراوغ، عبّرت معادلة 15+10+5 عن التوازن نفسه الذي رسمته قاعدة 16+11+3، مع زيادة حصة رئيس الجمهورية بإخفاء وزيرين سنّي وشيعي لديه، يرجّحان لكل من الموالاة والمعارضة النصابين اللذين أعطاه إياهما للمرة الأولى اتفاق الدوحة.
مغزى حكومة الوحدة والوطنية وقاعدة 15+10+5، أن أحداً من الموالين والمعارضين لا يستطيع الادّعاء بأنهما تنازلان قدّمهما أحدهما للآخر كي يبادر هذا الآخر إلى تقديم تنازل مماثل. مذ انتهت انتخابات حزيران قرّرت دمشق تقويض نتائجها، ولم تظهر الرياض في المقابل إصراراً على فرض تلك النتائج، على وفرة الدعمين السياسي والمالي اللذين قدمتهما لقوى 14 آذار كي تمسك بالغالبية النيابية.
ثانيها، ترؤس الحريري حكومة الوحدة الوطنية سواء لتزعّمه الطائفة السنّية وتنظيمها القوي تيار المستقبل والغالبية النيابية، أو لأنه يعبّر، في مواجهة حزب الله، عن الكفّة الثانية لميزان النفوذ السعودي ـــــ السوري ومرجعية ضرورية لاستيعاب أي تناقض سنّي ـــــ شيعي في الشارع يخشى معه اندلاع فتنة مذهبية. عنت هذه المخاوف الرياض مقدار ما عنت دمشق التي تريد بدورها فتح صفحة جديدة مع سنّة لبنان، لا تكتفي بالتعويل على الدور السعودي فيها ومعهم. تريد أيضاً طيّ صفحة أكثر إرباكاً لها في الأعوام المنصرمة هي اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتداعياته. لكنها بالتأكيد لا تعوّل على الحريري لبناء علاقتها بلبنان، وقد وُضِع ملفها بين يدي الرئيسين ميشال سليمان وبشّار الأسد.
ثالثها، الموقف القاطع لرئيس الجمهورية بعدم توقيع مرسوم تأليف حكومة لا تحمل مواصفات حكومة الوحدة الوطنية. بذلك يتركز موقف الرئيس، وتوقيعه الذي يضفي على التأليف شرعية إبصار النور ما دامت شرعية الحكم مستمدة من مجلس النواب، حول المرجعية التي يعدّها الأكثر ضماناً للاستقرار السياسي والأمني. يحتكم سليمان إلى الفقرة «ي» من مقدمة الدستور لا إلى نتائج انتخابات 7 حزيران. الأولى تجعله لا يوافق على حكومة لا تحظى بتأييد المعارضة لأسباب تتجاوز مطالبها ومطالب بعض أفرقائها كعون، إلى بناء سلطة إجرائية توطّد الاستقرار السياسي، ولا تفتعل أزمة تقود إلى الاحتكام للشارع. وفي الثانية لا يفضي الأخذ بنتائج الانتخابات إلا إلى تأليف حكومة الغالبية التي لا تكتفي بالسيطرة على الحكم، بل تقيّد رئيس الجمهورية، إذ يفقد عندئذ دور الحَكَم ما دام التصويت في نهاية المطاف هو في يد الغالبية.
بالتأكيد يُمسي موقف الرئيس، وتوقيعه المشروط، عقبة في طريق قوى 14 آذار والرئيس المكلف عندما يقرّر الأخير حجب حقائب أساسية عن المعارضة، ويضعها في فريقه لدوافع مبرّرة هي أن حلفاءهم هم الذين انتصروا في الانتخابات.
بإزاء القواعد الثلاث، يبدو فريقا النزاع في حاجة إلى إنزال بعض أحمال شروطهما عن كاهلهما، وكلاهما دخل التفاوض مع الآخر بشروط مسبقة، توطئة للإيحاء بأن التراجع عنها تنازل لا يستطيع القبول به. على نحو كهذا، قادت الشروط المتبادلة الأفرقاء إلى مأزق حتمي، ممّا يقتضي العودة مجدّداً إلى حيث كانا في التكليف الأول، وكلاهما يعرف سلفاً ما يريده الآخر من داخل معادلة 15+10+5:
ـــــ لا مسّ بحصص رئيس المجلس نبيه برّي ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، ما دام حزب الله لم يتشبّث مذ بدأ التفاوض بحقائب محدّدة. وهكذا صارت حقائب الخارجية والصحة والأشغال العامة والنقل خارج المقايضة.
ـــــ لا مسّ بالحقائب السيادية الأربع التي كانت في صلب بناء المعادلة.
ـــــ لا مسّ بتوازن القوى الذي رعى تأليف حكومة الوحدة الوطنية برئاسة السنيورة العام الماضي. والمقصود بذلك ليس احترام حصص سليمان وبرّي والحريري وجنبلاط وحزب الله فحسب، بل أيضاً حصة عون. التطوّر الطبيعي لاستمرار مراعاة هذا التوازن، هو تخلّي الحريري مجاناً عن شرطين افتتح بهما تكليفه الأول بعدما اتضح له أنه لن يتقدّم قيد أنملة في التأليف ماص لم يتخلّ عن شرطين، كانا أقرب إلى مناورة مكلفة وعبء ثقيل منهما إلى استنزاف حصة الجنرال، وهما توزير صهره الوزير جبران باسيل وإبقاء حقيبة الاتصالات في عهدة التيار الوطني الحرّ ما دامت الحقائب الأخرى الرئيسية المماثلة، كالصحة والأشغال العامة والنقل، حيث كانت.








يحلل المحللون ،ويتناقش المتناقشون ،ويتكهن المتكهنون عن موعد تشكيل الحكومة لكن العديد من المواطنين لسان حالهم يقول :وأي حكومة شالت الزير من البير .ألفوا حكومة ولا على مهلن ،متل بعضا. إن تأليف الحكومة يكشف عن عاهة في السياسة اللبنانية حيث يتصارع الجميع وعندما تحل المشكلة يتضح أن مجيء هذا الوزير بدلا ً من ذاك مسألة شكلية ليست بذات مردود .المهم اليوم أن المواطن يضع يده على فلبه لأن السياسة متى وصلت الى طريق مسدود سلك الحوار دروبا أخرى .