«المواطنية الاجتماعية» في مواجهة الطائفية

مهى يحيى من برنامج الامم المتحدة والمدير الاقليمي للبرنامج سيف الدين آبارومهى يحيى من برنامج الامم المتحدة والمدير الاقليمي للبرنامج سيف الدين آبارورشا أبو زكي

•ورشة عمل لـ UNDP تمهيداً للتقرير الوطني للتنمية البشرية
ورشة لـ«UNDP» تراقب تأثير الطائفية على الوضع الاجتماعي والإقتصادي في لبنان، كلمات المحاضرين تخترق التابو الطائفي، الحضور يصفّق، وبين متكلّف ومنزعج تستمر المحاضرات، ولكن الواقع قبل الورشة هو نفسه بعدها، فهل ستكون لهذه الدراسات نتائج أم سيبقى الموضوع الطائفي مناسبة لإطلاق المواقف؟

الطائفية... المواطنية... الاقتصاد، ثلاث كلمات شكلت محور ندوة اقتصادية اجتماعية صاخبة، نظمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار في فندق «البريستول» حول «المواطنية الاجتماعية ـ الاقتصادية». ووفق التوجهات الاقتصادية لكل محاضر صبغت الكلمات والحوارات، وطالت الشروحات واختلفت، فهل الطائفية تؤثر حقاً على المواطنية الاجتماعية؟ وهل المواطنية هي العلمانية أم إطار يحدد حقوق المواطن وواجباته؟ وهل الانقسام العمودي للمجتمع محدد في لبنان كالتقسيم الأفقي المحتدم، وكيف يؤثر كلاهما على الآخر؟ وبين خبراء اقتصاديين محنكين ومخضرمين، ضاع بعض الاقتصاديين الشباب، وأصبح كل حرف ينطقون به محل تشكيك وانتقاد، وخصوصاً أن دراساتهم تضمنت بعض الثغر والأرقام غير الدقيقة والمصادر غير الموثوقة...

المحور الأول: كسبار والسوق الحرة

وتحدث الخبير الاقتصادي توفيق كسبار في الجلسة الأولى عن «النمو الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي: حالة تناقضات؟»، وتطرق إلى إشكالية تدهور الوضع الاجتماعي سنوياً، وصولاً إلى الوضع القائم حالياً، وإلى علاقة النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وعرض مقاربة النظريات الاقتصادية لهذا الموضوع. وقال إن الفكر الاقتصادي السائد يربط النمو بالسوق الحرة التنافسية، وإن النمو التدريجي يحقق تحسناً في الأوضاع المعيشية لمختلف الشرائح الاجتماعية، لافتاً إلى أن التساؤلات عن فاعلية السوق الحرة بدأت منذ أوائل القرن العشرين. وأشار إلى أن تطبيق الحرية الاقتصادية في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية يتزامن مع تدخل مستمر للدولة عبر تأمين الحاجات الأساسية للمواطنين من تعليم وحد أدنى للأجور وطبابة وضمان الشيخوخة وتعويض البطالة، معتبراً أن تاريخ الدول المتقدمة يتناقض مع توقعات السوق الحرة، فيما السوق الحرة في لبنان لم تأت عبر النمو الاقتصادي القوي ولا عبر تأمين العدالة الاجتماعية، مشيراً إلى أن مشكلتنا الأساسية ومأساتنا تكمن في تكوين الدولة نفسها. وعقّب على الكلمة الدكتور منير راشد.

حمدان: في الدولة الطائفية

وتحت عنوان «دور الدولة في القطاع الاجتماعي»، تحدث الخبير الاقتصادي كمال حمدان، لافتاً إلى أن «عناصر المواطنية بدأت تتشكل بعد الاستقلال، وقد تحققت عدة مطالب اجتماعية، وجزء أساسي من هذه المطالب تحقق بفعل وجود توازن طبقي كان للشباب الدور الأساسي في تكوينه. ومع بدء الحرب الأهلية تراجع دور الدولة الاجتماعي وبدأ يبرز عمل القطاع الخاص والمجتمع المدني ـ الطائفي، وتعمّقت في حقبة الحرب كل مؤشرات التدهور الاجتماعي. وارتفع معدل التضخم، فيما الأجور المتدنية لم تكن لتغطي الحاجات المعيشية المتنامية، وخصوصاً أن نحو 60 إلى 70 في المئة من العمال هم أجراء. وبعد الحرب الأهلية أي منذ اتفاق الطائف بدأت مرحلة الإعمار، ومنذ عام 1997 زاد إنفاق الدولة الاجتماعي، إلا أن هذه الزيادة لم تكن إنجازا طبقياً أو نقابياً، وإنما إعادة توزيع للحصص بين الأطراف الطائفية ـ السياسية.
وأشار حمدان إلى أن التطرق إلى دور الدولة التمويلي يدخل إلى فسيفساء العلاقة بين الدولة التي لا تريد أن تأخذ دورها الرعائي والمجتمع المدني المصبوغ طائفياً، ورأى أن الدولة تموّل 30 في المئة من كلفة الصحة و40 في المئة من كلفة التعليم، وهي في كثير من الأحيان تقتطع من ميزانيتها لتمويل المؤسسات الطائفية، وبذلك تكون الدولة متورطة في زيادة نفوذ الطوائف على حساب الدولة. وأشار حمدان إلى وجود اختلال اجتماعي كبير في لبنان يؤدي إلى حالات من عدم العدالة، مشيراً إلى أن الأجراء مثلاً يشكلون 60 في المئة فقط من المسجلين في الضمان الاجتماعي، وأن أكثر من مليوني لبناني يعانون مشاكل تتعلق بمصادر الدخل وأوجه الإنفاق الاجتماعي.

شعبان: خدمات عامة للطوائف!

وتطرق الدكتور جاد شعبان والدكتورة نسرين سلطي إلى موضوع «الإنفاق العام في القطاعات الاجتماعية»، ولفت شعبان إلى أن الطائفية تؤدي دوراً أساسياً في توزيع الخدمات العامة، مشيراً إلى أن الطائفية متواجدة في توزيع الاستثمار العام وإلى أن دراسة للبنك الدولي قلبت ما يتم تصويره بأن النمو الاقتصادي يسهم في خفض التفاوتات الاجتماعية، وبينت الدراسة أن التفاوت الاقتصادي والاجتماعي يؤثر سلباً على النمو. من هنا، يجب التطرق إلى معالجة مشكلة التفاوت للحصول على تطور في نسبة النمو.الحضور يقف لحظة الاستماع الى النشيدالوطني (مروان بو حيدر)الحضور يقف لحظة الاستماع الى النشيدالوطني (مروان بو حيدر)
وأشار إلى أن 22 في المئة من اللبنانيين كانوا فقراء في عام 1973، وارتفعت هذه النسبة إلى 30،9 في المئة في عام 1995 وتراجعت إلى 25 في المئة في عام 2004. ولفت إلى أن نسبة الفقر ترتفع في الشمال والجنوب وتعدّ الأكثر انخفاضاً في بيروت، موضحاً أن المؤشرات هذه تدرس أوضاع اللبنانيين وليس المقيمين في لبنان، وأن إدخال شريحة المقيمين من الممكن أن ترفع معدل الفقر بشكل كبير. وأورد شعبان عدداً من الإحصائيات الواردة في مجلة محلية، واستند عليها في تحليل اتجاهات الفقر في لبنان وفي إحصائيات رسمية تعود بمعظمها الى الإحصاء المركزي لبناء تحليلاته.

نحاس: مشكلة المراجع

مشكلة المراجع الواردة في دراسة شعبان أثارت جدلاً واسعاً في الندوة، وعقّب الخبير الاقتصادي شربل نحاس، قائلاً إن الدراسة تعاني مشكلات متعددة على صعيد المراجع الإحصائية، لافتاً الى أن مؤسسة الإحصاء المركزي، بدعم من الأمم المتحدة والبنك الدولي، أعدّت دراسة عن الأحوال المعيشية للأسر منذ أربع سنوات ولم تصدر نتائجها حتى الآن، وهي لم تنظر إلى موضوع الأجور والمداخيل وغيره من المؤشرات، كما انها مبوبة بشكل سيئ جداً، لافتاً الى وجود العديد من المراجع التي من الممكن البناء عليها في الدراسات الاقتصادية ومنها ما هو صادر عن مجلس الإنماء والإعمار، إضافة الى خطة ترتيب الأراضي. وأشار الى أنه من غير المبرر أن تتوزع الاستثمارات العامة على الأقضية ووفق الحاجات. إذ لا يمكن بحجة الإنماء المتوازن أن يتم إنشاء مرفأ في بعلبك، أو مطار في إحدى مناطق الشوف، معتبراً أن انخفاض مؤشرات الفقر في بيروت لا يجب أن يتحول الى نظرة حقدية، داعياً إلى النظر في حصيلة توزيع الخدمات، ومعرفة من المستهدف منها وما هي نتائج هذا الاستهداف.
ولفت إلى أن توزيع الخدمات حالياً عبر مقولة الإنماء المتوازن هو مصطلح محبب يتناغم مع التوزيع الطائفي لهذه الخدمات.

المحور الثاني: حدّاد والاقتصاد الكلّي

وتناول شعبان والدكتور بشار حيدر إشكالية الإقصاء الاجتماعي، فتطرق الأخير الى موضوع العلاقة بين الإقصاء الاجتماعي والعدالة والمساواة، في حين أضاء شعبان على الأهداف الألفية للأمم المتحدة التي لا تتناسب مع الأوضاع الداخلية الخاصة لكل بلد، لافتاً الى أن موضوع الإقصاء الاجتماعي له زوايا عدة لتبيان مؤشراته، ومنها ما يتعلق بالدخل والبطالة المقنعة والصحة والنساء اللواتي لا يعملن ولم يتعلّمن...
الخبير الاقتصادي أنطوان حداد عقّب لافتاً الى أنه يفضل في دراسة المكونات الاجتماعية في لبنان، أن لا تقتصر الدراسات على تفنيد المجتمع اللبناني الى طبقتين، معتبراً أن زيادة التقسيم الطبقي في الدراسة يعطيها المزيد من التنوع والدقة، وإلى أنه «لا ينقصنا انقسامات قطبية في لبنان». وأشار الى أن الدراسات لا يجب أن تتطرق الى مقيم ولبناني، بل الى أن كل من لديه حقوق عليه واجبات، وكل من يقوم بواجباته لديه حقوق، لافتاً الى أن هناك فرقاً بين التمتع بالحق والتمتع بالخدمة.
وأشار حداد الى أن المواطنية هي التساوي في الحقوق والواجبات بغض النظر عن كل الاعتبارات الأخرى. وأبرز الواجبات هي سداد الضرائب، على أن يقابلها حقوق معينة، معتبراً أن تصنيف الحقوق مسألة واسعة، ولكن هناك بعض الحاجات الأساسية التي يجب تأمينها مثل الغذاء والملبس والمسكن والصحة والتعليم. وأضاف إنه لا يمكن القيام بأي إصلاحات اجتماعية من دون تثبيت إطار لسياسة اقتصادية كليّة.


نظام ينتج الأزمات

عقّب الدكتور يوسف الخليل على دراسة الخبير الاقتصادي كمال حمدان، لافتاً الى أن المواطنية أساسها علماني وليس طائفياً، ولفت الخليل الى أن تحقيق المواطنية في مجتمع طائفي يعدّ مهمة صعبة، إذ إن هذا النظام لا ينتج إلا الأزمات، وهذا ما يساعد النظام على تجديد نفسه وتأمين استمراريته، داعيا الى أن تتم دراسة كلفة التدخلات الطائفية من الناحية الاقتصادية وأن يتم الحديث بشفافية عن نتائج التدخلات الطائفية على عمل المصرف المركزي والجامعة اللبنانية والضمان الاجتماعي. وأشار الى أن وزارة الشؤون الاجتماعية توزّع المساعدات على جمعيات بمعظمها طائفية، وغالبيتها لا تعمل، مقترحاً أن لا يتم تنفيذ أي مشروع من دون إجراء دراسة جدوى اقتصادية واجتماعية.


عدد الثلاثاء ٢٢ كانون الثاني ٢٠٠٨ | شارك