دروس البصرة: هل نجح الصدريّون في تثمير صمودهم العسكري؟
علاء اللامي *
بصراوي ينتدب بعد مقتل أحد أقربائه في البصرة يوم الاثنين الماضي (عاطف حسّان ـــ رويترز)لم ينجلِ بعد غبار معركة البصرة تماماً، وقد يكون الهدوء النسبي الذي تلا البيان الأخير للسيد الصدر، الداعي لإزالة المظاهر المسلحة، ليس أكثر من استراحة المحاربين. غير أن ثمة اعترافات كثيرة تسجل، وبصوت عال، هزيمة عسكرية حلت بالطرف الحكومي، وهناك العديد من الشواهد يكفي أن نذكر منها: اعتراف المالكي في سادس أيام المعركة بأن جيشه لم يكن مستعداً أو جاهزاً لمعركة البصرة، أما صحيفة «نيويورك تايمز» فقالت إن الصدر نجح تماماً في فرض شروطه على حكومة المالكي. الاستخبارات الأميركية، التي تعدّ حجة في الميدان المعلوماتي، أكدت من جانبها ــ كما نقلت صحيفة اندبندنت أون صاندي ــ أن قوات المالكي لا تسيطر إلا على أقل من ربع مدينة البصرة، أما وزير دفاع المالكي، عبد القادر العبيدي فقد اعترف بأنه لم يتوقع هذا المستوى من القوة في المقاومة التي أبداها مقاتلو التيار الصدري.
إن التخبط والتناقضات التي طبعت الخطاب الحكومي تؤكد أيضاً الفشل الحكومي العسكري. أما سياسياً فهي ــ حكومة المالكي ــ نجحت وحسب في حشد قواها وقوى حلفائها في أحزاب التحالف الطائفي العرقي الحاكم، والمؤلف بشكل أساسي من حزب المجلس الأعلى والتحالف الكردستاني وجبهة التوافق. واللافت أن هذه الأخيرة أبدت في الأيام الأولى للقتال اندفاعاً لا يقل عن اندفاع الحزبين الكرديين في التضامن مع المالكي وحملته العسكرية، ثم عادت لتخفف من هذا الاندفاع حين طالبت بلسان رئيسها عدنان الدليمي بالاستجابة للمطالب الواردة في بيان الصدر. هذه المواقف للأحزاب المتحالفة مع الاحتلال والداعية لبقاء قواته على أرض العراق، لم تفاجئ الكثيرين، ومنهم بل في مقدمتهم الصدريين الذين يعرفون بأن رؤوسهم مطلوبة من جانب الاحتلال وحلفائه المخلصين. لكن المفاجأة المؤسفة جاءت من جانب أوساط تحسب نفسها على معسكر مناهضة ومقاومة الاحتلال، حيث رأت هيئة علماء المسلمين أن حملة التصفية الدموية ضد التيار الصدري من جانب القوات الحكومية، والصمود البطولي والتضحيات الغالية في مواجهتها، مجرد «مواجهات وصراع على النفوذ بين بعض القوى». وجهة النظر هذه كررها بعد يوم واحد وبشكل حرفي نائب مقرب من البعث في البرلمان هو محمد الدايني، رغم أنه ــ والحق يقال ــ سجل تضامنه مع الصدريين في محنتهم وصمودهم، الأمر الذي لم تفعله هيئة العلماء. قوى وفصائل أخرى اعتلت منبر توجيه الحِكَم والنصائح، بل وطالبت التيار الصدري بالبراءات والتأكيد على الثوابت، وكأنه متهم في وطنيته وفي مقدار عدائه للاحتلال، فيما ينزف مقاتلوه ومنتسبوه وجماهيره المدنية شلالات من الدماء في مواجهة دبابات المالكي وطيران المحتلين.
ولعل أطرف ما قيل هنا هو العتب الذي وجهه أحد الكتاب الوطنيين العراقيين إلى قيادة الصدريين لأنها لم تذكر خلال الانتفاضة اسم مدينة الفلوجة أو غيرها!! ولا ندري لماذا يجب على الصدريين أن يبادروا إلى ذكر اسم الفلوجة أو الرمادي أو خرنابات، أم أن الواجب الوطني والإنساني يحتم على القوى الوطنية والمناهضة للاحتلال في الفلوجة أن تبادر هي ذاتها إلى دعم ومساندة المنتفضين في البصرة، كما حدث خلال انتفاضتي النجف السابقتين الباسلتين. حسبنا أن نشير إلى أن الجماهير الشعبية، وسكان المناطق التي تنشط فيها هذه القوى، أبدت من التضامن الوطني والإنساني الشيء الكثير، مما جعلها ــ كما هي العادة العراقية العريقة ــ متقدمة بأطوار على عقلية قياداتها الحزبية المحلية، فشاهد العالم حملات التبرع بالدماء وجمع المساعدات في أحياء العرب السنة في بغداد لمناطق نفوذ التيار الصدري المقصوفة والمحاصرة، وذلك رغم مضايقات عناصر «الصحوة» الذين أبدوا إخلاصاً «غريباً» لدافعي أجورهم المحتلين، وكذلك الحال في مدينة تكريت التي هبَّ سكانها للتبرع بالدماء لأشقائهم الجنوبيين.
بالعودة إلى استقراء نتائج معركة البصرة والجنوب، التي لم تضع أوزارها حتى اللحظة، يمكن القول إن الحكم المتحالف والمحمي بالاحتلال، اكتشف كم هو هش وضعيف، كما اكتشف التيار الصدري كم هو صلب وأشد مراساً مما كان ربما يعتقد. هذا على الصعيدين العسكري والتعبوي، أما على الصعيد السياسي، فيمكن تلخيص الدروس المستقاة من هذه المعركة الحاسمة بالتالي:
ــ لم يتمكّن التيار الصدري من تحشيد حلفاء جدد، كما لم يتمكن من استنهاض حلفاء قدماء، وقد يكون لفترة التخبط والعزلة التي عاشها خلال «تجميد النشاط» تأثيرها في ذلك. كما لم يتمكن التيار من تطوير واستثمار حالة الالتحاق بصفوفه من جانب وطنيين عراقيين من غير الصدريين، كأن يفتح لهم فصائل قتالية مستقلة على طريقة ما فعل «حزب الله» في لبنان أيام مقاومة الاحتلال الإسرائيلي مثلاً.
ــ لم ينجح التيار في قيادة العصيان المدني السلمي رغم البداية القوية والمتنامية التي بدأه بها، ولم يطرح الشعارات السياسية الملائمة لكل مرحلة.
ــ الأداء الواهن للقيادات السياسية العلنية للتيار، وخصوصاً بعض أعضاء الكتلة البرلمانية التي غرقت في ردود الأفعال العاطفية، غير المحسوبة والانفعالية، كما حدث في المشادة البرلمانية بين رئيس الكتلة وأحد نواب حزب المالكي.
ــ السقف السياسي المنخفض الذي ورد في بيان الصدر الداعي لإنهاء المظاهر المسلحة، حيث لم يرد أي مطلب ذي صفة شمولية، كأن يطالب بجدولة انسحاب محددة وقصيرة لقوات الاحتلال، أو رفض التفاوض مع المحتلين حول اتفاقية الوصاية القادمة، ورفض مجموعة القوانين اللصوصية كقانون النفط والغاز، أو تلك المؤدية إلى تقسيم العراق كفدرالية الجنوب والاستفتاء على كركوك...
لقد أثبتت حالة الصمود والاستعداد للتضحية لدى جماهير المقاتلين والمنتفضين في البصرة وعموم الجنوب العراقي أن الأمل ما زال معقوداً على الشعب العراقي وقواه الحية والنظيفة المناهضة للاحتلال. إلا أن الانتصارات العسكرية، مهما كانت جلية ومتميزة، فلا يمكن تثميرها سياسياً دون مشروع سياسي وطني يقطع مع منهجية التردد والسير على الحبلين، وينأى عن البواعث المذهبية والجهوية مهما كان مفعولها بسيطاً وغير ملحوظ.
* كاتب وصحافي عراقي


