«الشهابية» تطل مجدداً

محمد زبيب
لم يبالغ طوني الشويري (المصرفي السابق وممثل الكتلة الشعبية) عندما وصف ما تم «التوافق» عليه بين ممثّلي الكتل النيابية والأحزاب الأساسية في «المنتدى اللبناني الثاني حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، بأنه «توافق سياسي» يُنهي القطيعة الطويلة مع إنجازات «الشهابية» في مجالات تعزيز دور الدولة «الراعية» ووظيفتها، ودعم مسار التنمية، وتحسين نوعية الحياة في لبنان... فهذه هي المرّة الأولى، منذ استقلال لبنان، التي تضطرّ فيها الطبقة السياسية، ولو بضغط من الاتحاد الأوروبي، إلى تجاوز المصالح «الضيّقة» لمكوّناتها الأساسية، وترضى ببدء العمل على تفكيك بعض من منافعها الكثيرة المموّلة من المال العام، والمسخّرة من أجل إطالة أمد احتكارها تمثيل الطوائف والمناطق والشوارع والساحات...
إن التوافق المذكور، الذي صاغه حوالى 30 وكيلاً يحملون «تفويضات» من الكتل النيابية والأحزاب السياسية الرئيسية والجمعيات المهنية، بالإضافة إلى عدد من الخبراء المستقلّين، يلزم هؤلاء العمل الجدّي على إنشاء نظام ضمان الشيخوخة وتعميم الضمان الصحي (المموّل بالضرائب) ليشملا جميع اللبنانيين... وأهمية ذلك لا تنحصر في الاستجابة لمطلبين اجتماعيين مزمنين، بل تتجاوزها إلى المستوى السياسي، باعتبار أن مجرد الإقرار بضرورة تغيير السياسات الاجتماعية في هذا الوقت بالذات، ينطوي على إقرار آخر بفشل كل المقاربات المعتمدة حالياً لمواجهة التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في ما يسمى برنامج الإصلاح الذي التزمته الحكومة أمام اجتماع باريس 3.
فالحكومات المتعاقبة، منذ اتفاق الطائف تحديداً، درجت على تكرار خطاب «جائر» يرى أن «النمو الاقتصادي وحده كفيل بتوفير الأمان الاجتماعي»، وأن دور الدولة يجب أن يكون «محدوداً»... ولكنها في الوقت نفسه، كانت تستجيب لسلوكيات «التبذير» التي مارستها القوى «المالية والميليشياوية» المكوّنة لها، فانتهى الأمر إلى نتائج كارثية أسهمت في مراكمة مديونية ضخمة على كاهل اللبنانيين الذين باتوا يتحمّلون أكلافاً باهظة من دون أن يحصلوا في المقابل على أبسط الحقوق الاجتماعية. ولعل المثال الصحي هو خير دليل على هذه النتائج، إذ إن لبنان يتربّع على أعلى مرتبة بين الدول لجهة الإنفاق على الصحّة، فيما أكثر من نصف سكّانه غير مشمولين بأي نوع من أنواع الحماية أو الضمان.


عدد الجمعة ٢٥ نيسان ٢٠٠٨