معالجة معاناة المستهلكين بدلاً من مدح الحكومة
تدعو جمعية المستهلك مكتب البنك الدولي في لبنان والمؤسسات الدولية الأخرى، إلى الاستماع إلى أصوات ممثلي المجتمع المدني في لبنان، والدفع باتجاه الحوار والتعاون الاقتصادي في لبنان، بدلاً من كيل المدائح وشهادات حسن السلوك للحكومة، لأنها بذلك تشجعها على الاستمرار في سياساتها التي هي في أساس معاناة المستهلكين
زهير برو رئيس جمعية المستهلك في لبنان
روبرت زوليك رئيس البنك الدولي في العالمتابعت جمعية المستهلك في لبنان باهتمام تحذيرات البنك الدولي والأمم المتحدة، المتصلة بمخاطر ارتفاع الأسعار ودفع ملايين جديدة من البشر نحو الفقر، لكننا تابعنا أيضاً، بأسف بالغ، اجتماعات المجموعة التأسيسية لمانحي لبنان التي مدحت النتائج الاقتصادية والمالية التي حققتها الحكومة اللبنانية خلال عام 2007، وغياب المخاطر الاقتصادية والمناعة والاستقرار والصدقية التي وفّرتها الحكومة. إن جمعية المستهلك، التي تعيش هموم المجتمع اللبناني وتتابع يومياً العديد من الملفات الاقتصادية، تسأل: هل إن هذه التصريحات هي عن لبنان نفسه الذي نعيش فيه، أم عن لبنان آخر موجود فقط في رأس بعض المسؤولين الدوليين؟ وعن أية إنجازات يتحدثون؟ هل عن الأسعار أم عن الدين العام، أم عن الاستقرار الاقتصادي أم السياسي؟
عام أسود
إن عام 2007 كان عاماً أسودَ على المستهلكين الذين رأوا شؤونهم، وقدراتهم الشرائية خاصة، تتراجع بشكل خطير، بدون أي تصحيح للأجور، وقد أدى ذلك إلى مضاعفة الفقر والبطالة والهجرة. إن الحكومة اللبنانية تتحدث عن معالجة تأثير ارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية، فلننظر كيف عالجت هذه المسألة بالذات.
1. تصدر جمعية المستهلك مؤشر المستهلك الفصلي منذ 1/7/2006، وهو يعتمد حوالى 160 سلعة وخدمة يستهلكها اللبنانيون بشكل يومي أو شبه يومي، ويجمع معلوماته من السوق مباشرة. وقد أظهر المؤشر أن ارتفاعات الأسعار ابتدأت منذ حرب تموز 2006 ولم تتوقف حتى الساعة، وقد بلغت خلال الــ21 شهراً الأخيرة 43,03% وقد طالت الارتفاعات كل القطاعات تقريباً.
2. بالرغم من ذلك، ألغت وزارة الاقتصاد القرارات الوزارية التي تحدد نسبة أرباح التجار بالنسبة للسلع الأساسية، بحجة الاستعداد للدخول إلى منظمة التجارة العالمية التي تتحضر الحكومات المتعاقبة لدخولها منذ 12 سنة. بالمقابل، لم تفعل الحكومة شيئاً لإصدار قانون المنافسة، بالرغم من مطالبتنا الدائمة بذلك، تاركة المستهلكين في مهب الريح، خاصة في ظل وجود احتكارات قوية تسيطر على أكثر من 60% من الاقتصاد اللبناني (وكالات حصرية، ممارسات احتكارية معلنة وغير معلنة الخ....).
3. ومع الارتفاعات العالمية لأسعار الحبوب والقمح بشكل خاص، لم تر الحكومة حلاً إلاّ بالدعم العشوائي للخبز الذي وصل إلى 65 مليون دولار سنوياً، والذي يذهب إلى عدد من المطاحن والمخابز، وقد رفضت الحكومة طلب الجمعية بتأليف لجنة فنية تدرس الأرقام الحقيقية للاستيراد الخاص بالخبز المدعوم ونسبة أرباح المخابز، وقد صرّح وزير الاقتصاد سامي حداد مراراً أنه كان يقرر حجم الدعم بناءً للضغوظ السياسية التي يتعرض لها. بالمقابل، لم تقم الحكومة بأية خطوة لتشجيع المزراعيين على زراعة القمح والحبوب، في ظل الارتفاعات العالمية الخطيرة. وأيضاً في قطاع الحليب ومشتقاته، أهملت الحكومة الإنتاج الكبير الذي وصلت إليه الزراعة اللبنانية قبل أربع سنوات، ولم تعمل شيئاً لدعم المزارعين، مما أدى إلى انهياره، وأدى إلى الارتفاعات الكبيرة في أسعار سلع هذا القطاع الذي يُعدّ جزءاً أساسياً من الاستهلاك الغذائي اليومي. كذلك صرّح وزير الاقتصاد مراراً عند طلب دعم الدولة لبعض القطاعات الإنتاجية، أن الصناعات والزراعات التي لا تستطيع المنافسة، عليها الهجرة إلى الخارج!
4. أما في قطاع الخلوي، فإن أسعار الاتصالات هي الأعلى في العالم، لأن تكلفة الحدّ الأدنى للدخول إلى الشبكة هي 504 دولارات سنوياً، وليس هناك مثيل لهذه الأسعار في العالم، وهي تمثّل 12.5 في المئة من دخل الفرد! وكان همّ الحكومة الوحيد خلال 2007 هو بيع الاحتكار الحالي إلى الاحتكار الخاص، رافضة تحريره وفتحه للمنافسة. كذلك رفضت الحكومة معالجة التردي العام في أحوال الشبكة، ورفضت توسيعها، وهذا يؤدي إلى انقطاعات شبه دائمة في الخطوط، تزيد من كلفة الاتصالات، ويحرم 75 في المئة من اللبنانيين من الاستفادة من هذه الخدمة القائمة منذ 1994. ولم تكتف الحكومة بذلك، بل حصرت أيضاً التوزيع بـ27 موزعاً للبطاقات، أدخلوا القطاع في السوق السوداء، حيث يصل سعر البطاقة أحياناً إلى 250 دولاراً بدلاً من السعر القانوني 50 دولاراً، هذا وقد رفضت الحكومة مراراً اقتراحات الهيئات الاقتصادية والنقابات وجمعية المستهلك (عشرون هيئة تمثّل مجموع المجتمع المدني تقريباًَ) التي دعت إلى إصلاح القطاع وتحريره قبل خصخصته، وذلك لتخفيف الأعباء عن المستهلكين ولتطوير القطاع، الذي تراوح نسبة المشتركين فيه حوالى 25 في المئة مكانها، منذ عام 2000!
5. وفي الوقت نفسه، رفضت الحكومة تطبيق قانون حماية المستهلك الصادر في شباط 2005، وذلك عندما رفضت تعيين 120 مراقباً في مديرية حماية المستهلك التي هبط عدد مراقبيها إلى 30 مراقباً، الذين سيتقاعدون بدورهم خلال شهور قليلة! وأيضاً رفضت الحكومة تعيين موظفين اثنين، وشراء بعض الاحتياجات المكتبية لكي تستطيع لجنة حل النزاعات (محكمة المستهلك) بدء عملها، وهي المعينة من قبل مجلس الوزراء منذ عامين ونصف عام، بالرغم من النداءات المتكررة للجمعية.
نحو الحوار
خلال حملة مقاطعة الهاتف الخلوي (بلال جاويش)وفي الخلاصة، وتحت شعار «الاقتصاد الحر»، دعمت الحكومة علناً دور الاحتكارات والفساد، ورفضت اتخاذ الإجراءات التي تضبط ارتفاع الأسعار، وتخفف من حدّة الأزمة على الفقراء ومتوسطي الحال من المستهلكين. إن الأقوال شيء والوقائع شيء آخر، ونحن نعتقد، كممثلين للمستهلكين، أن على الهيئات الدولية المانحة، كما الدول المانحة، أن تأخذ بالاعتبار معاناة المستهلكين الكبيرة التي لن يخفف مديحكم للحكومة شيئاً منها.
أخيراً، تدعو جمعية المستهلك مؤسستكم الدولية، والمؤسسات الدولية الأخرى، إلى الاستماع إلى أصوات ممثلي المجتمع المدني في لبنان، من نقابات وهيئات اقتصادية وجمعية المستهلك ومراجعة مواقفها، والدفع باتجاه الحوار والتعاون الاقتصادي في لبنان، بدلاً من كيل المدائح وشهادات حسن السلوك للحكومة، لأنها بذلك تشجعها على الاستمرار في سياساتها التي هي في أساس معاناة المستهلكين.
بديل السياسات المدمرة
إننا ندفع الآن كجمعية مستهلك، باتجاه حوار اقتصادي اجتماعي حقيقي بين الهيئات الاقتصادية والنقابات من جهة، والحكومة من جهة أخرى، لاتخاذ الإجراءات الملحة لمعالجة ارتفاع الأسعار، ولوضع سياسات قطاعية متفق عليها بين الأطراف، بديلاً من السياسات المدمرة التي تعتمدها الحكومة حالياً، والتي تنقل البلد من أزمة إلى أخرى، وتعمّق الفقر والبطالة والهجرة وما تولده من اضطرابات وحروب في منطقة مضطربة بالأساس.




