من يمثِّل العمّال غير المنظّمين في معركة تصحيح الأجور؟

محمد زبيب

فشلت «نقابات 14 آذار» في تسجيل انتصار لها على قيادة الاتحاد العمالي العام، من خلال الضغط لإصدار مرسوم تصحيح الأجور عشية عيد العمال... لو تحقق لها ذلك، لكانت قد غرزت أقدامها في الساحة النقابية مستظلّة بالانقسام السياسي الحاد، ولكن هل كان سيشكّل ذلك «عيدية» حقيقية لكل العاملين بأجر؟

لا فارق جوهرياً بين الأطراف المختلفة، التي تخوض معركة تصحيح الأجور، فهذه المعركة أُدخلت في البازار السياسي، وبات كل طرف يكرّس جهوده لصناعة «الانتصار» على الآخر، أكثر مما يكرّسها لنصرة الفئات التي يدّعي تمثيلها، معتقداً أن ذلك يعفيه من سخط ناسه وشوارعه، كما يعفيه من سخط الناس الآخرين والشوارع الأخرى...
لقد حصرت كل الأطراف المعنية معركتها بمطلب شبه وحيد هو تصحيح الأجور، وسايرها الإعلام بذلك، عن قصد أو عن غير قصد، فأُعفيت الحكومة من كل مسؤولية تجاه مواجهة الآثار السلبية الناجمة عن انفلات الأسعار من كل عقال، ورُكِّبَت معادلة (زيادة الأسعار = زيادة الأجور)، ما أتاح للحكومة فرصة إعطاء نفسها صفة «المراقب» الذي يتلطّى وراء الخلاف «التقليدي» بين العمّال وأصحاب العمل، وينتظر توافقهما لإجراء «المقتضى»، بل إن الاجتماع الوزاري التشاوري، الذي حلّ محل جلسة مجلس الوزراء أول من أمس، أعطى الحكومة صفة الراعي لـ«الحوار» بين طرفي النزاع في القطاع الخاص، متجاهلاً أن أحد موانع الاتفاق بينهما هو رفض الحكومة نفسها لأي تدخّل مباشر في التخفيف من الأعباء التي تثقل الأجور، وفي التخفيف من الأكلاف التي تتذرّع بها المؤسسات لرفض أي زيادة مقبولة على الأجور، ومتجاهلاً أيضاً أن أصحاب العمل يقفون خلف الحكومة التي تمانع إجراء زيادات على أجور العاملين في القطاع العام خوفاً من إزالة عمليات التجميل التي تخضع لها حسابات الموازنة والخزينة العامة، فالجميع بات يعلم أن الرئيس فؤاد السنيورة ووزير ماليته وحاكم مصرف لبنان (كل بحسب موقعه وحساباته) يفضّلون أن تأتي الزيادة كمبلغ هزيل، مقطوع، لا يدخل في صلب الراتب، ولا تترتب عليه الاشتراكات لدى المؤسسات الضامنة ولا يُحتسب في إطار معاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة.
لا شك أن تصحيح الأجور بات مطلباً حيوياً في ظل الظروف الراهنة، ولا سيما أن الأجور المجمّدة منذ عام 1996، خسرت حتى اليوم أكثر من 60 في المئة من قوتها الشرائية، ولكن هل يكفي تحقيق هذا المطلب لمواجهة ظاهرة التضخم ورفع الأسعار المصطنع والاستباقي؟ وهل إضافة 100 ألف ليرة أو أقل أو أكثر يعطي العمال والأجراء والموظفين فرصة لالتقاط الأنفاس في ظل هذا السباق المحموم بين كلفة المعيشة المرتفعة والأجور المتدنية؟
إن المعركة المفتوحة الآن لا تزال قاصرة عن تقديم هدية للعمال، فلا الزيادة ستكون كافية مهما بلغت، ولا زيادة الأجور كمطلب سيطال كل الذين بحاجة اليوم إلى الحماية والدعم... فالدراسات الإحصائية تؤكد أن هناك 40 في المئة من العمالة اللبنانية ستكون مستثناة من أي أثر إيجابي لتصحيح الأجور، باعتبار أن هؤلاء لا يعملون في القطاعات المنظمة، ولا يتقاضون أجوراً ثابتة ولا يخضعون أصلاً لقانون العمل أو أي نظام يحميهم من الاستغلال القائم حقاً في سوق العمل، فهم يعملون لساعات طويلة في اليوم، وغالباً ما تكون أعمالهم موسمية، ولا تشملهم تقديمات الضمان الاجتماعي، وليس لديهم تعويضات نهاية الخدمة، ولا شيء من كل ذلك.
إن العاملين الذين يتقاضون أجراً أسبوعياً أو بحسب الساعة أو الكميّة المنتجة يمثّلون ثلث الفقراء العاملين... أما نصف الفقراء فهم من فئة العاملين من دون رواتب، فمن يمثّل هؤلاء في معركة لا تأبه لهم؟
اليس هذا في صلب وظيفة الحكومة؟


عدد الخميس ١ أيار ٢٠٠٨